آمنت بربكم فاسمعون، Emily B. Assamyآمنت بربكم فاسمعون › تقديم

ابحث في الصفحة

أتريد أن تسمع معي صوت هذه الفطرة، صافية من كل شوب، نابعة حتى من فؤاد لم يتبصر بحقائق الإسلام بعد؟

إذاً فتعال أقتطع لك من قصة هذه الأخت، العبارات التالية، وهي تصف حالها إذ وضعت مولودها الأول في مسقط رأسها بأمريكا، بعيداً عن زوجها المقيم بدمشق، وذلك قبل أن تدخل الإسلام وتعلم شيئاً من أحكامه وتفاصيله:

"ها أنا ذا أحضنك لأول مرة يا بني، بعيداً عن والدك، فقد أدخلوه في الجيش، فأرسلني لأضع عند أبي العجوز، الذي لا يزال يحزن لشأني رغم تأكيدي له أنني بخير.. وسنعود قريباً أنا وأنت إلى دمشق..

لقد سميتك محمداً، فإنه اسم أبيك وجدك، وهو كذلك اسم نبيك إذ خرجتَ إلى الدنيا مسلماً مطمئناً..

أنت أمانة بين يديّ، ولا أملك أن أكفل مستقبلك.. ليتني كنت مؤمنة فأتوكل على اللّه.. ليتني قادرة على أن أجعلك مؤمناً، أن أحدثك وأنت نائم، فتسجِّل عندك كلمة تبقى معك إلى أن تكبر، كلمة تثبتك. ولم أحفظ من دينك إلاّ ما كنت أسمع المؤذن يقول، لأقوله في أذنك..".

واحتضنت الأم طفلها، وأخذت تتلو ألفاظ الأذان في أذنه بسائق من الفطرة التي تعتلج في أعماقها، دون أن تعلم بأن ذلك سنة موروثة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم!!..

هل يمكن أن تسمع أذناك صوت الحقيقة الإسلامية الكامنة في أعماق كل نفس، بأقوى مما ينطق به هذا المشهد الأخاذ في هذه القصة؟..

ألا، ويل لكل من ائتمنه اللّه على مولود، ليرعى فيه نواة الفطرة الإسلامية، فضيع الأمانة، وسعى سعيه لخنق هذه الفطرة واجتثاث أصولها. ثم مضى وهو يظن أنه استبدل بالفطرة نقيضها، وأسكت صوت الحقيقة عن بلوغ مداه!..

ثالثاً – لقد تملكني شعور مؤلم ممضّ، ما أظن إلاّ أنه يتملك كل من سيقرأ هذه القصة بإمعان وتدبر، أن تنظر فتجد هذه الأخت (وهي نموذج للكثيرين من أمثالها) غامرت ببذل كل جهد، وضحّت بكل حظ من حظوظ النفس، في سبيل أن تعتنق الإسلام عن دراية وعلم، وتطبقه عهداً لا تخونه ولا تقصر فيه. فطابت لها الهجرة عن الوطن، وتجرعت غصة البعد عن الأهل والأقارب، ثم استسهلت كل صعب في سبيل أن تتعلم اللغة العربية الفصحى، ولا تقتنع باللغة الدارجة التي اكتسبتها من الجيران والصديقات، إلى أن تعلمتها، فوصلت بها إلى شغاف الهدي القرآني والنور النبوي..

على حين أن ترى في مقابل ذلك حالاً عجيبة لكثرة من الناس، نبتوا فوق أرض إسلامية مقدسة، تظلهم حياة إسلامية وارفة، أمامهم موائد شتى للمعارف الإسلامية النيرة، لا تحجبهم عن تذوقها عجمة، ولا يفتقرون لتفهما إلى لغة، ولا يحتاجون للوصول إليها هجرة عن وطن أو مفارقة لأهل.. وعلى الرغم من توفر ذلك كله لهم تراهم يركلون النعمة بأقدامهم، ويطمسون أبصارهم بأيديهم، كي لا ترى شيئاً من بصيص النور الذي أمامهم، وينقذفون هنا وهناك بحثاً عن سبيل يصدهم صداً عن حقائق الإسلام الساطعة، وبراهينه النيرة! يلهثون سعياً وراء تقليد الضائعين، ولا يعتبرون بحال الآلاف منهم، وهم يستنجدون بالإسلام وهديه، ويقتحمون للوصول إليه كل شدةٍ وتهلكة!!..

لقد رأيت في هذا العام لفيفاً من الشباب تجمعوا في بيت اللّه العتيق، من شتى أنحاء أوربا وأمريكا، انتجاعاً للمعارف الإسلامية، وشوقاً إلى أن يروا بيت اللّه العتيق، فيجددوا في ظلاله بيعتهم الصادقة للّه عز وجل.. وقد نالهم في سبيل الوصول إلى ما وصلوا إليه كل لون من ألوان الشدائد، وقد كانوا بغنى عن ذلك كله، لولا ظمأ إلى التشبع بالحقيقة الإسلامية هاج في أكبادهم!.. فلقد رأيتهم في بيت اللّه الحرام، وقد لبسوا العمائم، وأطلقوا اللحى، وارتدوا ألبسة الإسلام التي هجرها المسلمون اليوم ضعفاً وتقليداً، يعكفون على دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية المختلفة، لا يستبدلون بالسعادة التي وصلوا إليها، أضعاف ما استدبروه من زخرف الدنيا ومتاعها!!..

رأيت هذا، ففاضت العين مني: أسى!..

أتكون هذه حال الغرباء عن الإسلام ودياره، ويكون حال أكثر المسلمين عندنا هو الانهماك الأعمى في محاربة الإسلام والكيد لحقائقه الساطعة؟..

إن هذا لعجيب حقاً!!

ولكن الأعجب منه أن يندفع أولئك الغرباء، إلى الإسلام، ويعتنقوه بكل طمأنينة وإخلاص، دون أن يحجبهم عن إشراقه هذا الواقع المخزي الذي يعاني منه الكثير من المسلمين!..

الأعجب منه أن يملك أولئك الإخوة الغرباء، القدرة على التمييز بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين، فلا يصدهم عن الإسلام واقع أهله، ولا يحملهم التقززُ من مخجلات أوضاعهم على التعقد النفسي من الإسلام الذي ينتسبون إليه!..

ولكن من يدري!.. لعل المسلمين اليوم لو كانوا أعزاء بإسلامهم، لتسابق الناس إلى الإسلام أفواجاً من كل حدب وصوب، ولاصطبغ كل من أوربا وأمريكا بالإسلام خلال بضع سنوات!.. بل هي الحقيقة التي لا يرتاب فيها أي عاقل متبصر لوقائع الأمور.

وهذا هو السرّ في أن عقلية كل من الاستعمار الأوربي والأمريكي لا تبالي أن تنشط الحركات الإسلامية في ربوعها، إذا ما اطمأنت إلى أن الإسلام مهيض الجناح في ربوعه، وأن معظم المسلمين معرضون عن إسلامهم، يحاربونه بأيديهم.

ولكن، فليعلم الجميع أن ديناً أقام اللّه عماده بيده، وفطر عليه أفئدة عباده، لن يوقف من مدِّه أو يخْفِض من سلطانه كيد مستعمر أجنبي، ولا حقدُ مسلم غبيّ، ولسوف يأتي اليوم الذي يتحقق فيه مصداق قول رب العالمين:

{سَنُريهِمْ آياتِنا في الآفاقِ. وفي أَنْفُسهِمْ. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ}.

وبعد، فهذا بعض من جوانب الأهمية في هذه القصة، أما الجوانب الأخرى فيمكنك أن تقف عليها عندما تمضي في قراءتها بتدبر وإمعان.

إنها قصة فتاة أمريكية، غدت بعد ذلك أماً لمن أسمته: محمداً.

وهي لم تكتبها إلا عبرةً ودرساً لأولادها، وعندما جاء من يستأذنها في النشر، لتكون العبرة بها أتم وأشمل، أبت إلا أن تسجل على القصة إلى جانب اسمها الأصلي كنيتها التي اعتزت بها وجعلت منها بديلاً عن اسمها القديم: أم محمد.

وكأني بها لا تريد أن ينفصل اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم عن كيانها، ولا تريد أن تنسى الساعة التي أسمت فيها وليدها الأول محمداً، وأهدت إليه، في جوف الظلام الذي كان يحيط بها آنذاك، قبساً من ضياء الفطرة الإسلامية، اقتطعته من أعماق مهجتها المتوهجة بنور الإسلام، حتى قبل أن تدخل رحابه، وتقطع على نفسها وحياتها البيعة الصادقة له.

وشاء اللّه أن يكون ذلك القبس، سلسلة الكلمات النورانية التي تتعالى فوق المآذن وتتكرر على أسماع المسلمين خمس مرات في كل يوم وليلة..

فيا أختي المهاجرة في سبيل اللّه: أقول لك بلغة دموعي، قبل بيان قلبي ولساني: تقبل اللّه منك جهادك وهجرتك في سبيله، وجعل من الكلمات القدسية التي انسكبت من فمك في أذن مولودك الصغير، شعلة وضاءة تنتشر من خلال سطور هذه القصة في كل بيت من بيوت المسلمين، وفي كل قلب لا تزال فيه بقايا من جذوة الإيمان ونبضات اليقين.

أذاقنا اللّه جميعاً لذة معرفته، وسعادة القرب منه، وأعاننا على التخلص من عفن الشهوات والأهواء التي تحجبنا عنه. حتى نخلص إلى دار القرار بسلام والحمد للّه رب العالمين.

محمد سعيد رمضان البوطي

دمشق 28 صفر 1399 / 27 كانون الثاني 1979