الدر المنثور للسيوطيالمجلد الثالث › 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة › التفسير

ابحث في الصفحة

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتلهم منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية، وأكله.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} قال: حرم صيده ههنا، وأكله ههنا.

وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ومن قتله منكم متعمدا} قال: إن قتله متعمدا أو ناسيا أوخطأ حكم عليه، فإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه. وفي قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل إبلا ونحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين يوما، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما، والطعام مد مد يشبعهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحكم. أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ومن قتله منكم متعمدا} قال: متعمد القتلة ناسيا لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكرا لإحرامه متعمد القتلة لم يحكم عليه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله قال: لا يحكم عليه ولا حج له.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: العمد هو الخطأ المكفر، أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه.

وأخرج ابن جرير عن الحسن {ومن قتله منكم متعمدا} للصيد ناسيا لإحرامه، فمن اعتدى بعد ذلك متعمدا للصيد يذكر إحرامه لم يحكم عليه.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {ومن قتله منكم متعمدا} قال: إذا كان ناسيا لإحرامه وقتل الصيد متعمدا.

وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن سيرين قال: من قتله متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء، ومن قتله متعمدا لقتله غير ناس لإحرامه، فذاك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

وأخرج الشافعي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: من قتله متعمدا غير ناس لإحرامه ولا يريد غيره فقد حل وليست له رخصة، ومن قتله ناسيا لإحرامه أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر.

وأخرج الشافعي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء {ومن قتله منكم متعمدا} فمن قتله خطأ يغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمدا قال: نعم، تعظم بذلك حرمات الله، ومضت بذلك السنن، ولئلا يدخل الناس في ذلك.

وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمدا، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.

وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ، يعني في المحرم يصيب الصيد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: يحكم عليه في العمد وفي الخطأ ومنه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فليس عليه شيء.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير. في المحرم إذا أمات صيدا خطأ فلا شيء عليه، وإن أصاب متعمدا فعليه الجزاء.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم من أصابه عمدا، والله ما قال الله إلا {ومن قتله منكم متعمدا}.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا أصاب المحرم الصيد يحكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاؤه، ذبحه وتصدق بلحمه، وإن لم يجد جزاؤه، قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوما. قال {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} وإنما أريد بالطعام الصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، في الرجل يصيب الصيد وهو محرم قال: يحكم عليه جزاؤه، فإن لم يجد قال: يحكم عليه ثمنه فقوم طعاما فتصدق به، فإن لم يجد، حكم عليه الصيام.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني في قوله {فجزاء مثل} قال: شبهه.

وأخرج ابن المنذر عن الشعبي {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: نده.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: سأل مروان بن الحكم ابن عباس وهو بوادي الأزرق قال: أرأيت ما أصبنا من الصيد لم نجد له ندا؟ فقال ابن عباس: ثمنه يهدى إلى مكة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: عليه من النعم مثله.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: إن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنه، وإن قتل بقرة أو أيلا أو أروى فعليه بقرة، أو قتل غزالا أو أرنبا فعليه شاة، وإن قتل ظبيا أو جريا أو يربوعا، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن.

وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟ قال: أليس يقول الله {فجزاء مثل ما قتل}؟

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: ما كان له مثل يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: فما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة، فجزاؤه من البدن، وما كان من صيد البر ذوات القرون، فجزاؤه من البقر، وما كان من الظباء، ففيه من الغنم، والأرنب فيه ثنية من الغنم، واليربوع فيه برق وهو الحمل، وما كان من حمامة أونحوها من الطير ففيها شاة، وما كان من جرادة أونحوها ففيها قبضة من طعام.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن قتلت صيدا فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص، أغرم مثله؟ قال: نعم، إن شئت. قال عطاء: وإن قتلت ولد بقرة وحشية، ففيه ولد بقرة أنسية مثله، فكل ذلك على ذلك.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أو النعامة فعليه مثله من الإبل، وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو إبل فجزاؤه من البقر، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله، وما كان من أرنب ففيها ثنية، وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام، وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوما، وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها، فالقيمة فيها طعام أوصوم على الذي يكون في الطير.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل".

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء. أن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية قالوا: في النعامة بدنة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر. أن عمر قضى في الأرنب جفرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: في الحمار بقرة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: إذا أصاب المحرم بقرة الوحش ففيها جزور.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء. أن رجلا أغلق بابه على حمامة وفرخيها، ثم انطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد ماتت، فأتى ابن عمر فذكر ذلك له، فجعل عليه ثلاثة من الغنم، وحكم معه رجل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في طير الحرم شاة شاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في الجراد قبضة من طعام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تمرة خير من جرادة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: سئل ابن عباس عن المحرم يصيد الجرادة؟ فقال: تمرة خير من جرادة.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته.

وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في بيضة النعام صيام يوم، أو إطعام مسكين.

وأخرج الشافعي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود موقوفا. مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وأحمد عن رجل من الأنصار. أن رجلا أوطأ بعيره ادحي نعامة فكسر بيضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين".

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان. أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل محرم أصاب بيض نعام قال: عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزناد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. نحوه.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في بيض النعام ثمنه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: في بيض النعام قيمته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: في بيض النعام قيمته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في كل بيضتين درهم، وفي كل بيضة نصف درهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبيا، فقال أحدنا لصاحبه: أتراني أبلغه؟ فرمى بحجر فما أخطأ خششاه فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت إليه فكلمه ثم أقبل على صاحبنا فقال: أعمدا قتله أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله. قال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق اهابها، يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء، فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل، أعظم شعائر الله، الله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك. قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة {يحكم به ذوا عدل منكم} قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، فعلا صاحبي ضربا بها، وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا، ثم أقبل علي يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك مني شيئا مما حرم الله عليك. قال: يا قبيصة، إني أراك شابا حديث السن، فصيح اللسان فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء، فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة، فإياك وعثرات الشباب.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. أن أعرابيا أتى أبا بكر فقال: قتلت صيدا وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر لأبي بن كعب وهوجالس عنده: ما ترى فيها؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك!

قال أبو بكر: فما تنكر؟ يقول الله {يحكم به ذوا عدل منكم} فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمان، فأجاش أحدهما ظبيا فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: ما ترى؟ قال: شاة. قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فاهديا شاة، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه! فسمعها عمر فردهما، وأقبل على القائل ضربا بالدرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا؟، إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم} ثم قال: إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب قال: أوطأ أربد ظبيا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جديا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر {يحكم به ذوا عدل منكم}.

وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز: ان رجلا سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيدا وهومحرم وعنده عبد الله بن صفوان فقال ابن عمر له: إما أن تقول فأصدقك أو أقول فتصدقني. فقال ابن صفوان: بل أنت فقل. فقال ابن عمر ووافقه على ذلك عبد الله بن صفوان.

وأخرج ابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي حريز البجلي قال: أصبت ظبيا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعدا، فحكما علي تيسا أعفر.

وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا، ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله {يحكم به ذوا عدل منكم}.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي مليكة قال: سئل القاسم بن محمد عن محرم قتل سخلة في الحرم، فقال لي: احكم. فقلت: أحكم وأنت ههنا؟ فقال: إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم}.

وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد قال: لا يصلح إلا بحكمين لا يختلفان.

(يتبع...)