(تابع... 2): الآية 40... ...
فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فسار، ومشى الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته"هذا المنزل إن شاء الله، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا. فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه وهو يقول:
هذا الجمال لا جمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
إن الأجر أجر الآخرة * فارحم الأنصار والمهاجرة
ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت من الشعر تاما غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد.
فلما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش حالت الحرب بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق، فكانت أسماء بنت عميس تحدث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعيرهم بالمكث في أرض الحبشة، فذكرت ذلك أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: لستم كذلك، وكانت أول آية أنزلت في القتال (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) (الحج آية 39) حتى بلغ (لقوي عزيز) ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يردف أبا بكر رضي الله عنه، وهو شيخ يعرف والنبي لا يعرف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك؟ فيقول: هاد يهديني السبيل. قال: فلما دنونا من المدينة نزلنا الحرة، وبعث إلى الأنصار فجاءوا قال: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما كان أحسن منه وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن كثير بن فرقد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج مهاجرا إلى المدينة ومعه أبو بكر رضي الله عنه، أتى براحلة أبي بكر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بل أنت راكب وأردفك أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته "فلما خرجا لقيا في الطريق سراقة بن جعشم - وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يكذب - فسأله من الرجل؟ قال: باغ. قال: فما الذي وراءك؟ قال: هاد. قال: أحسست محمدا! قال: هو ورائي.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فأنزل الله سكينته عليه} قال: على أبي بكر رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم يبصر موقع قدمه لأبصرني وإياك. فقال "ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها".
وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه {فأنزل الله سكينته عليه} قال: على أبي بكر رضي الله عنه، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت عليه السكينة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وجعل كلمة الذين كفروا السفلى} قال: هي الشرك {وكلمة الله هي العليا} قال: لا إله إلا الله.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك. مثله.
وأخرج البخاريي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى".