البحر الرائق، لابن نجيمالجزء 1 › كتاب الطهارة

ابحث في الصفحة

وفي المغرب وأما قولهم استنزهوا البول لحن وفي معراج الدراية وجه مناسبة عذاب القبر مع ترك استنزاه البول هو أن القبر أول منزل من منازل الآخرة والاستنزاه أول منزل من منازل الطهارة والصلاة أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة فكانت الطهارة أول ما يعذب بتركها في أول منزل من منازل الآخرة وفي غاية البيان وجه التمسك به أن البول يشمل كل بول بعمومه وقد ألحق النبي وعيد عذاب القبر بترك استنزاه البول من غير فصل فدل على أن بول ما يؤكل لحمه نجس لأن الحلال لا يتحقق بمباشرته وعيد اه

وأجاب في الهداية عن حديث العرنيين بأنه عليه السلام عرف شفاءهم فيه وحيا وزاد شارحوها كالأتقاني والكاكي جوابا آخر بأن ذلك كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد أن نزلت الحدود ألا ترى أن النبي قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم حين ارتدوا واستاقوا الإبل وليس جزاء المرتد إلا القتل فعلم إباحة البول انتسخت كالمثلة اه

وذكر الأصوليون منا أن العام قبل الخصوص يوجب الحكم فيما تناوله قطعا كالخاص حتى يجوز نسخ الخاص بالعام عندنا كحديث العرنيين ورد في أبوال الإبل وهو خاص نسخ بقوله استنزهوا من البول لأن البول عام لأن اللام فيه للجنس في ضمن المشخصات فيحمل على جميعها إذ لا عهد وحديث العرنيين متقدم لأن المثلة التي تضمنتها منسوخة بالاتفاق لأنها كانت في ابتداء الإسلام اه

وهذا كله مبني على أن قصة العرنيين تضمنت مثلة وقد صرح به في الهداية من كتاب الجهاد فقال والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر وأراد بالنهي المتأخر ما ذكره البيهقي عن أنس قال ما خطبنا رسول الله بعد ذلك خطبة إلا نهى فيها عن المثلة

قد أنكر بعضهم كون الواقع في قصتهم مثلة كما روى ابن سعد في (ص 121) خبرهم أنهم قطعوا يد الراعي ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينه حتى مات فليس هذا بمثلة والمثلة ما كان ابتداء على غير جزاء وقد جاء في صحيح مسلم إنما سمل النبي أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء

وسيأتي بقيته في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى

وأما ما أجاب به قاضيخان في شرح الجامع الصغير وتبعه عليه صاحب معراج الدراية من أن الصحيح أنه أمرهم بشرب الألبان يعني دون الأبوال فلا يخفى ضعفه لما علمت أن رواية شرب الأبوال ثابتة في الكتب الستة والله الموفق للصواب

قوله (لا ما لم يكن حدثا) عطف على بول أي ما لا يكون حدثا لا يكون نجسا وهذا عند أبي يوسف فالدم الذي لم يسل كما إذا أخذ بقطنة ولو كان كثيرا في نفسه والقيء القليل إذا وقع في الماء لا ينجسه وكذا إذا أصاب شيئا

وقال محمد إنه نجس

كذا في كثير من الكتب

وظاهر ما في شرح الوقاية أن ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة أنه ليس بنجس وعند محمد في غير رواية الأصول أنه نجس لأنه لا أثر للسيلان في النجاسة فإذا كان السائل نجسا فغير السائل يكون كذلك

ولنا قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} إلى قوله {أو دما مسفوحا} فغير المسفوح لا يكون محرما لا يكون نجسا والدم الذي لم يسل عن رأس الجرح دم غير مسفوح فلا يكون نجسا

فإن قيل هذا فيما يؤكل لحمه أما فيما لا يؤكل كالآدمي فغير المسفوح حرام أيضا فلا يمكن الاستدلال بحله على طهارته قلت لما حكم بحرمة المسفوح بقي غير المسفوح على أصله وهو الحل ويلزم سنه الطهارة سواء كان فيما يؤكل لحمه أو لا لإطلاق النص ثم حرمة غير المسفوح في الآدمي بناء على حرمة لحمه وحرمة لحمه لا توجب نجاسته إذ هذه الحرمة للكرامة لا للنجاسة فغير المسفوح في الآدمي يكون على طهارته الأصلية مع كونه محرما والفرق بين المسفوح وغيره مبني على حكمة غامضة وهي أن غير المسفوح دم انتقل عن العروق وانفصل عن النجاسات وحصل له هضم آخر في الأعضاء وصار مستعدا لأن يصير عضوا فأخذ طبيعة العضو فأعطاه الشرع حكمه بخلاف دم العروق فإذا سال عن رأس الجرح علم أنه دم انتقل من العروق في هذه الساعة وهو الدم النجس أما إذا لم يسل علم أنه دم العضو

وهذا في الدم أما في القيء فالقليل هو الماء الذي كان في أعالي المعدة وهي ليست محل النجاسة فحكمه حكم الريق

كذا في شرح الوقاية

وكان الإسكاف والهندواني يفتيان يقول محمد وصحح صاحب الهداية وغيره قول أبي يوسف وقال في العناية قول أبي يوسف أرفق خصوصا في حق أصحاب القروح وفي فتح القدير أن الوجه يساعده لأنه ثبت أن الخارج بوصف النجاسة حدث وأن هذا الوصف قبل الخروج لا يثبت شرعا وإلا لم يحصل للإنسان طهارة فلزم أن ما ليس حدثا لم يعتبر خارجا شرعا وما لم يعتبر خارجا شرعا لم يعتبر نجسا اه

وذكر في السراج الوهاج أن الفتوى على قول أبي يوسف فيما إذا أصاب الجامدات كالثياب والأبدان وعلى قول محمد فيما إذا أصاب المائعات كالماء وغيره اه

وفي معراج الدراية ثم قوله ما لا يكون حدثا إلى آخره لا ينعكس فلا يقال ما لا يكون نجسا لا يكون حدثا فإن النوم والجنون والإغماء وغيرها حدث وليست بنجسة اه

لكن قد يقال إنه مطرد منعكس لأن المراد ما يخرج من بدن الإنسان وليس بحدث لا يكون نجسا وكذا ما يخرج من البدن وليس بنجس لا يكون حدثا وأما النوم ونحوه فلم يدخل في العكس في قولنا ما لا يكون نجسا لا يكون حدثا لأنه ليس بخارج من بدن الإنسان

قوله (ولا يشرب أصلا) أي بول ما يؤكل لحمه لا يشرب أصلا لا للتداوي ولا لغيره وهذا عند أبي حنيفة

وقال أبو يوسف يجوز للتداوي لأنه لما ورد الحديث به في قصة العرنيين جاز التداوي به إن كان نجسا

وقال محمد يجوز شربه مطلقا للتداوي وغيره لطهارته عنده

ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه (ص 122) نجس والتداوي بالطاهر المحرم كلبن الأتان لا يجوز فما ظنك بالنجس ولأن الحرمة ثابتة فلا يعرض عنها إلا بتيقن الشفاء وتأويل ما روي في قصة العرنيين أنه عليه السلام عرف شفاءهم فيه وحيا ولم يوجد تيقن شفاء غيرهم لأن المرجع فيه الأطباء وقولهم ليس بحجة قطعية وجاز أن يكون شفاء قوم دون قوم لاختلاف الأمزجة حتى لو تعين الحرام مدفعا للهلاك الآن يحل كالميتة والخمر عند الضرورة ولأنه عليه السلام علم موتهم مرتدين وحيا ولا يبعد أن يكون شفاء الكافرين في نجس دون المؤمنين بدليل قوله تعالى {الخبيثات للخبيثين} (النور 26) وبدليل ما روى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه السلام قال إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (1) فاستفيد من كاف الخطاب أن الحكم مختصر بالمؤمنين

هذا وقد وقع الاختلاف بين مشايخنا في التداوي بالمحرم ففي النهاية عن الذخيرة الاستشفاء بالحرام يجوز إذا علم أن فيه شفاء ولم يعلم دواء آخر اه

وفي فتاوى قاضيخان معزيا إلى نصر بن سلام معنى قوله عليه السلام إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم إنما قال ذلك في الأشياء التي لا يكون فيها شفاء

فأما إذا كان فيها شفاء فلا بأس به

ألا ترى أن العطشان يحل له شرب الخمر للضرورة اه

وكذا اختار صاحب الهداية في التجنيس فقال إذا سال الدم من أنف إنسان يكتب فاتحة الكتاب بالدم على جبهته وأنفه يجوز ذلك للاستشفاء والمعالجة ولو كتب بالبول إن علم أن فيه شفاء لا بأس بذلك لكن لم ينقل وهذا لأن الحرمة ساقطة عند الاستشفاء ألا ترى أن العطشان يجوز له شرب الخمر والجائع يحل له أكل الميتة اه

وسيأتي لهذا زيادة بيان في باب الكراهية إن شاء الله تعالى

قال في التبيين وقول محمد مشكل لأن كثيرا من الطاهر لا يجوز شربه وقول أبي يوسف أشد إشكالا اه

وقد يقال إنه لا إشكال فيه أصلا لأنه قال بنجاسته عملا بحديث استنزهوا من البول وقال بجواز شربه للتداوي عملا بحديث العرنيين

قوله (وعشرون دلوا وسطا بموت نحو فأرة) قال في التبيين أي ينزح عشرون إذا ماتت فيها فأرة ونحوها

وقوله عشرون معطوف على البئر وفيه إشكال وهو أنه يصير معناه تنزح البئر وعشرون دلوا وأربعون وكله فيفسد المعنى لأنه يقتضي نزح البئر وعشرين دلوا وليس هذا بمراد وإنما المراد أن تنزح البئر إذا وقع فيها نجس

ثم ذلك النجس ينقسم إلى ثلاثة أقسام منه ما يوجب نزح عشرين ومنه ما يوجب نزح أربعين ومنه ما يوجب نزح الجميع

وليس نزح البئر مغايرا لهذه الثلاث حتى يعطف عليها وإنما هو تفسير وتقسيم لذلك النزح المبهم وليس هذا من باب عطف البعض على الكل لا يقال إنه أراد بالأول ما يوجب الجميع وبالمعطوف ما يوجب نزح البعض لأنه ذكر بعد ذلك ما يوجب نزح الجميع أيضا فلو كان مراده الجميع لما ذكر ثانيا لكونه تكرارا محضا ولأن الأول لا يجوز أن يحمل على نوع من هذه الأنواع الثلاثة لعدم الأولوية فبقي على إطلاقه

إلى هنا كلام الزيلعي رحمه الله وأقول لا حاجة إلى هذه الإطالة مع إمكان حمل كلامه على وجه صحيح فإن قوله عشرون معطوف على البئر بمعنى ماء البئر كما تقدم والواو فيه كبقية المعطوفات بمعنى أو والتقدير ينزح ماء البئر كله بوقوع نجس غير حيوان أو ينزح عشرون دلوا من ماء البئر بموت نحو فأرة أو أربعون منه بنحو دجاجة أو كله بنحو شاة إلى آخره وبهذا علم أن قوله وتنزح البئر بوقوع نجس ليس مبهما بل المراد منه نجس غير حيوان واندفع به ما ذكره من لزوم التكرار لو أريد بالأول نزح الجميع فإنه أريد بالأول نزح الجميع لوقوع غير حيوان وأريد بالثاني نزح الجميع لوقوع حيوان مخصوص فلا تكرار

وقوله ولأن الأول لا يجوز أن يحمل إلى آخره سلمناه لكن يمنع قوله فبقين على إطلاقه لأنه لا يلزم من انتفاء جواز حمله على الأنواع الثلاث بقاؤه مطلقا لجواز حمله على نوع رابع غير (ص 123) الثلاثة كما حملناه على النجس الذي ليس حيوانا وهو ليس واحدا من الأنواع

واعلم أنه لا فرق بين أن تموت الفأرة في البئر أو خارجها وتلقى فيها وكذا سائر الحيوانات إلا الميت الذي تجوز الصلاة عليه كالمسلم المغسول أو الشهيد

نعم في خزانة الفتاوى والفأرة اليابسة لا تنجس الماء لأن اليبس دباغة اه

ولا يخفى ضعفه لأنا قدمنا أن ما لا يحتمل الدباغة لا يطهر وأن اليبس ليس بدباغة ويدل عليه ما في الذخيرة أن الفأرة الميتة إذا كانت يابسة وهي في الخابية وجعل في الخابية الزيت فظهرت على رأس الخابية فالزيت نجس اه

ثم اعلم أن الواقع في البئر إما نجاسة أو حيوان وحكم النجاسة قد تقدم في قوله وتنزح البئر بوقوع نجس على ما أسلفناه والحيوان إما آدمي أو غيره وغير الآدمي إما نجس العين أو غيره

وغير نجس العين إما مأكول اللحم أو غيره

والكل إما أن أخرج حيا أو ميتا والميت إما منتفخ أو غيره

فالآدمي إذا خرج حيا ولم يكن في بدنه نجاسة حقيقية أو حكمية وكان مستنجيا لم يفسد الماء وإن كان مسلما جنبا أو محدثا فانغمس بنية الغسل أو لطلب الدلو فقد تقدم حكمه وإن كان كافرا روي عن أبي حنيفة أنه ينزح ماؤها لأن بدنه لا يخلو عن نجاسة حقيقة أو حكما وإن أخرج ميتا وكان مسلما وقع بعد الغسل لم يفسد الماء وإن كان قبله فسد والكافر يفسد قبل الغسل وبعده وغير الآدمي إن كان نجس العين كالخنزير والكلب على القول بأنه نجس العين نجس البئر مات أو لم يمت أصاب الماء فمه أو لم يصب

وعلى القول بأن الكلب ليس بنجس العين لا ينجسه إذا لم يصل فمه إلى الماء وهو الأصح وقيل دبره منقلب إلى الخارج فلهذا يفسد الماء بخلاف غيره من الحيوانات

وأما سائر الحيوانات فإن علم ببدنه نجاسة تنجس الماء وإن لم يصل فمه إلى الماء وقيدنا بالعلم لأنهم قالوا في البقر ونحوه يخرج ولا يجب نزح شيء وإن كان الظاهر اشتمال بولها على أفخاذها لكن يحتمل طهارتها بأن سقطت عقب دخولها ماء كثيرا

هذا مع أن الأصل الطهارة وإن لم يعلم ولم يصل فمه إلى الماء فإن كان مما يؤكل لحمه فلا يوجب التنجيس أصلا وإن كان مما لا يؤكل لحمه من السباع والطيور ففيه اختلاف المشايخ والأصح عدم التنجيس وكذلك في الحمار والبغل والصحيح أنه لا يصير الماء مشكوكا فيه وقيل ينزح ماء البئر كله

وإن وصل لعابه فحكم الماء حكمه فيجب نزح الجميع إذا وصل لعاب البغل أو الحمار إلى الماء

كذا في فتاوى قاضيخان وغيرها

لكن في المحيط ولو وقع سؤر الحمار في الماء يجوز التوضؤ به ما لم يغلب عليه لأنه طاهر غير طهور كالماء المستعمل عند محمد اه

وظاهر كلام صاحب الهداية في التجنيس أن معنى قولهم يجب نزح الجميع أنه لا لأجل النجاسة بل لأنه كان غير طهور ولا يجب النزاح إذا وقع في البئر ما يكره سؤره ووصل لعابه إلى الماء لكن في فتاوى قاضيخان ينزح منها دلاء عشرة أو أكثر احتياطا وثقة

وفي التبيين يستحب نزح الماء كله

ولا يخفى مافيه

وهذا كله إذا خرج حيا فإن مات وانتفخ أو تفسخ فالواجب نزح الجميع في الجميع وإن لم ينتفخ ولم يتفسخ فالمذكور في ظاهر الرواية أنه على ثلاث مراتب كما دل عليه كلام المصنف والقدوري وصاحب الهداية وغيرهم

ففي الفأرة ونحوها عشرون أو ثلاثون وفي الدجاجة ونحوها أربعون أو خمسون أو ستون وفي الشاة ونحوها ينزح ماء البئر كله وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة جعله على خمس مراتب ففي الحلمة واحد الحلم وهي القراد الضخم العظيم والفأرة الصغيرة عشر دلاء وفي الفارة الكبيرة عشرون وفي الحمامة ثلاثون وفي الدجاجة أربعون وفي الآدمي ماء البئر كله وقد قدمنا أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار فذكر مشايخنا في كتبهم آثارا الأول عن أنس رضي الله عنه أنه قال في الفأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها ينزح منها عشرون دلوا

الثاني عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها (ص 124) أربعون دلوا

قال في الغاية لم يذكر أحد من أهل الحديث فيما علمته حديث أنس وإنما ذكره أصحابنا في كتب الفقه على عادتهم وفي فتح القدير ذكر مشايخنا ما عن أنس والخدري غير أن قصور نظرنا أخفاه عنا

وقال الشيخ علاء الدين إن الطحاوي رواهما من طرق وتعقبه تلميذه الإمام الزيلعي المخرج بأني لم أجدها في شرح الآثار للطحاوي ولكنه أخرج عن حماد بن أبي سليمان أنه قال في دجاجة وقعت في البئر فماتت قال ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين

وأجاب عنه المحقق السراج الهندي بأنه يجوز أن يكون الطحاوي ذكرهما في كتاب اختلاف العلماء له أو في أحكام القرآن له أو في كتاب آخر ولا يلزم من عدم الوجدان في الآثار عدم الوجود مطلقا

الثالث حديث الزنجي في بئر زمزم وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى

واختلف في تفسير الدلو الوسط فقيل هي الدلو المستعمل في كل بلد وقيل المعتبر في كل بئر دلوها لأن السلف لما أطلقوا انصرف إلى المعتاد واختاره في المحيط والاختيار والهداية وغيرها وهو ظاهر الرواية لأنه مذكور في الكافي للحاكم

وقيل ما يسع صاعا وهو ثمانية أرطال وقيل عشرة ارطال وقيل غير ذلك

والذي يظهر أن البئر إما أن يكون لها دلو أو لا فإن كان لها دلوا اعتبر به وإلا اتخد لها دلو يسع صاعا وهو ظاهر ما في الخلاصة وشرح الطحاوي والسراج الوهاج وحينئذ فينبغي أن يحمل قول من قدر الدلو على ما إذا لم يكن للبئر دلو كما لا يخفى فلو نزح القدر الواجب فيها بحسب دلوها أو دلوهم بدلو واحد كبير أجزأ وحكم بطهارتها وهو ظاهر المذهب وكان الحسن بن زياد يقول لا تطهر إلا بنزح الدلاء المقدرة الواجبة لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون كالجاري وهذ لا يحصل بدلو واحد وإن كان عظيما كذا في البدائع ونقله في التبيين والنهاية عن زفر

قلنا قد حصل المقصود وهو إخراج القدر الواجب واعتبار معنى الجريان ساقط ولهذا لا يشترط التوالي في النزح حتى لو نزح في كل يوم دلو جاز ويتفرع على عدم اشتراط التوالي أنه إذا نزح البعض ثم ازداد في الغد وقيل ينزح كله وقيل مقدار البقية

هذا مع أن في اشتراط التوالي خلافا نقله في معراج الدراية لكن المختار عدم اشتراطه وأنه إذا ازداد في اليوم الثاني لا ينزح إلا ما بقي

إليه أشار في (ص 125) الخلاصة

وأشار المصنف رحمه الله بقوله بموت نحو فارة إلى أن ما يعادل الفأرة في الجثة حكمه حكمها وأورد عليه سؤالا وجوابا في المستصفى فقال فإن قيل قد مر أن مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار والنص ورد في الفارة والدجاجة والآدمي وقد قيس ما عادلها بها قلنا بعد ما استحكم هذا الأصل صار كالذي ثبت على وقف القياس في حق التفريع عليه كما في الإجارة وسائر العقود التي يأبى القياس جوازها اه

ولا يخفى ما فيه فإنه ظاهر في أن للرأي مدخلا في بعض مسائل الآبار وليس كذلك فالأولى أن يقال إن هذا إلحاق بطريق الدلالة لا بالقياس كما اختاره في معراج الدراية

قوله (وأربعون بنحو حمامة) أي ينزح أربعون دلوا وسطا بموت نحو حمامة وقد تقدم دليله قريبا وقد ذكر المصنف في هذين النوعين القدر الواجب ولم يذكر المستحب ولم يتعرض له الشارح الزيلعي أيضا والمذكور في غيرهما أن المستحب في نحو الفأرة عشرة وفي نحو الدجاجة اختلف كلام محمد في الأصل والجامع الصغير ففي الأصل ما يفيد أن المستحب عشرون وفي الجامع الصغير عشرة

قال في الهداية وهو الأظهر

وعلل له في غاية البيان بأن الجامع الصغير صنف بعد الأصل فأفاد أن الظهور من جهة الرواية لا من جهة الدراية

وقد يقال من جهة الدراية إن الذي يضعف بسبب كبر الحيوان إنما هو الواجب لا المستحب

واعلم أن القدر المستحب المذكور لم يصرح به في ظاهر الرواية وإنما فهمه بعض المشايخ من عبارة محمد رحمه الله حيث قال ينزح في الفارة عشرون أو ثلاثون وفي الهرة أربعون أو خمسون فلم يرد به التخيير بل أراد به بيان الواجب والمستحب وليس هذا الفهم بلازم بل يحتمل أنه إنما قال ذلك لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر ففي الصغير ينزح الأقل وفي الكبير ينزح الأكثر

وقد اختار هذا بعضهم كما نقله في البدائع ولعل هذا هو سبب ترك التعرض للمستحب في الكتاب ثم هذا إذا كان الواقع واحدا فأما إذا تعدد فالفأرتان إذا لم يكونا كهيئة الدجاجة كفارة واحدة إجماعا وكذا إذا كانا كهيئة الدجاجة إلا فيما روي عن محمد أنه ينزح منها أربعون والهرتان كالشاة إجماعا

وجعل أبو يوسف الثلاث والأربع كفارة واحدة والخمسة كالهرة إلى التسع والعشرة كالكلب

وقال محمد الثلاث كالهرة والست كالكلب ولم يوجد التصحيح في كثير من الكتب لكن في المبسوط أن ظاهر الرواية أن الثلاث كالهرة فيفيد أن الست كالكلب وبه يترجح قول محمد وما كان بين الفأرة والهرة فحكمه حكم الفارة وما كان بين الهرة والكلب فحكمه حكم الهرة

وهكذا يكون حكم الأصغر والهرة مع الفأرة كالهرة ويدخل الأقل في الأكثر

كذا في التجنيس وغيره

وظاهره يخالف قول من قال إن الفارة إذا كانت هاربة من الهرة فوقعت في البئر وماتت ينزح جميع الماء لأنها تبول غالبا فإن على هذا القول يجب نزح الجميع في الهرة مع الفأرة لأنها تبول خوفا قد جزم به جماعة لكن قال في المجتبى وقيل بخلافه وعليه الفتوى اه

ولعل وجهه أن في ثبوت كونها بالت شكا فلا يثبت بالشك

قوله (وكله بنحو شاة) أي ينزح ماء البئر كله بموت ما عادل الشاة في الجثة كالآدمي والكلب طاهرا كان أو نجسا لأن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم كما رواه ابن سيرين وعطاء وعمر وبن دينار وقتادة وأبو الطفيل أما رواية ابن سيرين فأخرجها الدارقطني في سننه بإسناده عن محمد بن سيرين أن زنجيا مات في زمزم فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح قال فغلبتهم عين جاءت من الركن قال فأمر بها فسدت بالقباطي والمطارف حتى نزحوها فلما نزحوها انفجرت عليهم

والقباطي جميع قبطية وهو ثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء وكأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر والمطارف أردية من خز مربعة لها أعلام مفردها مطرف بكسر الميم وضمها (ص 126) وأما رواية عطاء فرواها ابن أبي شيبه في مصنفه والطحاوي في شرح الآثار أن حبشيا وقع في بئر زمزم فمات فأمر ابن الزبير فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن الزبير حسبكم

وأما رواية عمرو بن دينار فرواها البيهقي والآمر فيها بالنزح ابن عباس وأما رواية قتادة فرواها ابن أبي شيبة في مصنفة والآمر ابن عباس

وأما رواية أبي الطفيل فرواها البيهقي والآمر ابن عباس

فإن قالوا رواية ابن سيرين مرسلة لأنه لم يلق ابن عباس بل سمعها من عكرمة وكذا قتادة لم يلق ابن عباس وأما رواية ابن دينار ففيها ابن لهيعة ولا يحتج به وأما رواية أبي الطفيل ففيها جابر الجعفي ولا يحتج به وأما عطاء فهو وإن سمع من ابن الزبير بلا خلاف لكن وجد ما يضعف روايته وهو ما رواه البيهقي عن سفيان بن عيينة أنه قال إنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا إنه وقع في بئر زمزم ولا سمعت أحدا يقول نزحت زمزم

ثم أسند عن الشافعي أنه قال لا يعرف هذا عن ابن عباس وكيف يروي ابن عباس عن النبي الماء لا ينجسه شيء ويتركه وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء أو نزحها للتنظيف لا للنجاسة فإن زمزم للشرب

فالجواب أن ابن سيرين لما أرسل عن ابن عباس وكان الواسطة بينهما ثقة وهو عكرمة كان الحديث صحيحا محتجا به وفي التمهيد لابن عبد البر مراسيل ابن سيرين عندهم حجة صحاح كمراسيل سعيد بن المسيب

وأما الجعفي فقد وثقه الثوري وشعبة واحتمله الناس ورووا عنه ولم يختلف أحد في الرواية عنه ورواه الطحاوي عنه أيضا وأما ابن لهيعة قال ابن عدي هو حسن الحديث يكتب حديثه وقد حدث عنه الثقات الثوري وشعبة وعمرو بن الحارث والليث ابن سعد

وأما عدم علم سفيان والشافعي فلا يصلح دليلا في دين الله تعالى والإثبات مقدم على النفي فإن لم يعرفا فقد عرف غيرهما ممن ذكرناه من الإعلام الأئمة وإثباتهم مقدم على نفي غيرهم مع أن بينهما وبين ذلك الوقت قريبا من مائة وخمسين سنة

وأما رواية ابن عباس الماء لا ينجسه شيء فيجوز أن يكون وقع عنده دليل أوجب تخصيصه فإن روايته كعلم المخالف به فكما قال الشافعي رحمه الله بتنجيس ما دون القلتين بدون تغير لدليل آخر وقع عنده أوجب تخصيص هذا الحديث لا يستبعد مثله لابن عباس

وأما تجويز كون النزح لنجاسة ظهرت أو للتنظيف فمخالف لظاهر الكلام لأن الظاهر من قول القائل مات فأمر بنزحها أنه للموت لا لنجاسة أخرى كقولهم زنى فرجم وسها فسجد وسرق فقطع على أن عندهم لا ينزح أيضا للنجاسة ولو كان للتنظيف لم يأمر بنزحها ولم يبالغوا هذه المبالغة العظيمة من سد العين

وقول النووي كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة وسفيان بن عيينة كبير أهل مكة استبعاد بعد وضوح الطريق ومعارض بأن جمهور الصحابة كعلي وأصحابه وابن مسعود وأصحابه وأبي موسى الأشعري وأصحابه وابن عباس وجماعة من أصحابه وسلمان الفارسي وعامة أصحابه والتابعين انتقلوا إلى الكوفة والبصرة ولم يبق بمكة إلا القليل وانتشروا في البلاد للجهاد والولايات وسمع الناس منهم وانتشر العلم في جميع البلاد الإسلامية منهم حتى قال العجلي في تاريخه نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة ونزل قرقيسا ست مائة فيجوز أن يعرف أهل الكوفة أكثر من أهل مكة ولا ينكر هذا إلا مكابر وما ذكره أيضا مخالف لقول إمامه فقد حكى ابن عساكر عن الشافعي أنه قال لأحمد أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا فهلا قال كيف يصل إلى أهل الكوفة والبصرة والشام ويجهله أهل مكة والمدينة مع أن الغالب أن البئر إذا نزحت لا يحضرها أهل البلد ولا أكثرهم وإنما يحضر من له بصارة أو من يستعان (ص 127) به

قوله (وانتفاخ حيوان أو تفسخه) أي ينزح ماء البئر كله لأجل انتفاخ الحيوان الواقع فيها أو تفسخه مطلقا صغر الحيوان أو كبر كالفارة والآدمي والفيل لانتشار البلة في أجزاء الماء لأن عند انتفاخه تنفصل بلته وهي نجسه مائعة فصارت كقطرة من خمر ولهذا لو وقع ذنب فارة بنزح الماء كله لأن موضع القطع منه لا ينفك عن نجاسة بخلاف ما لو أخرجت قبل الانتفاخ لأن شيئا من أجزائها لم يبق في الماء بعد إخراجها والانتفاخ أن تتلاشى أعضاؤه والتفسخ أن تتفرق عضوا عضوا وكذا إذا تمعط شعره فهو كالمنتفخ

قال في السراج الوهاج فإن جعل على موضع القطع شمعة لم يجب إلا ما يجب على الفأرة اه

فروع لا يفيد النزح قبل إخراج الواقع لأنه سبب النجاسة ومع بقائها لا يمكن الحكم بالطهارة إلا إذا تعذر إخراجه وكان مستنجسا كما قدمناه وإذا لم يوجد في البئر القدر الواجب نزح ما فيها فإذا جاء الماء بعده لا ينزح منه شيء لو غار الماء قبل النزح ثم عاد يعود نجسا لأنه لم يوجد المطهر

وإن صلى رجل في قعرها وقد جفت تجزئه

كذا في التجنيس لكن اختار في فتح القدير أنه لا يعود نجسا وصرح في باب الأنجاس بأن فيه روايتين كنظائره والأصح عدم العود لأنه بمنزلة النزح

كذا في المعراج وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى لكن إنما يكون الأصح عدم العود فيما إذا جف أسفله أما إذا غار ولم يجف أسفله فالأصح العود كما أفاده السراج الوهاج

وإذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشا والبكرة ونواحي البئر ويد المستقي لأن نجاسة هذه الأشياء بنجاسة البئر فتطهر بطهارتها للحرج كدن الخمر يطهر تبعا إذا صار خلا وكيد المستنجي تطهر بطهارة المحل وكعروة الإبريق إذا كان في يده نجاسة رطبة فجعل يده عليها كلما صب على اليد فإذا غسل اليد ثلاثا طهرت العروة بطهارة اليد ولو سال النجس على الآخر ثم وصل إلى الماء فنزحها طهارة للكل وقيل الدلو طاهر في حق هذه البئر لا غيرها كدم الشهيد طاهر في حق نفسه ولا يجب نزح الطين في شيء من الصور لأن الآثار إنما وردت بنزح الماء وفي المجتبى وكلما نزح من البئر شيء طهر من الدلو بقدره وليتأمل فيه

وفي فتاوى قاضيخان ولا يطين المسجد بطين البئر التي نزحت احتياطا

ثم نجاسة البئر بعد إخراج الفارة وغيرها غليظة ثم بقدر ما ينزح تخف فلو صب الدلو الأول من بئر وجب فيها نزح عشرين في بئر طاهرة ينزح من الثانية عشرون ولو صب الثاني ينزح تسعة عشر وكذا الثالث على هذا ولو صب الدلو الآخير ينزح دلو مثله والأصل في هذا أن البئر الثانية تطهر بما تطهر به الأولى

ولو أخرجت الفارة وألقيت في بئر طاهرة وصب أيضا فيها عشرون من الأولى يجب إخراج الفأرة ونزح عشرين دلوا لأن الأولى تطهر به فكذا الثانية ولو صب الدلو العاشرة في بئر طاهرة ينزح منها عشر دلاء في رواية أبي سليمان وفي رواية أبي حفص إحدى عشرة وهو الأصح

قال الإسبيجابي ووفق بين الروايتين فالأولى سوى المصبوب والثانية مع المصبوب فلا خلاف

ولو صب ماء بئر نجسة في بئر آخر وهي نجسة أيضا ينظر بين المصبوب وبين الواجب فيها فأيهما كان أكثر أغنى عن الأقل فإن استويا فنزح أحدهما يكفي

مثاله بئران ماتت في كل منهما رفاة فنزح من إحداهما عشرة مثلا وصب في الأخرى ينزح عشرون ولو صب دلو واحد فكذلك ولو ماتت فأرة في بئر ثالثة فصب من إحدى البئرين عشرون ومن الأخرى عشرة ينزح ثلاثون ولو صب فيها من كل عشرون نزح أربعون وينبغي أن ينزح المصبوب ثم الواجب فيها على رواية أبي حفص ولو نزح دلو من الأربعين وصب في العشرين ينزح الأربعون لأنه لو صب في بئر طاهرة ينزح كذلك فكذا هذا

وهذا كله قول محمد وعن أبي يوسف روايتان في رواية ينزح جميع الماء وفي رواية ينزح الواجب والمصبوب جميعا فقيل له إن محمدا روى عنك الأكثر فأنكر (ص 128) وكذا قال أبو يوسف في بئرين وقع في كل منهما سنور فنزح من إحداهما دلو وصب في الأخرى ينزح ماؤها كله على الرواية الأولى لأن الدلو الذي نزح أخذ حكم النجاسة ولهذا لو أصاب الثوب نجسه ويجب غسله فصار كما إذا وقع في البئر نجاسة أخرى واقتصر على هذه الرواية في التجنيس

ودفعه في فتح القدير بأن هذا إنما يظهر وجهه في المسألة السابقة وهي ما إذا كان المصبوب فيها طاهرة أما إذا كانت نجسة فلا لأن أثر نجاسة هذا الدلو إنما يظهر فيما إذا ورد على طاهر وقد ورد هنا على نجس فلا يظهر أثر نجاسته فتبقى الموردة على ما كانت فتطهر بإخراج القدر الواجب

وجه دفعه عن المسألة السابقة ما في المبسوط من أنا نتيقن أنه ليس في هذا البئر إلا نجاسة فأرة ونجاسة فارة يطهرها عشرون دلوا اه

وفي المحيط معزيا إلى النوادر فإن ماتت في حب فاريق الماء في البئر قال محمد ينزح الأكثر من المصبوبة ومن عشرين دلوا وهو الأصح لأن الفارة لو وقعت فيها ينزح عشرون فكذا إذا صب فيها ما وقع فيه إلا إذا زاد المصبوب على ذلك فتنزح الزيادة مع العشرين

وقال أبو يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا لأنه يصير بمنزلة ما لو وقعت الفارتان في البئر يجب نزحهما ونزح عشرين دلوا كذا هذا

وفي الكافي والمستصفى والبدائع إن الفارة إذا وقعت في الحب بالحاء المهملة يهراق الماء كله ولم يعلل له

ووجهه أن الاكتفاء بنزح البعض مخصوص بالآبار ثبت بالآثار على خلاف القياس فلا يلحق به غيره فعلى هذا إذا وقعت الفارة في الصهريج أو الفسقية ولم يكونا عشرا في عشر فإن الماء كله يهراق كما لا يخفى ولا يحكم بطهارة البئر ما لم ينفصل الدلو الأخير عن رأس البئر عندهما لأن حكم الدلو حكم المتصل بالماء والبئر

وعن محمد يطهر بالانفصال عن الماء ولا اعتبار بما يتقاطر للضرورة

وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا انفصل الدلو الأخير عن الماء ولم ينفصل عن رأس البئر واستبقى من مائها رجل ثم أعاد الدلو فعندهما الماء المأخوذ قبل العود نجس وعنده طاهر

كذا في التبيين

وظاهره أن عود الدلو قيد وليس كذلك بل الماء المأخوذ قبل الانفصال عن رأس البئر نجس عندهما مطلقا عاد الدلو أو لا ولهذا لم يذكر هذا القيد في فتح القدير ومعراج الدراية والمحيط وكثير من الكتب فكان زائدا

وفي البدائع لم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة وإنما ذكره الحاكم

وفي التجنيس إذا نزح الماء النجس من البئر يكره أن يبل به الطين ويطين به المسجد أو أرضه لنجاسته بخلاف السرقين إذا جعله في الطين لأن في ذلك ضرورة لأنه لا يتهيأ إلا بذلك اه

والبعد بين البالوعة والبئر المانع من وصول النجاسة إلى البئر خمسة أذرع في رواية أبي سليمان وسبعة في رواية أبي حفص

وقال الحلواني المعتبر الطعم أو اللون أو الريح فإن لم يتغير جاز وإلا فلا ولو كان عشرة أذرع

قال في الخلاصة وفتاوى قاضيخان والتعويل عليه وصححه في المحيط

وإن ماتت الفارة في غير الماء فإن كان مائعا تنجس جميعه وجاز استعماله في غير الأبدان

كذا قالوا

وينبغي أن لا يستصبح به في المساجد لكونه ممنوعا عن إدخال النجاسة المسجد وتجوز بيعه وللمشتري الخيار إن لم يعلم به

وإن كان جامدا ألقيت الفارة وما حولها وكان الباقي طاهرا أو جاز الانتفاع بما حولها في غير الأبدان وفي المبسوط وحد الجمود والذوب أنه إذا كان بحال لوقور ذلك الموضع لا يستوي من ساعته فهو جامد وإن كان يستوي من ساعته فهو ذائب

وذكر الاسبيجابي أن الجلد إذا دبغ بذلك السمن يغسل الجلد بالماء ويطهر والمتشرب فيه معفو عنه ولمن اشتراه الخيار إن لم يعلم به

وفي السراج الوهاج وإن ماتت الفارة في الخمر فصار خلا قال بعضهم الخل مباح وقيل لا يحل شربه وقيل إذا لم تتفسخ فيه جاز وإن تفسخت لم يجز (ص 129) لأنه قد صار فيه جزء ومنها وهذا القول أحسن

وهذا إذا استخرجت منه قبل أن يصير خلا أما إذا صار خلا والفارة فيه لا يحل شربه سواء كانت متفسخة أو لا لأنه نجس اه

وفي المحيط والتنجيس بالوعة حفروها وجعلوها بئر ماء فإن حفروها مقدار ما وصلت إليه النجاسة فالماء طاهر وجوانبها نجسة وإن حفروها أوسع من الأول طهر الماء والبئر كله اه

وذكر الولوالجي ولو نزح ماء بئر رجل بغير إذنه حتى يبست لا شيء عليه لأن صاحب البئر غير مالك للماء ولو صب ماء رجل كان في الحب يقال له إملأ الإناء لأن صاحب الحب مالك للماء وهو من ذوات الأمثال فيضمن مثله

وفي الخلاصة والأوز كالدجاج إن كان صغيرا وإن كان كبيرا فهو كالجمل العظيم ينزح كل الماء

وفي فتح القدير ولو تنجست بئر فأجرى ماؤها بأن حفر لها منفذ فصار الماء يخرج منه حتى خرج بعضه طهرت لوجود سبب الطهارة وهو جريان الماء وصار كالحوض إذا تنجس فأجرى فيه الماء حتى خرج بعضه وقد ذكرناه اه

قوله (ومائتان لو لم يكن نزحها) أي ينزح مائتا دلو إن كانت البئر معينة لا يمكن نزحها بسبب أنهما كلما نزحوا نبع من أسفله مثل ما نزحوا أو أكثر

وقد اختلفت الروايات فيها فما في الكتاب مروي عن محمد قالوا إنما أفتى به بناء على ما شاهد في بغداد لأن الغالب ماء آبارها كان لا يزيد على ثلثمائة وروي عن أبي حنيفة التقدير بمائة دلو قالوا أفتى بذلك بناء على قلة المياه في آبار الكوفة

وفي الهداية وعن أبي حنيفة في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشيء كما هو دأبه في مثله اه

وإنما لم يقدرها لأنها متفاوتة والنزح إلى أن يظهر العجز أمر صحيح في الشرع لأن الطاعة بحسب الطاقة

وقيل على قول أبي حنيفة يجب قدر ما يغلب على ظنهم أنه جميع الماء عند ابتداء النزح والأصح تفسير الغلبة بالعجز

كذا ذكر قاضيخان

وعن أبي يوسف وجهان أحدهما أن تحفر حفيرة عمقها ودورها مثل موضع الماء منها وتجصص على قول بعض المشايخ ويصب فيها فإذا امتلأت فقد نزح ماؤها

والثاني أن ترسل قصبة في الماء ويجعل علامة لمبلغ الماء ثم ينزح عشر دلاء مثلا ثم تعاد القصبة فينظركم انتقص فإن انتقص العشر فهو مائة قالوا ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا كان دور البئر من أول حد الماء إلى قعر البئر متساويا وإلا لا يلزم إذا نقص شبر بنزح عشر من أعلى الماء أن ينقص شبر بنزح مثله من أسفله

وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه يؤتى برجلين لهما بصارة بأمر الماء فإذا قدراه بشيء وجب نزح ذلك القدر وهو الأصح والأشبه بالفقه

وفي معراج الدراية أنه المختار لكونهما نصاب الشهادة الملزمة واشتراط المعرفة لهما بالماء باعتبار أن الأحكام إنما تستفاد ممن له علم أصله قول تعالى {فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل 43) وظاهر ما في النقاية الاكتفاء بواحد لأنه أمر ديني فيكتفي بالواحد لكن أكثر الكتب على الاثنين وقد صحح هذا القول جماعة واختاروه وصحح الإمام حسام الدين في شرح الجامع الصغير اعتبار الغلبة وهي العجز وذكر أن الفتوى على أنه يفوض إلى رأي المبتلى به

وفي الخلاصة أن الفتوى على أنه ينزح ثلثمائة وكذا في معراج الدراية معزيا إلى فتاوى العتابي أن المختار ما عن محمد

فالحاصل أنه قد اختلف التصحيح في المسألة واختلفت الفتوى فيها والإفتاء بما عن محمد أسهل على الناس والعمل بما عن أبي نصر أحوط ولهذا قال في الاختيار وما روي عن محمد أيسر على الناس لكن لا يخفى ضعفه فإنه إذا كان الحكم الشرعي نزح جميع الماء للحكم بنجاسته فالقول بطهارة البئر بالاقتصار على نزح عدد مخصوص من الدلاء يتوقف على سمعي يفيده وأين ذلك بل المأثور عن ابن عباس وابن الزبير خلافه

واختار بعض المتأخرين أن الأظهر إن أمكن سد منابع الماء من غير عسر سدت وأخرج ما فيها من الماء وإن عسر (ص 130) ذلك فإن علم أن كون محل الماء منها على منوال واحد طولا وعرضا في سائر أجزائه أرسل في الماء قصبة وعمل في ذلك بما قدمناه وإن لم يقع العلم بذلك فإن أمكن العمل بمقداره من عدلين لهما بصارة بمياه الآبار أخذ بقولهما وإن تعذر العلم بمقدار الماء من عدلين بصيرين بذلك نزحوا حتى يظهر لهم العجز بحسب غلبة ظنهم اه

وهذا تفصيل حسن للمتأمل فليكن العمل عليه

قوله (ونجسها منذ ثلاث فارة منتفخة جهل وقت وقوعها وإلا مذ يوم وليلة) أي نجس البئر منذ ثلاثة أيام بلياليها فأرة ميته منتفخة لا يدري وقت وقوعها وإن لم تكن منتفخة نجسها مذ يوم وليلة

قال المصنف في المستصفى أي مذ ثلاث ليال إذ لو أريد به الأيام لقال مذ ثلاثة لكن الليالي تنتظم ما بإزائها من الأيام كما أن الأيام تنتطم ما بازائها من الليالي كقوله تعالى {أربعة أشهر وعشرا} (البقرة 234) أي وعشر ليال بأيامها اه

فعلم أنه لا حاجة إلى ما ذكر الزيلعي هنا

أعلم أن البئر تنجس من وقت وقوع الحيوان الذي وجد ميتا فيها إن علم ذلك الوقت وإن لم يعلم فقد صار الماء مشكوكا في طهاته ونجاسته فإذا توضؤوا منها وهم متوضؤون أو غسلوا ثيابهم من غير نجاسة فإنهم لا يعيدون إجماعا لأن الطهارة لا تبطل بالشك وإن توضؤوا منها وهم محدثون أو اغتسلوا من جنابة أو غسلوا ثيابهم عن نجاسة ففي الثالث لا يعيدون وإنما يلزمهم غسلها على الصحيح ويحكم بنجاستها في الحال من غير اسناد لأنه من باب وجود النجاسة في الثوب

ومن وجد في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يدر متى أصابته لا يعيد شيئا من صلاته بالاتفاق وهو الصحيح

كذا في المحيط والتبيين وتعقبه شارح منية المصلي بأنه إذا كان يلزمهم غسلها لكونها مغسولة بماء البئر فيما تقدم حال العلم باشتمال البئر على الفأرة بدون يوم وليلة أو بدون ثلاثة أيام (ص 131) كيف يكون الحكم بنجاسة الثياب من باب الاقتصار على التنجس في الحال لا مستندا إلى ما تقدم فلا يتجه هذا على قوله لأنه يوجب مع الغسل الإعادة لا على قولهما لأنهما لا يوجبان غسل الثوب أصلا اه

وفي الأول والثاني خلاف فعند أبي حنيفة التفصيل المذكور في الكتاب

وقالا يحكم بنجاستها وقت العلم بها ولا يلزمهم إعادة شيء من الصلوات ولا غسل ما أصابه ماؤها قبل العلم وهو القياس لأن اليقين لا يزول بالشك لأنا نتيقن بطهارتها فيما مضى وقد شك في النجاسة لاحتمال أنها ماتت في غير البئر هم ألقتها الريح العاصف فيها أو بعض السفهاء أو الصبيان أو بعض الطيور كما حكي عن أبي يوسف أنه كان يقول بقوله إلى أن رأى حدأة في منقارها فأرة ميتة فألقتها في البئر فرجع عن قوله إلى هذا القول وقياسا على النجاسة إذا وجدها في ثوبه وعلى ما إذا رأت المرأة في كرسفها دما ولا تدري متى نزل وعلى ما لو مات المسلم وله امرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته وقالت أسلمت قبل موته وقالت الورثة بعده فالقول لهم والجامع بينهما أن الحادث يضاف إلى أقرب أوقاته

ولأبي حنيفة وهو الاستحسان أن الإحالة على السبب الظاهر واجب عند خفاء المسبب والكون في الماء قد تحقق وهو سبب ظاهر للموت والموت فيه في نفس الأمر قد خفي فيجب اعتباره مات فيه إحالة على السبب الظاهر عند خفاء المسبب دون الموهوم وهو الموت بسبب آخر كمن جرح إنسانا ولم يزل صاحب فراش حتى مات يضاف موته إلى الجرح حتى يجب القصاص وإن احتمل موته بسبب آخر وكذا إذا وجد قتيل في محله يضاف القتل إلى أهلها حتى تجب القسامة والدية عليهم وإن احتمل أنه قتل في موضع آخر غير أن الانتفاخ دليل التقادم فيقدر بالثلاث ولهذا يصلي على القبر إلى ثلاثة أيام على ما قيل وعدم الانتفاخ دليل قرب العهد فقدرناه بيوم وليلة لأن ما دون ذلك ساعات لا يمكن ضبطها لتفاوتها

وأما مسألة النجاسة فقد قال المعلى بن منصور الرازي تلميذهما إنها على الخلاف فإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام وإن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة عنده فلا يحتاج إلى الفرق ولو سلم أنها على الوفاق كما قدمنا أنه الأصح فالفرق له واضح وهو أن الثوب بمرأى عينه يقع عليه بصره فلو كانت النجاسة أصابته قبل ذلك لعلم بها بخلاف البئر فإنها غائبة عن بصره فلا يصح القياس وما ذكره المعلى رحمه الله يحتمل كونه رواية عن الإمام وهو ظاهر ما ذكره القاضي الإسبيجابي وصاحب البدائع ويحتمل أنه تفقه منه بطريق القياس على مسألة البئر وهو ظاهر ما في المحيط وهو الحق فقد قال الحاكم الشهيد إن المعلى (ص 132) قال ذلك من دأب نفسه

وأما مسألة الميراث فالمرأة محتاجة إلى الاستحقاق والظاهر لا يصلح حجة لها وإنما يصلح للدفع والورثة هم الدافعون

وفي المجتبى وحكم ما عجن به حكم الوضوء والغسل

وكان الصباغي يفتي بقول أبي حنيفة فيما يتعلق بالصلاة وبقولهما فيما سواه

كذا في معراج الدراية

وفي غاية البيان وما قاله أبو حنيفة احتياط في أمر العبادة وما قالاه عمل باليقين ورفق بالناس

وفي تصحيح الشيخ قاسم رحمه الله وفي فتاوى العتابي المختار قولهما

قلت هو المخالف لعامة الكتب فقد رجح دليله في كثير من الكتب وقالوا إنه الاحتياط فكان العمل عليه

وذكر الإسبيجابي أن ما عجن به قال بعضهم يلقى إلى الكلاب وقال بعضهم يعلف المواشي وقال بعضهم يباع من شافعي المذهب أو داودي المذهب اه

واختار الأول في البدائع وجزم به بصيغة قال مشايخنا يطعم للكلاب

فروع ذكر ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة من وجد في ثوبه منيا أعاد من آخر ما احتلم وإن كان دما لا يعيد لأن دم غيره قد يصيبه والظاهر أن الإصابة لم تتقدم زمان وجوده فأما مني غيره لا يصيب ثوبه فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب خروجه حتى إن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني

ومشايخنا قالوا في البول يعتبر من آخر ما بال وفي الدم من آخر ما رعف وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع

كذا في البدائع

ومراده بالاحتلام النوم لأنه سببه بدليل ما نقله في المحيط عن ابن رستم أنه يعيد من آخر نومه نامها فيه

واختار في المحيط أنه لا يعيد شيئا لو رأى دما

ولو فتق جبة فوجد فيها فارة ميتة ولم يعلم متى دخل فيها فإن لم يكن للجبة ثقب يعيد الصلاة من يوم ندف القطن فيها وإن كان فيه ثقب يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة كما في البئر

كذا في التنجيس والمحيط

وفي الذخيرة ولا بأس برش الماء النجس في الطريق ولا يسقى للبهائم

وفي خزانة الفتاوى لا بأس بأن يسقى الماء النجس للبقر والإبل والغنم وحيث وجبت الإعادة على قوله فالمعاد الصلوات الخمس والوتر وسنة الفجر

كذا في شرح منية المصلي

قوله (والعرق كالسؤر) لما فرغ من بيان فساد الماء وعدمه باعتبار وقوع نفس الحيوانات فيه ذكرهما باعتبار ما يتولد منها

والسؤر مهموز العين بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء أو في الحوض ثم استعير لبقية الطعام وغيره والجمع الأسآر والفعل أسأر أي أبقى مما شرب أي عرق كل شيء معتبر بسؤره طهارة ونجاسة وكراهة لأن السؤر مختلط باللعاب وهو والعرق متولدان من اللحم إذ كل واحد منهما رطوبة متحللة من اللحم فأخذا حكمه

ولا ينتقض بعرق الحمار فإنه طاهر مع أن سؤره مشكوك فيه لأنا نقول خص بركوبه الحمار معروريا والحر حر الحجاز والثقل ثقل النبوة فلا بد أن يعرق الحمار

قال في المغرب فرس عري لا سرج عليه ولا لبد وجمعه أعراء ولا يقال فرس عريان كما لا يقال رجل عرى واعرورى الدابة ركبه عريا ومنه كان عليه السلام يركب الحمار معروريا وهو حال من ضمير الفاعل المستكن ولو كان من المفعول لقيل معرورى أه

أو لأنه لا فرق بين عرقه وسؤره فإن سؤره طاهر على الأصح والشك إنما هو في طهوريته وقد ذكر قاضيخان في شرح الجامع الصغير ثلاث روايات في لعابه وعرقه إذا أصاب الثوب أو البدن في رواية مقدر بالدرهم وفي رواية بالكثير الفاحش وفي رواية لا يمنع وإن فحش وعليه الاعتماد وذكر شمس الأئمة الحلواني أن عرقه نجس لكن عفي عنه للضرورة

فعلى هذا لو وقع في الماء القليل يفسده وهكذا روي عن أبي يوسف أه

وذكر الولوالجي رحمه الله أن عرق الحمار والبغل إذا أصاب الثوب لا يفسده ولو وقع في الماء أفسده يعني به لم يبق طهورا لأن عرقهما إذا وقع في الماء صار الماء مشكلا كما في لعابهما والماء المشكل طاهر لكن كونه طهورا مشكل فلا يزول الحدث (ص 133) الثابت بيقين بالشك اه

وهكذا في التجنيس

واعلم أن تفسير الفساد بعدم الطهورية فيه نظر لأنه إذا كان كل من العرق واللعاب طاهرا كيف يخرج الماء به عن الطهورية مع أنه فرض قليل والماء غالب عليه فلعل الأشبه ما ذكره قاضيخان في تفسير قوله شمس الأئمة إنه نجس وعفي عنه في الثوب والبدن للضرورة في الماء كما لا يخفى

فالحاصل أنه لا فرق بين العرق والسؤر على ما هو المعتمد من أن كلا منهما طاهر وإذا أصاب الثوب أو البدن لا ينجسه وإذا وقع في الماء صار مشكلا ولهذا قال في المستصفى ظاهر المذهب أن العرق واللعاب مشكوك فيهما أه

فظهر بهذا كله أن قولهم إن العرق كالسؤر على إطلاقه من غير استثناء وظهر به أيضا أن ما نقله الأتقاني في شرح البزدوي من الإجماع على طهارة عرقه فليس مما ينبغي وكأنه بناه على أنها هي التي استقر عليها الحال

قوله (وسؤر الآدمي والفرس وما يؤكل لحمه طاهر) أما الآدمي فلأن لعابه متولد من لحم طاهر وإنما لا يؤكل لكرامته ولا فرق بين الجنب والطاهر والحائض والنفساء والصغير والكبير والمسلم والكافر والذكر والأنثى

كذا ذكر الزيلعي رحمه الله

يعني أن الكل طاهر طهور من غير كراهة وفيه نظر فقد صرح في المجتبى من باب الحظر والإباحة أنه يكره سؤر المرأة للرجل وسؤره لها ولهذا لم يذكر الذكر والأنثى في كثير من الكتب لكن قد يقال الكراهة المذكورة إنما هو في الشرب لا في الطهارة

واستثنوا من هذا العموم سؤر شارب الخمر إذا شرب من ساعته فإن سؤره نجس لا لنجاسة لحمه بل لنجاسة فمه كما لو أدمى فوه أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه ثم شرب لا ينجس

كذا في كثير من الكتب

وفي الخلاصة والتجنيس رجل شرب الخمر إن تردد في فيه من البزاق بحيث لو كان ذلك الخمر على ثوب طهرها البزاق طهر فمه أه

وهذا هو الصحيح من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ويسقط اعتبار الصب عند أبي يوسف للضرورة ونظيره لو أصاب عضوه نجاسة فلحسها حتى لم يبق أثرها أو قاء الصغير على ثدي أمه ثم مصه حتى زال الأثر طهر خلافا لمحمد في جميعها بناء على عدم جواز إزالة النجاسة بغير الماء المطلق كما سيأتي إن شاء الله تعالى

وفي بعض شروح القدوري فإن كان شارب الشارب طويلا ينجس الماء وإن شرب بعد ساعات لأن الشعر الطويل لما تنجس لا يطهر باللسان اه

وكأنه لأنه لا يتمكن اللسان من استيعابه بإصابة بله إياه بريقه ثم أخذ ما عليه من البلة النجسة مرة بعد أخرى وإلا فهو ليس دون الشفتين والفم في تطهيره بالريق تفريعا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في جواز التطهير من النجاسة بغير الماء

كذا في شرح منية المصلي

فإن قيل ينبغي أن يتنجس سؤر الجنب على القول بنجاسة المستعمل لسقوط الفرض به قلنا ما يلاقي الماء من فمه مشروب سلمنا أنه ليس بمشروب لكن لحاجة فلا يستعمل به كإدخال يده في الحب إخراج كوزه على ما قدمناه في المياه وقد نقلوا روايتين في رفع الحدث بهذا الشرب وظاهر كلامهم ترجيح أنه رافع فلا يصير الماء مستعملا للحرج لكن صرح يعقوب باشا بأن الصحيح أن الفرض لا يسقط به

ويدل على طهارة سؤر الآدمي مطلقا ما رواه مالك من طريق الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله أتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فشرب ثم أعطى الإعرابي وقال الأيمن فالأيمن

وروى مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي فيضع فاه على موضع في

ولما أنزل النبي بعض المشركين في المسجد ومكنه من المبيت فيه على ما في الصحيحين علم أن المراد بقوله تعالى {إنما المشركون نجس} (التوبة 28) النجاسة في اعتقادهم وقد روي أن النبي لقي حذيفة فمد يده ليصافحه فقبض يده وقال إني جنب

فقال (ص 134) عليه السلام المؤمن ليس بنجس

ذكره البغوي في المصابيح

وأما سؤر الفرس ففيه روايتان عن أبي حنيفة فظاهر الرواية عنه طهوريته من غير كراهة وهو قولهما لأن كراهة لحمه عنده لاحترامه لأنه آلة الجهاد لا لنجاسته فلا يؤثر في كراهة سؤره وهو الصحيح

كذا في البدائع وغيره

وأما سؤر ما يؤكل لحمه فلأنه متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه

ويستثنى منه الإبل الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة والمخلاة كما سيأتي

والجلالة التي تأكل الجلة بالفتح وهي في الأصل البعرة وقد يكنى بها عن العذرة وهي هنا من هذا القبيل كما أشار إليه في المغرب

ويلحق بما يؤكل ما ليس له نفس سائلة مما يعيش في الماء وغيره كذا في التبيين

قوله (والكلب والخنزير وسباع البهائم نجس) أي سؤر هذه الأشياء نجس

والمراد بسباع البهائم نحو الأسد والفهد والنمر

قال الزيلعي رحمه الله قوله والكلب إلى آخره بالرفع أجود على أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وذلك جائز بالاتفاق إذا كان الكلام مشعرا بحذفه وقد وجد هنا ما يشعر بحذفه وهو تقدم ذكر السؤر ولو جر على أنه معطوف على ما قبله من المجرور لا يجوز عند سيبويه لأنه يلزم منه العطف على عاملين وهو ممتنع عند البصريين ويجوز عند الفراء

ولو قيل إنه مجرور على أنه حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه كان جائزا إلا أنه قليل نحو قولهم ما كل سوداء تمرة ولا كل بيضاء شحمة

ويشترط أن يتقدم في اللفظ ذكر المضاف أه

وقد أطال رحمه الله الكلام مع عدم التحرير لأن قوله لأنه يلزم منه العطف على عاملين مجاز وإنما يلزم منه العطف على معمولي عاملين لأن الكلب معطوف على الآدمي وهو معمول للمضاف أعني سؤر ونجس معطوف على طاهر وهو معمول المبتدأ أعني سؤر فكان فيه العطف على معمولين وهما الآدمي وطاهر لعاملين وهما المضاف والمبتدأ

هذا إذا كان المضاف عاملا في المضاف إليه أما إذا كان العامل هو الإضافة فلا إشكال أنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين

قال في المغني وقولهم على عاملين فيه تجوز

قال الشمني يعني بحذف المضاف

قال الرضي معنى قولهم العطف على عاملين أن تعطف بحرف واحد معمولين مختلفين كانا في الإعراب كالمنصوب والمرفوع أو متفقين كالمنصوبين على معمولي عاملين مختلفين نحو إن زيدا ضرب عمرا وبكرا خالدا فهو عطف متفقي الإعراب على معمولي عاملين مختلفين

وقولك إن زيدا ضرب غلامه وبكرا أخوه عطف مختلفي الإعراب ولا يعطف المعمولان على عاملين بل على معموليهما فهذا القول منهم على حذف المضاف أه

وفي المغني الحق جوازا العطف على معمولي عاملين في نحو في الدار زيد والحجرة عمرو أه

أما سؤر الكلب فهو طاهر عند مالك ومن تبعه ولكن يغسل الإناء منه سبعا تعبدا

وقال الشافعي إنه نجس ويغسل الإناء منه سبعا إحداهن بالتراب

لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عنه أنه قال يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب رواه الأئمة الستة في كتبهم

وفي لفظ لمسلم وأبي داود طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات ورواه أيضا مسلم من حديث أبي هريرة إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات

وروى مالك في الموطأ عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله قال إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات قال ابن عبد البر إن حديث أبي هريرة تواترت طرقه وكثرت عنه

والأمر بالإراقة دليل التنجيس وكذا الطهور لأنه مصدر بمعنى الطهارة فيستدعي سابقية الحدث أو الخبث ولا حدث في الإناء فتعين الثاني ولأنه متى دار الحكم بين كونه تعبديا ومعقول المعنى كأن جعله معقول المعنى هو الوجه لندرة التعبد وكثرة التعقل

ولنا قوله يغسل الإناء من ولوغ (ص 135) الكلب ثلاثا روي عن أبي هريرة فعلا وقولا مرفوعا وموقوفا من طريقين الأول أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح عن عطاء عن أبي هريرة إذا ولغ الكلب في الإناء فاهرقه ثم اغسله ثلاث مرات وأخرجه بهذا الاسناد عن أبي هريرة أنه قال إذا ولغ الكلب في الإناء أهرقه وغسل ثلاث مرات قال الشيخ تقي الدين في الإلمام هذا إسناد صحيح الطريق

الثاني أخرجه ابن عدي في الكامل عن الحسين بن علي الكرابيسي بسنده إلى عطاء عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات ولم يرفعه غير الكرابيسي

قال ابن عدي قال لنا أحمد الحسين الكرابيسي يسأل عنه وله كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس من المسائل وذكر فيها أخبارا كثيرة وكان حافظا لها ولم أجد له منكرا غير هذا الحديث

والذي حمل أحمد بن حنبل عليه إنما هو من أجل اللفظ بالقرآن فأما في الحديث فلم أر به بأسا أه

ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهرا وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك كما تقدم بالسند الصحيح قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف وحينئذ يعارض حديث السبع ويقدم عليه لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك وقد ثبت نسخ ذلك فإذا عارض قرينه معارض كانت التقدمة له ولو طرحنا الحديث بالكلية كان في عمل أبي هريرة على خلاف حديث السبع وهو رواية كفاية لاستحالة أن يترك القطعي بالرأي منه وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راوية فأما بالنسبة إلى رواية الذي سمعه من في النبي فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي الدلالة في معناه فلزم أنه لا يتركه إلا لقطعه بالناسخ إذ القطعي لا يترك إلا لقطعي فبطل تجويزهم تركه بناء على ثبوت ناسخ في اجتهاده المحتمل للخطأ

وإذا علمت ذلك كان تركه بمنزلة روايته للناسخ بلا شبهة فيكون الآخر منسوخا بالضرورة

كذا في فتح القدير

وقال الطحاوي ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي أولى مما روى أبو هريرة لأنه زاد عليه وعفروا الثامنة بالتراب والزائد أولى من الناقص فكان ينبغي للمخالف أن يعمل بهذه الزيادة فإن تركها لزمه ما لزم خصمه في ترك السبع ومالك لم يأخذ بالتعفير الثابت في الصحيح مطلقا فثبت أنه منسوخ أه

وحديث عبد الله بن المغفل مجمع على صحته ورواه مسلم وأبو داود فكان الأخذ بروايته أحوط وقد روى عن أبي هريرة إذا ولغ السنور في الإناء يغسل سبع مرات ولم يعملوا به وكل جواب لهم عن ذلك فهو جوابنا عما زاد على الثلاث أو يحمل ما زاد على الثلاث على الاستحباب ويؤيده ما روى الدارقطني عن أبي هريرة عنه في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا فخيره ولو كان التسبيع واجبا لما خيره

ثم اعلم أن الطحاوي والوبري نقلا أن أصحابنا لم يجدوا لغسل الإناء منه حدا بل العبرة لأكبر الرأي ولو بمرة كما هو الحكم في غسل غيره من النجاسات

ذكره الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء وهو مخالف لما في الهداية وغيرها أنه يغسل الإناء من ولوغه ثلاثا وهو ظاهر الحديث الذي استدلوا به وسيأتي بيان أن الثلاث هل هي شرط في إزالة الأنجاس أو لا إن شاء الله تعالى

وفي النهاية الولوغ حقيقة شرب الكلب المائعات باطراف لسانه

وفي شرح المهذب إن الماضي والمضارع بفتح العين تقول ولغ يلغ

وقد قدمنا أن سؤر الكلب نجس عند أصحابنا جميعا أما على القول بنجاسة عينه فظاهر وأما على القول المصحح بطهارة عينه فلأن لحمه نجس ولعابه متولد من لحمه (ص 136) ولا يلزم من طهارة عينه طهارة سؤره لنجاسة لحمه ولا يلزم من نجاسة سؤره نجاسة عينه وإنما يلزم من نجاسة سؤرة نجاسة لحمه المتولد منه اللعاب كما صرح به في التجنيس وفتح القدير وغيرهما وسيأتي ايضاحه في الكلام على سؤر السباع

والمذكور في كتب الشافعية كالمهذب أنه لا فرق بين الولوغ ووضع بعض عضوه في الإناء ولم أر هذا في كتبنا

والذي يقتضيه كلامهم على القول بنجاسة عينه تنجس الماء وعلى القول بطهارة عينه عدم تنجسه أخذا من قولهم إذا ولغ الكلب في البئر كما قدمناه لأن ماء البئر في حكم الماء القليل كماء الآنية كما قدمناه

ولا فرق بين ولوغ كلب أو كلبين في الاكتفاء بالثلاث لأن الثاني لو يوجب تنجسا كما لا يخفى

وإذا ولغ الكلب في طعام فالذي يقتضيه كلامهم أنه إن كان جامدا مور ما حوله وأكل الباقي وإن كان مائعا انتفع به في غير الأبدان كما قدمناه

وأما سؤر الخنزير فلأنه نجس العين لقوله تعالى {أو لحم خنزير فإنه رجس} (الأنعام 145) والرجس النجس والضمير عائد إليه لقربه وقد بسطنا الكلام فيه في الكلام على جلده

وأما سؤر سباع البهائم فقد قال الشافعي بطهارته محتجا بما رواه البيهقي والدارقطنى عن جابر قال قيل يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع كلها

بما رواه مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض لا تخبره فإنا نرد على السباع وترد علينا

وبما رواه ابن ماجه عن ابن عمر قال خرج علينا رسول الله في بعض أسفاره فسار ليلا فمروا على رجل عند مقراة له فقال عمر يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك فقال عليه السلام يا صاحب المقراة لا تخبره هذا مكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور

ولنا أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع والظاهر من الحرمة مع كونه صالحا للغذاء غير مستقذر طبعا كونه للنجاسة وخبث طباعها لا ينافيه بل ذلك يصلح مثيرا لحكم النجاسة فليكن المثير لها فيجامعها ترتيبا على الوصف الصالح للعلية مقتضاه ولأنه ليس فيه ضرورة وعموم بلوى فيخرج السنور والفأرة ولأن لسانه يلاقي الماء فيخرج سباع الطير لأنه يشرب بمنقاره كما سيأتي

ولم تتعارض أدلته فيخرج البغل والحمار وأما حديث جابر فقد اعترف النووي بضعفه وأما أثر الموطأ فهو وإن صححه البيهقي وذكر أنه مرسل يحتج به على أبي حنيفة فقد ضعفه ابن معين والدارقطني وأما حديث ابن ماجه فقد ضعفه ابن عدي وعلى تسليم الصحة يحمل على الماء الكثير أو على ما قبل تحريم لحوم السباع أو على حمر الوحش وسباع الطير بدليل ما تمسكوا به من حديث القلتين فإنه قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا جوابا لسؤاله عن الماء يكون في الفلاة وما ينوبه من السباع اعطاء لحكم هذا الماء الذي ترده السباع وغيره فإن الجواب لا بد أن يطابق أو يزيد فيندرج فيه المسؤول عنه وغيره وقد قال بمفهوم شرطه فنجس ما دون القلتين وإن لم يتغير وحقيقة مفهوم شرطه أنه إذا لم يبلغها يتنجس من ورود السباع وهذا من الوجوه الإلزامية له

قال الزيلعي رحمه الله ثم اعلم أن في مذهب أصحابنا في سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع إشكالا فإنهم يقولون لأنه متولد من لحم نجس ثم يقولون إذا ذكى طهر لحمه لأن نجاسته لأجل رطوبة الدم وقد خرج بالذكاة فإن كانوا يعنون بقولهم نجس عينه وجب أن لا يطهر بالذكاة كالخنزير وإن كانوا يعنون به لأجل مجاورة الدم فالمأكول كذلك يجاوره الدم فمن أين جاء الاختلاف بينهما في السؤر إذا كان كل واحد منها يطهر بالذكاة ويتنجس بموته حتف أنفه ولا فرق بينهما إلا في المذكي في حق الأكل والحرمة لا توجب النجاسة وكم من طاهر لا يحل أكله ومن ثم قال بعضهم لا يطهر بالذكاة (ص 137) إلا جلده لأن حرمة لحمه لا لكرامته آية نجاسته لكن بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع تنجس الجلد باللحم وهذا هو الصحيح لأن لا وجه لنجاسة السؤر إلا بهذا الطريق أه

وقد ذكر في العناية حاصل هذا الإشكال وذكر أنها نكتة لا بأس بالتنبيه عليها ثم قال وحلما أن المراد باللحم الطاهر المتولد منه اللعاب ما يحل أكله بعد الذبح وبالنجس ما يقابله وهذا لأنهما اشتركا في النجاسة المجارة بالدم المسفوح قبل الذبح فإن الشاة لا تؤكل إذا ماتت حتف أنفها واشتركا في الطهارة بعده لزوال المنجس وهو الدم فلا فرق بينهما إلا أن الشاة تؤكل بعد الذبح دون الكلب ولا فرق بينهما أيضا في الظاهر إلا اختلاط اللعاب المتولد من اللحم

فعلم من هذا أن اللعاب المتولد من لحم مأكول بعد الذبح طاهر بلا كراهة دون غيره إضافة للحكم إلى الفارق صيانة لحكم الشرع عن المناقضة ظاهرا

هذا ما سنح لي أه

ولا يخفى ما في هذا الجواب فإن قول الزيلعي والحرمة لا توجب النجاسة يرده بل الجواب الصحيح ما في شرح الوقاية وهو أن الحرمة إذا لم تكن للكرامة فإنها آية النجاسة لكن فيه شبهة أن النجاسة لاختلاط الدم باللحم إذ لولا ذلك بل نجاسته لذاته لكان نجس العين وليس كذلك فغير مأكول اللحم إذا كان حيا فلعابه متولد من اللحم الحرام المخلوط بالدم فيكون نجسا لاجتماع الأمرين أما في مأكول اللحم فلم يوجد إلا أحدهما وهو الاختلاط بالدم فلم يوجب نجاسة السؤر لأن هذه العلة بانفرادها ضعيفة إذ الدم المستقر في موضعه لم يعط له حكم النجاسة في الحي

وإذا لم يكن حيا فإن لم يكن مذكى كان نجسا سواء كان مأكول اللحم أو غيره لأنه صار حراما بالموت فالحرمة موجودة مع اختلاط الدم فيكون نجسا فإذا كان مذكى كان طاهرا أما في مأكول اللحم فلأنه لم توجد الحرمة ولا اختلاط الدم وأما في غير مأكول اللحم فلأنه لم يوجد الاختلاط والحرمة المجردة غير كافية في النجاسة على ما مر أنها تثبت باجتماع الأمرين أه

فحاصله أن نجاسة اللحم لحرمته مع اختلاط الدم المسفوح به وقد فقد الثاني في المذكى من السباع فكان طاهرا واجتمعا في حالتي الموت والحياة فكان نجسا وفقد الأول في الشاة حالة الحياة والذكاة فكان طاهرا واجتمعا حالة الموت فكان نجسا

فظهر من هذا كله إن طهارة العين لا تستلزم طهارة اللحم لأن السباع طاهرة العين باتفاق اصحابنا كما نقله بعضهم مع أن لحمها نجس فثبت بهذا ما قدمناه من أن الكلب طاهر العين ولحمه نجس ونجاسة سؤره لنجاسة لحمه

لكن بقي ههنا كلام وهو أن قولهم بين الجلد واللحم جلدة رقيقة تمنع تنجس الجلد باللحم مشكل فإنه يقتضي طهارة الجلد من غير توقف على الذكاة أو الدباغة كما لا يخفى

وفي مبسوط شيخ الإسلام ذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يبين أنها خفيفة أم غليظة فعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول غليظة وعن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه كبول ما يؤكل لحمه

كذا في معراج الدراية

ومما سيأتي في سبب التغليظ والتخفيف يظهر وجه كل من الروايتين فالذي يظهر ترجيح الأولى لما عرف من أصله

قوله (والهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت مكروه) أي سؤر هذه الأشياء مكروه

وفي التبيين وإعرابه بالرفع أجود على ما تقدم

قال المصنف في المستصفى ويعني من السؤر المكروه أنه طاهر لكن الأولى أن يتوضأ بغيره أه

واعلم أن المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم إلا أن ينص على كراهة التنزيه فقد قال المصنف في المستصفى لفظ الكراهة عند الإطلاق يراد بها التحريم

قال أبو يوسف قال لأبي حنيفة رحمه الله إذا قلت في شيء أكره فما رأيك فيه قال التحريم أه

وقد صرحوا بالخلاف في كراهة سؤر الهرة فمنهم كالطحاوي من مال إلى أنها كراهة تحريم نظرا إلى حرمة لحمها ومنهم كالكرخي من مال إلى كراهة التنزيه نظرا إلى أنها لا تتحامى النجاسة

قالوا وهو الأصح وهو ظاهر ما في الأصل فإنه قال وإن توضأ بغيره أحب (ص 138) إلي

لكن صرح بالكراهة في الجامع الصغير فكانت للتحريم لما تقدم

وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلم أر من ذكر خلافا في المراد من الكراهة بل ظاهر كلامهم أنها كراهة تنزيه بلا خلاف لأنها لا تتحامى النجاسة وكذا في سباع الطير وسواكن البيوت

أما سؤر الهرة فظاهر ما في شروح الهداية أن أبا يوسف مع أبي حنيفة ومحمد في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه لا بأس بسؤرها وظاهر ما في المنظومة وغيرها أن أبا يوسف مخالف لهما مستدلا بما عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت دخل عليها أبو قتادة فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة فرآني أنظر إليه فقال أتعجبين يا ابنة أخي فقلت نعم

قال إن رسول الله قال إنها ليست بنجس أنها من الطوافين عليكم والطوافات

رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيح والحاكم في المستدرك ومالك في الموطأ وابن خزيمة في صحيحه

وقال الترمذي حديث أبي قتادة حسن صحيح وهو أحسن شيء في الباب

وقال البيهقي اسناده صحيح وعليه الاعتماد

والنجس بفتحتين كل ما يستقذر

قال النووي أما لفظ أو الطوافات فروي بأو وبالواو

قال صاحب مطالع الأنوار يحتمل أن تكون للشك ويحتمل أن تكون للتقسيم ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث

وهذا الذي قاله محتمل والأظهر أنه للنوعين

قال أهل اللغة الطوافون الخدم والمماليك وقيل هم الذين يخدمون برفق وعناية

ومعنى الحديث أن الطوافين من الخدم والصغار الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقات الثلاثة التي هي قبل الفجر وبعد العشاء وحين الظهيرة التي ذكرها الله تعالى إنما سقط في حقهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين فلهذا يعفى عن الهرة للحاجة أه

ولهما أنه لا نزاع في سقوط النجاسة المفاد بالحديث بعلة الطوف المنصوصة يعني أنها تدخل المضايق ولازمه شدة المخالطة بحيث يتعذر معه صون الأواني منها بل صون النفس متعذر فللضرورة اللازمة من ذلك سقطت النجاسة إنما الكلام بعد هذا في ثبوت الكراهة

فإن كانت الكراهة كراهة تحريم كما قال الطحاوي لم ينتهض به وجه فإن قال سقطت النجاسة فبقيت كراهة التحريم منعت الملازمة إذ سقوط وصف أو حكم شرعي لا يقتضي ثبوت آخر إلا بدليل

والحاصل أن إثبات كل حكم شرعي يستدعي دليلا فإثبات كراهة التحريم والحالة هذه بغير دليل وإن كانت كراهة تنزيه على الأصح كفى فيه أنها لا تتحامى النجاسة فيكره كماء غمس الصغير يده فيه وأصله كراهة غمس اليد في الإناء للمستيقظ قبل غسلها نهى عنه في حديث المستيقظ لتوهم النجاسة فهذا أصل صحيح منتهض يتم به المطلوب من غير حاجة إلى التمسك بالحديث وهو ما رواه الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال قال رسول الله السنور سبع ووجه التمسك به على ما ذكره المصنف في المستصفى أنه عليه السلام لم يرد الحقيقة لأنه ما بعث لبيان الحقائق فيكون المراد به الحكم والحكم أنواع نجاسة السؤر وكراهته وحرمة اللحم

ثم لا يخلوا إما أن يلحق به في حق جميع الأحكام وهو غير ممكن لأن فيه قولا بنجاسة السؤر مع كراهته وأنه لا يجوز أو في حرمة اللحم وأنه لا يجوز لما أنها ثابتة بنهي النبي عن أكل كل ذي ناب من السباع أو في كراهة السؤر وهو المرام أو في نجاسته وهو أنه لا يجوز أيضا إذا النجاسة منتفية بالإجماع أو بالحديث أو بالضرورة فبقيت الكراهة أو في الأول مع الثاني أو في الأول مع الثالث أو في الثاني مع الثالث وأنه لا يجوز لما مر

فإن قيل إنما يستقيم هذا الكلام أن لو كان هذا الحديث واردا بعد تحريم السباع قلنا حرمة لحم السباع قبل ورود هذا الحديث لا يخلوا أن تكون ثابتة أو لم تكن فإن كانت ثابتة فظاهر وإن لم تكن ثابتة لا تكون الحرمة من لوازم كونه سبعا فلا يمكن جعله مجازا عنها أو (ص 139) نقول

ابتداء لا يجوز أن تكون حرمة اللحم مرادة من هذا الحديث لأن فيه حمل كلام الرسول عليه الصلاة والسلام على الإعادة لا على الإفادة سواء كان هذا الحديث سابقا أو مسبوقا تأمل تدر أه

فثبت بهذا كراهة سؤرها ويحمل إصغاء أبي قتادة الإناء على زوال ذلك التوهم بأن كانت بمرأى منه في زمان يمكن فيه غسلها فمها بلعابها

وأما على قول محمد فيمكن كونه بمشاهدة شربها من ماء كثير أو مشاهدة قدومها عن غيبة يجوز معها ذلك فيعارض هذا التجويز أكلها نجسا قبيل شربها فيسقطه فتبقى الطهارة دن كراهة لأنها ما جاءت إلا من ذلك التجويز وقد سقط وعلى هذا لا ينبغي إطلاق كراهة أكل فضلها والصلاة إذا لحست عضوا قبل غسله كما أطلقه شمس الأئمة وغيره بل يقيد بثبوت ذلك التوهم فأما لو كان زائلا بما قلنا فلا

وقد تسامح في غاية البيان حيث قال ومن الواجب على العوام أن يغسلوا مواضع لحس الهرة إذا دخلت تحت لحافهم لكراهة ما أصابه فمها فإنا قدمنا أن الصحيح أنها تنزيهية وترك المكروه كراهة تنزيه مستحب لا واجب إلا أن يراد بالواجب الثابت ولا يخفى أن كراهة أكل فضلها تنزيها إنما هو في حق الغني لأنه يقدر على غيره أما في حق الفقير فلا يكره كما صرح به في السراج الوهاج وهو نظير ما قالوا إن السؤر المكروه إنما يكون عند وجود غيره أما عند عدم غيره فلا كراهة أصلا

واعلم أن قولهم إن الأصل في سؤر الهرة أن يكون نجسا وإنما سقطت النجاسة بعلة الطواف يفيد أن سؤر الهرة الوحشية نجس وإن كان النص بخلافه لعدم العلة وهي الطواف لأن العلة إذا كانت ثابتة بالنص وعرف قطعا أن الحكم متعلق بها فالحكم يدور على وجودها لا غير كعدم حرمه التأفيف للوالدين إذا لم يعلم الولد معناه أو استعمله بجهة الإكرام

ذكره في كشف الأسرار في بحث دلالة النص

وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلأنها تخالط النجاسة فمنقارها لا يخلو عن قذر وكذا البقر الجلالة والإبل الجلالة إلا أن تكون محبوسة

واختلفوا في تفسيرها فقيل هي التي تحبس في بيت ويغلق بابه وتعلف هناك لعدم النجاسة على منقارها لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار لأنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها وهي في عذرات نفسها لا تجول وإليه ذهب شيخ الإسلام في مبسوطه

وحكي عن الإمام الحاكم عبد الرحمن أنه قال لم يرد بكونها محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها لأنها وإن كانت محبوسة تجول في عذارت نفسها فلا يؤمن من أن يكون على منقارها قذر فيكره كما لو كانت مخلاة وإنما المراد أن تحبس في بيت لتسمن للأكل فيكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها

كذا في معراج الدراية واختار الثاني صاحب الهداية وغيره وفي فتح القدير والحق أنها لا تأكله بل تلاحظ الحب بينه فتلقطه

وأما سؤر سباع الطير كالصقر والبازي فالقياس نجاسته لنجاسة لحمها لحرمة أكله كسباع البهائم ووجه الاستحسان أن حرمة لحمها وإن اقتضت النجاسة لكنها تشرب بمنقارها وهو عظم جاف طاهر لكنها تأكل الميتات والجيف غالبا فأشبه الدجاجة المخلاة فأورث الكراهة بخلاف سباع البهائم فإنها تشرب بلسانها وهو رطب بلعابها المتولد من لحمها وهو نجس فافترقا ولأن في سباع الطير ضرورة وبلوى فإنها تنقض من الهواء فتشرب ولا يمكن صون الأواني عنها خصوصا في البراري وعن أبي يوسف أن الكراهة لتوهم النجاسة في منقارها لا لوصول لعابها إلى الماء حتى لو كانت محبوسة يعلم صاحبها أنه لا قذر في منقارها لا يكره التوضؤ بسؤرها واستحسن المشايخ المتأخرون هذه الرواية وأفتوا بها

كذا في النهاية

وفي التنجيس يجوز أن يفتى بها

وأما سؤر سواكن البيوت كالحية والفأرة فلأن حرمة اللحم أوجبت النجاسة لكنها سقطت النجاسة بعلة الطواف وبقيت الكراهة والعلة المذكورة في (ص 140) الحديث في الهرة موجودة بعينها في سواكن البيوت وهي الطواف فيثبت ذلك الحكم المترتب عليها وهو سقوط النجاسة وتثبت الكراهة لتوهمها