قال: وإذا انتهى الرجل إلى الإمام وقد سبقه بركعتين وهو قاعد يكبر تكبيرة الإفتتاح ليدخل بها في صلاته ثم كبَّر أخرى ويقعد بها لأنه التزم متابعة الإمام وهو قاعد والانتقال من القيام إلى القعود يكون بالتكبير.
والحاصل أنه يبدأ بما أدرك مع الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون عليكم بالسكينة والوقار ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا. وكان الحكم في الابتداء أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته حتى أن معاذاً رضي الله عنه جاء يوماً وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الصلاة فتابعه فيما بقي ثم قضى ما فاته فقال عليه الصلاة والسلام: ما حملك على ما صنعت يا معاذ فقال: وجدتك على حالٍ فكرهت أن أخالفك عليه فقال عليه الصلاة والسلام سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها. ثم لا خلاف أن المسبوق يتابع الإمام في التشهد ولا يقوم للقضاء حتى يسلم الإمام.
وتكلموا أن بعد الفراغ من التشهد ماذا يصنع فكان ابن شجاع رحمه الله يقول يكرر التشهد وأبو بكر الرازي يقول يسكت لأن الدعاء مؤخر إلى آخر الصلاة والأصح أنه يأتي بالدعاء متابعة للإمام لأن المصلي إنما لا يشتغل بالدعاء في خلال الصلاة لما فيه من تأخير الأركان، وهذا المعنى لا يوجد هنا لأنه لا يمكنه أن يقوم قبل سلام الإمام.
ويجوز افتتاح الصلاة بالتسبيح والتهليل والتحميد في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
وفي قول أبي يوسف رحمه الله إذا كان يحسن التكبير ويعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير لا يصير شارعاً بغيره وإن كان لا يحسنه أجزأه.
وألفاظ التكبير عنده أربعة الله أكبر الله الأكبر <ص 36> الله الكبير الله كبير.
وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه لا يصير شارعاً إلا بلفظتي الله أكبر الله الأكبر.
وعند مالك رحمه الله لا يصير شارعاً إلا بقوله الله أكبر.
واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر وبهذا احتج الشافعي ولكنه يقول الله الأكبر أبلغ في الثناء بإدخال الألف واللام فيه فهو أولى.
و أبو يوسف استدل بقوله صلى الله عليه وسلم وتحريمها التكبي ر فلا بد من لفظة التكبير وفي العبادات البدنية يعتبر المنصوص عليه ولا يشتغل بالتعليل حتى لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والأنف.
والأذان لا ينادى بغير لفظ التكبيرة فالتحريم للصلاة أولى.
و أبو حنيفة رحمه الله ومحمد رحمه لله استدلا بحديث مجاهد رضي الله عنه قال كان الأنبياء صلوات الله عليهم يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله ولأن الركن ذكر الله تعالى على سبيل التعظيم وهو الثابت بالنص قال الله تعالى : وذكر اسم ربه فصلى الأعلى: 15 وإذا قال الله أعظم أو الله أجل فقد وجد ما هو الركن فأما لفظ التكبير وردت به الأخبار فيوجب العمل به حتى يكره افتتاح الصلاة بغيره لمن يحسنه ولكن الركن ما هو الثابت بالنص.
ثم من قال الرحمن أكبر فقد أتى بالتكبير قال الله تعالى : قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الإسراء: 110 الآية والتكبير بمعنى التعظيم قال الله تعالى : فلما رأينه أكبرنه يوسف: 31 أي عظمنه وربك فكبر أي فعظم والتعظيم حصل بقوله الله أعظم، فأما الأذان فالمقصود منه الإعلام وبتغيير اللفظ يفوت ما هو المقصود فإن الناس لا يعلمون أنه أذان.
فإن قال الله لا يصير شارعاً بهذا اللفظ عند محمد رحمه الله لأن تمام التعظيم بذكر الاسم والصفة.
وعند أبي حنيفة رحمه الله يصير شارعاً لأن في هذا الاسم معنى التعظيم، فإنه مشتق من التأله وهو التحير.
وإن قال اللهم اغفر لي لا يصير شارعاً لأن هذا سؤالٌ والسؤال غير الذكر قال عليه الصلاة والسلام فيما يأثر عن ربه عز وجل من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإن قال اللهم فالبصريون من أهل النحو قالوا الميم بدل عن ياء النداء فهو كقولك يا الله فيصير شارعاً عند أبي حنيفة والكوفيون قالوا الميم بمعنى السؤال أي يا الله آمنا بخير فلا يصير شارعاً بهِ.
ولو كبر بالفارسية جاز عند أبي حنيفة رحمه الله بناء على أصله أن المقصود هو الذكر وذلك حاصل بكل لسان.
ولا يجوز عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إلا أن لا يحسن العربية.
فـأبو يوسف رحمه الله تعالى مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه.
و محمد فرق فقال للعربية من الفضيلة <ص 37> ما ليس لغيرها من الألسنة فإذا عبر إلى لفظ آخر من العربية جاز وإذا عبر إلى الفارسية لا يجوز.
وأصل هذه المسألة إذا قرأ في صلاته بالفارسية جاز عند أبي حنيفة رحمه الله ويكره وعندهما لا يجوز إذا كان يحسن العربية وإذا كان لا يحسنها يجوز.
وعند الشافعي رضي الله عنه لا تجوز القراءة بالفارسية بحال ولكنه إن كان لا يحسن العربية وهو أميّ يصلي بغير قراءة وكذلك الخلاف فيما إذا تشهد بالفارسية أو خطب الإمام يوم الجمعة بالفارسية.
فـالشافعي رحمه الله يقول: إن الفارسية غير القرآن قال الله تعالى : إنا جعلناه قرآناً عربياً الزخرف: 3 وقال الله تعالى : ولو جعلناه قرآناً أعجمياً فصلت: 44 الآية فالواجب قراءة القرآن فلا يتأدى بغيره بالفارسية والفارسية من كلام الناس فتفسد الصلاة.
و أبو يوسف ومحمد رحمهما الله قالا القرآن معجز والإعجاز في النظم والمعنى فإذا قدر عليهما فلا يتأدى الواجب إلا بهما. وإذا عجز عن النظم أتى بما قدر عليه كمن عجز عن الركوع والسجود يصلي بالإيماء.
و أبو حنيفة رحمه الله استدل بما روي أن الفرس كتبوا إلى سلمان رضي الله عنه أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرؤون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية.
ثم الواجب عليه قراءة المعجز والإعجاز في المعنى فإن القرآن حجة على الناس كافّة وعجز الفرس عن الإتيان بمثله إنما يظهر بلسانهم والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ولا محدث واللغات كلها محدثة فعرفنا أنه لا يجوز أن يقال إنه قرآن بلسان مخصوص كيف وقد قال الله تعالى : وإنه لفي زبر الأولين الشعراء: 196 وقد كان بلسانهم. ولو آمن بالفارسية كان مؤمناً وكذلك لو سمى عند الذبح بالفارسية أو لبى بالفارسية فكذلك إذا كبر وقرأ بالفارسية.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إذا أذن بالفارسية والناس يعلمون أنه أذان جاز، وإن كانوا لا يعلمون ذلك لم يجز لأن المقصود الإعلام ولم يحصل.
ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إنما يجوز إذا قرأ بالفارسية إذا كان يتيقن بأنه معنى العربية، فأما إذا صلى بتفسير القرآن لا يجوز لأنه غير مقطوع بهِ.
وإذا افتتح الصلاة قبل الإمام ثم كبر الإمام فصلى الرجل بصلاته لا يجزئه لقوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ولائتمام لا يتحقق إذا لم يكبر الإمام وقد اختلف عليه حين كبر قبله فلا يجزئه إلا أن يجدد التكبير بعد تكبير الإمام بنية الدخول في صلاته وحينئذ يصير قاطعاً لما كان فيه شارعاً في صلاة الإمام والتكبيرة الواحدة تعمل هذين العملين كمن كان في النافلة فكبر ينوي الفريضة.
ومن غير هذا <ص 38> الباب إذا باع بألفٍ ثم جدد بيعاً بألفين كان فسخاً للأول وانعقاد عقد آخر.
وأشار في الكتاب إلى أنه بالتكبير قبل تكبير الإمام يصير شارعاً في الصلاة لأنه قال تكبيره الثاني قطع لما كان فيه.
فقيل: تأويله إن لم يكن نوى الاقتداء.
وقيل: إن نوى الاقتداء صار شارعاً في صلاة نفسه وهو قول أبي يوسف رحمه الله.
وعند محمد رحمه الله لا يصير شارعاً في الصلاة.
بناءً على أصل وهو أن الجهة إذا فسدت يبقى أصل الصلاة عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمد لا يبقى.
وعن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان يأتي بيانه في موضعه.
ثم الأفضل عند أبي حنيفة أن يكبر المقتدي مع الإمام لأنه شريكه في الصلاة وحقيقة المشاركة في المقارنة.
وعندهما الأفضل أن يكبر بعد تكبير الإمام لأنه تبع للإمام وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام إذا كبر الإمام فكبروا. يشهد لهذا وكذلك سائر الأفعال.
وفي التسليم روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله.
إحداهما: أنه يسلم بعد الإمام ليكون تحلله بعد تحلل الإمام.
والأخرى: أنه يسلم مع الإمام كسائر الأفعال، وإذا سلم الإمام ففي الفجر والعصر بقعد في مكانه ليشتغل بالدعاء لأنه لا تطوع بعدهما ولكنه ينبغي أن يستقبل القوم بوجهه ولا يجلس كما هو مستقبل القبلة وإن كان خير المجالس ما استقبلت به القبلة للأثر المروى جلوس الإمام في صلاة بعد الفراغ مستقبل القبلة بدعة وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر استقبل أصحابه بوجهه وقال: هل رأى أحد منكم رؤيا فيه بشرى بفتح مكة ولأنه يفتتن الداخل بجلوسه مستقبل القبلة لأنه يظنه في الصلاة فيقتدي به وإنما يستقبلهم بوجهه إذا لم يكن بحذائه مسبوقٌ يصلي فإن كان فلينحرف يمنة أو يسرة لأن استقبال المصلى بوجهه مكروه لحديث عمر رضي الله تعالى عنه فإنه رأى رجلاً يصلي إلى وجهِ رجلٍ فعلاهما بالدرة وقال للمصلي أتستقبل الصورة وقال للآخر أتستقبل المصلي بوجهك، فأما في صلاة الظهر والعشاء والمغرب يكره له المكث قاعداً لأنه مندوب إلى التنفل بعد هذه الصلوات، والسنن لجبر نقصان ما يمكن في الفرائض فيشتغل بها وكراهية القعود في مكانه مروى عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ولا يشتغل بالتطوع في مكان الفريضة للحديث المروي أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر بسبحته أي بنافلته، ولأنه يفتتن به الداخل أي يظنه في الفريضة فيقتدي به ولكنه يتحول إلى مكان آخر للتطوع استكثاراً من شهوده فإن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة.
والأوْلى أن يتقدم المقتدي ويتأخر الإمام ليكون حالهما في التطوع <ص 39> خلاف حالهما في الفريضة فإن كان الإمام مع القوم في المسجد فإني أحب لهم أن يقوموا في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام والقوم جميعاً في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإن أخروا التكبير حتى يفرغ المؤذن من الإقامة جاز.
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة.
وقال زفر: إذا قال المؤذن مرة قد قامت الصلاة قاموا في الصف وإذا قال ثانياً كبروا وقال لأن الإقامة تباين الأذان بهاتين الكلمتين فتقام الصلاة عندها.
و أبو يوسف احتج بحديث عمر رضي الله تعالى عنه فإنه بعد فراغ المؤذن من الإقامة كان يقوم في المحراب ويبعث رجالاً يمنة ويسرة ليسووا الصفوف فإذا نادوا استوت كبر، ولأنه لو كبر الإمام قبل فراغ المؤذن من الإقامة فات المؤذن تكبيرة الإفتتاح فيؤدي إلى تقليل رغائب الناس في هذه الأمانة.
و أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله استدلاّ بحديث بلال حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم مهما سبقتني بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين فدل على أنه كان يكبر بعد فراغه من الإقامة، ولأن المؤذن بقوله قد قامت الصلاة يخبر بأن الصلاة قد أقيمت وهو أمين، فإذا لم يكبر كان كاذباً في هذا الإخبار فينبغي أن يحققوا خبره بفعلهم لتحقق أمانته، وهذا إذا كان المؤذن غير الإمام فإن كان هو الإمام لم يقوموا حتى يفرغ من الإقامة لأنهم تبع للإمام وإمامهم الآن قائمٌ للإقامة لا للصلاة وكذلك بعد فراغه من الإقامة ما لم يدخل المسجد لا يقومون فإذا اختلط بالصفوف قام كل صف جاوزهم حتى ينتهي إلى المحراب وكذلك إذا لم يكن الإمام معهم في المسجد يكره لهم أن يقوموا في الصف حتى يدخل الإمام لقوله عليه الصلاة والسلام لا تقوموا في الصف حتى تروني خرجت وأن علياً رضي الله تعالى عنه دخل المسجد فرأى الناس قياماً ينتظرونه فقال ما لي أراكم سامدين أي واقفين متحيرين.
ومن تثاءب في الصلاة ينبغي له أن يغطي فاه لقوله عليه الصلاة والسلام إذا تثاءب أحدكم في صلاته فليغط فاهُ فإن الشيطان يدخل فيه أو قال فمه ولأن ترك تغطية الفم عند التثاؤب في المحادثة مع الناس تعد من سوء الأدب ففي مناجاة الرب أولى.
قال: وأكره أن يكون الإمام على الدّكان والقوم على الأرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن المنبر لصلاة الجمعة ، فلو لم يكره كون الإمام على الدُّكان لصلى على المنبر ليكون أشهر، وإن حذيفة رضي الله تعالى عنه قام على دكّان يصلي لأصحابه فجذبه سلمان حتى أنزله فلما فرغ قال أما علمت أن أصحابك يكرهون <ص 40> ذلك قال فلهذا اتبعتك حين جذبتني.
وروي أن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قام بالمدائن على دكّان يصلي بأصحابه فجذبه حذيفة رضي الله تعالى عنه فلما فرغ قال أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن هذا قال لقد تذكرت ذلك حين جذبتني.
وفي قيامه على الدكان تشبه باليهود وإظهار التكبر في القوم وذلك مكروهٌ، فإنْ كان الإمام على الأرض والقوم على الدكان فذلك مكروهٌ في رواية الأصل لأن فيه استخفافاً من القوم لأئمتهم.
وفي رواية الطحاوي : هذا لا يكره لأن مخالفٌ لأهل الكتاب وكذلك إن كان مع الإمام بعضُ القوم لم يكره.
ولم يبين في الأصل حد ارتفاع الدكان وذكر الطحاوي أنه ما لم يجاوز القامة لا يكره لأن القليل من الإرتفاع عفو ففي الأرض هبوطٌ وصعودٌ والكثيرُ ليس بعفوٍ فجعلنا الحدَّ الفاصل أن يجاوزَ القامة، لأن القوم حينئذ يحتاجون إلى التكلف للنظر إلى الإمام وربما يشتبه عليهم حاله.
قال: ويجوز إمامه الأعمى والأعرابي والعبد وولد الزنا والفاسق وغيرهم أحب إليّ والأصل فيه أن مكان الإمامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أول من تقدم للإمامة فيختار له من يكون أشبه به خُلُقاً وخَلْقاً ثم هو مكان استنبط منه الخلافة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالت الصحابة بعد موته أنه اختار أبا بكر لأمر دينكم فهو المختار لأمر دنياكم فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس.
وتكثير الجماعة مندوب إليه قال عليه الصلاة والسلام صلاة الرجل مع اثنين خيرٌ من صلاته وحده وصلاته مع الثلاثة خيرٌ من صلاته مع اثنين وكلما كثرت الجماعة فهو عند الله أفضل وفي تقديم المعظم تكثير الجماعة فكان أولى.
إذا ثبت هذا فنقول تقديم الفاسق للإمامة جائز عندنا ويكره.
وقال مالك رضي الله تعالى عنه لا تجوز الصلاة خلف الفاسق لأنه لما ظهرت منه الخيانة في الأمور الدينية فلا يؤتمن في أهم الأمور، ألا ترى أن الشرع أسقط شهادته لكونها أمانة.
ولنا حديث مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجهاد مع كل أمير والصلاة خلف كل إمام والصلاة على كل ميت وقال صلى الله عليه وسلم صلوا خلف كل بر وفاجر ولأن الصحابة والتابعين كانوا لا يمتنعون من الإقتداء بالحجاج في صلاة الجمعة وغيرها، مع أنه كان أفسق أهل زمانه، حتى قال الحسن رحمه الله تعالى لو جاء كل أمة بخبيثاتها ونحن جئنا ب أبي محمد لغلبناهم وإنما يكره لأن في تقديمه تقليلٌ الجماعة وقلما يرغب الناس في الإقتداء به.
وقال أبو يوسف في <ص 41> الأمالي أكره أن يكون الإمام صاحب هوى أو بدعة لأن الناس لا يرغبون في الإقتداء به وإنما جاز إمامة الأعمى لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أمّ مكتوم على المدينة مرة، وعتبان بن مالك مرة، وكانا أعميين والبصير أولى لأنه قيل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعدما كف بصره ألا تؤمهم قال كيف أؤمهم وهم يسوونني إلى القبلة.
ولأن الأعمي قد لا يمكنه أن يصون ثيابه عن النجاسات فالبصير أولى بالإمامة.
وأما جواز إمامة الأعرابي فإن الله تعالى أثنى على بعض الأعراب بقوله: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } التوبة: 99 الآية وغيره أولى لأن الجهل عليهم غالب والتقوى فيهم نادرة وقد ذم الله تعالى بعض الأعراب بقوله تعالى : الأعراب أشد كفراً ونفاقاً التوبة: 97 وأما العبد فجواز إمامته لحديث أبي سعيد مولى أبي أسيد قال: عرّست وأنا عبد فدعوت رهطاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر فحضرت الصلاة فقدموني فصليت بهم، وغيره أولى لأن الناس قلما يرغبون في الإقتداء بالعبيد والجهل عليهم غالب لاشتغالهم بخدمة المولى عن تعلم الأحكام والتقوى فيهم نادرة وكذلك ولد الزنا فإنه لم يكن له أب يفقهه فالجهل عليه غالب والذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولد الزنا شر الثلاثة فقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها هذا الحديث وقالت كيف يصح هذا وقد قال الله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم المراد شر الثلاثة نسباً أو قاله في ولد زنا بعينه نشأ مرتداً فأما من كان منهم مؤمناً فالإقتداء به صحيح، قال: ويؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة وأفضلهم ورعاً وأكبرهم سناً لحديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فإن كانوا سواءً فأعلمهم بالسنة فإن كانوا سواءً فأقدمهم هجرة فإن كانوا سواءً فأكبرهم سناً وأفضلهم ورعاً وزاد في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فإن كانوا سواءً فأحسنهم وجهاً فبعض مشايخنا اعتمدوا ظاهر الحديث وقالوا من يكون أقرأ لكتاب الله تعالى يقدم في الإمامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به وقال النبي صلى الله عليه وسلم أهل القرآن هم أهل الله وخاصته.
والأصح أن الأعلم بالسنة إذا كان يعلم من القرآن مقدار ما تجوز به الصلاة فهو أولى لأن القراءة يحتاج إليها في ركن واحد والعلم يحتاج وإليه في جميع الصلاة والخطأ المفسد للصلاة في القراءة لا يعرف إلا بالعلم، وإنما قدم <ص 42> الأقرأ في الحديث لأنهم كانوا في ذلك الوقت يتعلمون القرآن بأحكامه على ما روي أن عمر رضي الله تعالى عنه حفظ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة فالأقرأ منهم يكون أعلم فأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهراً في القرآن ولا حظ له في العلم فالأعلم بالسنة أولى إلا أن يكون ممن يطعن عليه في دينه فحينئذ لا يقدم لأن الناس لا يرغبون في الإقتداء به.
فإن استووا في العلم بالسنة فأفضلهم ورعاً لقوله صلى الله عليه وسلم من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي وقال صلى الله عليه وسلم ملاك دينكم الورع.
وفي الحديث يقدم أقدمهم هجرة لأنها كانت فريضة يومئذ ثم انتسخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح.
ولأن أقدمهم هجرة يكون أعلمهم بالسنة لأنهم كانوا يهاجرون لتعلم الأحكام.
فإن كانوا سواءً فأكبرهم سناً لقوله صلى الله عليه وسلم الكُبْرِ الكُبْر.
ولأن أكبرهم سناً يكون أعظمهم حرمة عادةً، ورغبة الناس في الإقتداء به أكثر.
والذي قال في حديث عائشة رضي الله عنها فإن كانوا سواءً فأحسنهم وجهاً.
قيل معناه: أكثرهم خبرة بالأمور كما يقال وجه هذا الأمر كذا وإن حمل على ظاهره فالمراد منه أكثرهم صلاة بالليل جاء في الحديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
قال: ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه لقوله صلى الله عليه وسلم لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه ، ولأن في التقدم عليه ازدراءً به بين عشيرته وأقاربه وذلك لا يليق بحسن الخلق إلا أن يكون الضيف سلطاناً فحق الإمامة له حيث يكون وليس للغير أن يتقدم عليه إلا بإذنه وإذا كان مع الإمام رجلان فإنه يتقدم الإمام ويصلي بهما لأن للمثنى حكم الجماعة قال صلى الله عليه وسلم الإثنان فما فوقهما جماعة.
وكذلك معنى الجمع من الإجتماع وذلك حاصل بالمثنى.
والذي روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه صلى بعلقمة والأسود في بيتٍ واحدٍ فقام في وسطهما، قال إبراهيم النخعي رحمه الله كان ذلك لضيق البيت.
والأصح أن هذا كان مذهب ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ولهذا قال في الكتاب وإن لم يتقدم الإمام وصلى بهما فصلاتهم تامة لأن فعلهم حصل في موضع الإجتهاد وأقل الجمع المتفق عليه ثلاثة والتقدم للإمامة من سنة الجماعة ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى في صلاة الجمعة النصاب ثلاثة سوى الإمام وإن كان القوم كثيراً فقام الإمام وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرة الصف فقد أساء الإمام وصلاتهم <ص 43> تامة أما جواز الصلاة فلأن المفسد تقدم القوم على الإمام ولم يوجد وأما الكراهة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم للإمامة بأصحابه رضوان الله عليهم وواظب على ذلك والإعراض عن سنته مكروه ولأن مقام الإمام في وسط الصف يشبه جماعة النساء ويكره للرجال التشبه بهن وإن تقدم المقتدي على الإمام لا يصح اقتداؤه به إلا على قول مالك رحمه الله تعالى فإنه يقول الواجب عليه المتابعة في الأفعال فإذا أتي به لم يضره قيامه قدام الإمام ولنا الحديث ليس مع الإمام من يقدمه ولأنه إذا تقدم على الإمام اشتبه عليه حالة افتتاحه واحتاج إلى النظر وراءَه في كل وقت ليقتدي به فلهذا لا يجوز.
فإن كان مع الإمام واحد وقف على يمين الإمام لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال بت عند خالتي ميمونة رضي الله تعالى عنها لأراقب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل فانتبه فقال نامت العيون وغارت النجوم وبقي الحي القيوم ثم قرأ آخر سورة آل عمران إن في خلق السموات والأرض إلى آخر الآية ثم قام إلى شن ماء معلق فتوضأ وافتتح الصلاة فقمت وتوضأت ووقفت على يساره فأخذ بأذني وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه فعدت إلى مكاني فأعادني ثانياً وثالثاً فلما فرغ قال ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع الذي أوقفتك قلت أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف فقال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.
فإعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه إلى الجانب الأيمن دليل على أنه هو المختار إذا كان مع الإمام رجلٌ واحدٌ.
وفي ظاهر الرواية لا يتأخر المقتدي عن الإمام وعن محمد رحمه الله تعالى قال ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام وهو الذي وقع عند العوام وإن كان المقتدي أطول فكان سجوده قدام الإمام لم يضره لأن العبرة بموضع الوقوف لا بموضع السجود كما لو وقف في الصف ووقع في سجوده أمام الإمام لطوله وإن صلى خلفه امرأة جازت صلاته لحديث أنس رضي الله عنه أن جدته مليكة رضي الله تعال عنها دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقال قوموا لأصلي بكم فأقامني واليتيم من ورائه وأمي أم سليم وراءنا، وصلاة الصبي تخلق فبقي أنس رضي الله تعالى عنه واقفاً خلفه وحده وأم سليم وقفت خلف الصبي وحدها. وفي الحديث دليل على أنه إذا كان مع الإمام اثنان يتقدمهما الإمام ويصطفان خلفه
قال: وكذلك إن وقف على يسار الإمام لأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقف في الإبتداء عن يساره واقتدى <ص 44> به ثم جواز اقتدائه به وفي الإدارة حصل خلفه فدل أن شيئاً من ذلك غير مفسد. قال: وهو مسيءٌ من أصحابنا من قال هذه الإساءة إذا وقف عن يسار الإمام لا خلفه لأن الواقف خلفه أحد الجانبين منه على يمينه فلا يتم إعراضه عن السنة بخلاف الواقف على يساره والأصح أن جواب الإساءة في الفصلين جميعاً لأنه عطف أحدهما على الآخر بقوله وكذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.