الحديث الخامس عشر: قال عليه السلام:
"في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم"، قلت: أخرجه الدارقطني (1)، ثم البيهقي في "سننهما" عن الليث بن حماد الأصطخري حدثنا أبو يوسف عن غورك (2) بن الخضرم أبي عبد اللّه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار"، انتهى. قال الدارقطني: تفرد به غورك، وهو ضعيف جداً، ومن دونه ضعفاء، انتهى. وقال البيهقي: ولو كان هذا الحديث صحيحاً عند أبي يوسف لم يخالفه، انتهى. وقال ابن القطان في "كتابه": وأبو يوسف هذا هو أبو يوسف يعقوب القاضي (3)، وهو مجهول عندهم، انتهى. وفيه شيء، فقد وثقه ابن حبان، وغيره. واستدل لنا ابن الجوزي في "التحقيق" بحديث أخرجاه في "الصحيحين" (4) عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر الخيل، فقال: "ورجل ربطها تغنّياً وتعففاً، ثم لم ينس حق اللّه في رقابها، ولا في ظهورها، فهي لذلك ستر"، وجوابه من وجهين: أحدهما: أن حقها إعادتها وحمل المنقطعين عليها، فيكون ذلك على وجه الندب. والثاني: أن يكون واجباً، ثم نسخ بدليل قوله: قد عفوت لكم عن صدقة الخيل، إذ العفو لا يكون إلا عن شيء لازم، انتهى كلامه. وكذلك استدل به الشيخ في "الإِمام"، والحديث في "الصحيحين" عن أبي صالح (5) عن أبي هريرة في حديث مانع الزكاة بطوله، وفيه: الخيل ثلاثة: هي لرجل وِزْرٌ. ولرجل ستر. ولرجل أجر، فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياءً وفخراً، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل اللّه، ثم لم ينس حق اللّه في ظهورها، ولا في رقابها. وفي لفظ لمسلم: في ظهورها ولا بطونها، الحديث.
قوله: والتخيير بين الدينار والتقويم مأثور عن عمر، قلت: غريب، وأخرج الدارقطني في "سننه" (6) عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر، فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً خيلاً ورقيقاً، وإنا نحب أن تزكيه، فقال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعل أنا، ثم استشار أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: أحسن، وسكت علي، فسأله، فقال: هو حسن لو لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها بعدك، فأخذ من الفرس عشرة دراهم، ثم أعاده قريباً منه بالسند المذكور والقصة، وقال فيه: فوضع على كل فرس ديناراً، انتهى. وروى محمد بن الحسن الشيباني في "كتاب الآثار" (7) أخبرنا أبو حنيفة رضي اللّه عنه عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أنه قال في الخيل السائمة التي يطلب نسلها: إن شئت في كل فرس ديناراً وعشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم، في كل فرس ذكر أو أنثى، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أن جبير بن يعلى أخبره أنه سمع يعلى بن أمية يقول: ابتاع عبد الرحمن بن أمية - أخو يعلى بن أمية - من رجل من أهل اليمن فرساً أنثى بمائة فَلوص، فندم البائع، فلحق بعمر، فقال: غصبني يعلى، وأخوه فرساً لي. فكتب إلى يعلى أن ألحق بي، فأتاه، وأخبره الخبر، فقال: إن الخيل لتبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرساً يبلغ هذا، فنأخذ من كل أربعين شاة شاة، ولا نأخذ من الخيل شيئاً، خذ من كل فرس ديناراً، فقدر على الخيل ديناراً، انتهى. وروى أيضاً عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حسين أن ابن شهاب أخبره أن عثمان كان يَصّدَّق الخيل، وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقة الخيل، انتهى. قال ابن عبد البر: وقد روى فيه جويرية عن مالك حديثاً صحيحاً، أخرجه الدارقطني (8) عن جويرية عن مالك عن الزهري أن السائب بن يزيد أخبره، قال: رأيت أبي يقيم (9) الخيل، ثم يرفع صدقتها إلى عمر رضي اللّه عنه، انتهى.
------------
(1) الدارقطني: ص 214، والبيهقي: ص 119 - ج 4، قال الهيثمي في "الزوائد" ص 69 - ج 3: فيه ليث بن حماد. وعراك، وكلاهما ضعيف.
(2) غورك "بالغين المعجمة" كذا في - الدارقطني. والميزان - ، وفي - الدارقطني - الخضرم، وفي - البيهقي - الحصرم "بمهملتين" واللّه أعلم، وفي "الميزان" غورك بن الحضرمي، وفي "الدراية" عورك "بالعين المهملة".
(3) أي ليس هو بصاحب لأبي حنيفة.
(4) البخاري في "المساقاة - في باب شرب الناس والدواب من الأنهار" ص 319، ومسلم في "باب إثم مانع الزكاة" ص 319.
(5) قلت: حديث أبي صالح عن أبي هريرة هذا هو الذي تقدم فيما استدل به ابن الجوزي آنفاً، فما وجه الإعادة؟.
(6) الدارقطني: ص 214، وأعاده في: ص 219، وأخرجه الطحاوي: ص 310، وأحمد في "مسنده: ص 14، إلى قوله: يؤخذون بها بعدك، وكذا الحاكم في "المستدرك" ص 400، وصححه، وقال الهيثمي في "الزوائد" ص 69 - ج 3: رواه أحمد. والطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات، اهـ.
(7) "كتاب الآثار - في باب زكاة الدواب والعوامل" ص 47.
(8) هو في "الطحاوي" ص 310 - ج 1، وروى الشافعي في كتاب "الأم" ص 220 - ج 7 أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن السائب بن يزيد أن عمر أمر أن يؤخذ في الفرس شاتان، أو عشرة، أو عشرون درهما، اهـ. وقال الحافظ في "الدراية": روى الدارقطني في "غرائب مالك" بإسناد صحيح عنه عن الزهري، أن السائب بن يزيد أخبره، قال: رأيت أبي يقيم الخيل" ثم يدفع صدقتها إلى عمر.
(9) في "الجوهر" - يقوم - ، وفي "الطحاوي" - يقيم - .
------------