نيل الأوطارالجزء الخامس. › كتاب المناسك [ص 2]. › أبواب مواقيت الإحرام وصفته وأحكامه. › باب ما جاء في فسخ الحج إلى العمرة.

ابحث في الصفحة

قوله: (وجعلنا مكة بظهر) أي جعلناها وراء أظهرنا وذلك عند إرادتهم الذهاب إلى منى.

قوله: (لا يخالطه شيء) يعني من العمرة ولا القران ولا غيرهما.

قوله: (من ذي الحجة) بكسر الحاء على الأفصح.

قوله: (أرأيت متعتنا هذه) أي أخبرني عن فسخنا الحج إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها بالجماع والطيب واللبس.

قوله: (لعامنا هذا) أي مخصوصة به لا تجوز في غيره أم للأبد أي جميع الإعصار.

(وقد ستدل) بهذه الأحاديث وبما يأتي بعدها مما ذكره المصنف من قال أنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد وبه قال أحمد وطائفة من أهل الظاهر وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي قال النووي: وجمهور العلماء من السلف والخلف أن فسخ الحج إلى العمرة هو [ص 57] مختص بالصحابة في تلك السنة لا يجوز بعدها قالوا: وإنما أمروا به في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج واستدلوا بحديث أبي ذر وحديث الحارث بن بلال عن أبيه وسيأتيان ويأتي الجواب عنهما قالوا: ومعنى قوله للأبد جواز الاعتمار في أشهر الحج والقران فهما جائزان إلى يوم القيامة وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة وقد عارض المجوزون للفسخ ما احتج به المانعون بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر من الصحابة قد ذكر المصنف في هذا الباب منها أحاديث عشرة منهم وهم جابر وسراقة بن مالك وأبو سعيد وأسماء وعائشة وابن عباس وأنس وابن عمر والربيع بن سبرة والبراء وأربعة لم يذكر أحاديثهم وهم حفصة وعلي وفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأبو موسى. قال في الهدي: وروي ذلك عن هؤلاء الصحابة طوائف من كبار التابعين حتى صار منقولاً عنهم نقلاً يرفع الشك ويوجب اليقين ولا يمكن أحد أن ينكره أو يقول لم يقع وهو مذهب أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ومذهب حبر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه ومذهب أبو موسى الأشعري ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل وأهل الحديث معه ومذهب عبد اللّه بن الحسن العنبري قاضي البصرة ومذهب أهل الظاهر انتهى.

واعلم أن هذه الأحاديث قاضية بجواز الفسخ. وقول أبي ذر لا يصلح للاحتجاج به على أنها مختصة بتلك السنة وبذلك الركب وغاية ما فيه أنه قول صحابي فيما هو مسرح للاجتهاد فلا يكون حجة على أحد على فرض أنه لم يعارضه غيره فكيف إذا عارضه رأي غيره من الصحابة كابن عباس فإنه أخرج عنه مسلم أنه كان يقول: (لا يطوف بالبيت حاج إلا حل) وأخرج عبد الرزاق أنه قال: (من جاء مهلاً بالحج فإن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى فقيل له: إن الناس ينكرون ذلك عليك فقال: هي سنة نبيهم وإن رغموا) وكأبي موسى فإنه كان يفتي بجواز الفسخ في خلافة عمر كما في صحيح البخاري على أن قول أبي ذر معارض بصريح السنة كما تقدم في جوابه صلى اللّه عليه وآله وسلم لسراقة بقوله للأبد لما سأله عن متعتهم تلك بخصوصها مشيراً إليها بقوله متعتنا هذه فليس في المقام متمسك بيد المانعين يعتد به ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة المتواترة وأما حديث الحارث بن بلال عن أبيه فسيأتي أنه غير صالح للتمسك به على فرض انفراده فكيف إذا وقع معارضاً لأحاديث أربعة عشر صحابياً كلها صحيحة وقد أبعد من قال إنها منسوخة لأن دعوى النسخ تحتاج إلى نصوص صحيحة متأخرة [ص 58] عن هذه النصوص وأما مجرد الدعوى فأمر لا يعجز عنه أحد.

وأما ما رواه البزار عن عمر أنه قال: (أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا) فقال ابن القيم: إن هذا الحديث لا سند له ولا متن أما سنده فمما لا تقوم به حجة عند أهل الحديث وأما متنه فإن المراد بالمتعة فيه متعة النساء. ثم استدل على أن المراد ذلك بإجماع الأمة على أن متعة الحج غير محرمة وبقول عمر: لو حججت لتمتعت كما ذكره الأثرم في سننه. وبقول عمر لما سئل: هل نهى عن متعة الحج فقال: لا أبعد كتاب اللّه أخرجه عنه عبد الرزاق وبقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (بل للأبد) فإنه قطع لتوهم ورود النسخ عليها (واستدل) على النسخ بما أخرجه أبو داود: (أن رجلاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج) وهو من رواية سعيد بن المسيب عن الرجل المذكور وهو لم يسمع من عمر وقال أبو سليمان الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال وقد اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل موته وجوز ذلك إجماع أهل العلم ولم يذكر فيه خلافاً انتهى. إذا تقرر لك هذا علمت أن هذه السنة عامة لجميع الأمة وسيأتي في أخر هذا الباب بقية متمسكات الطائفتين وقد اختلف هل الفسخ على جهة الوجوب أو الجواز فمال بعض إلى أنه واجب قال ابن القيم في الهدي بعد أن ذكر حديث البراء الآتي وغضبه صلى اللّه عليه وآله وسلم لما لم يفعلوا ما أمرهم به من الفسخ ونحن نشهد اللّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة تفادياً من غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وإتباعاً لأمره فواللّه ما نسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحابه دون من بعدهم بل أجرى اللّه على لسان سراقة أن سأله هل ذلك مختص بهم فأجابه بأن ذلك كائن لا بد فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على من خالفه انتهى.

والظاهر أن الوجوب رأي ابن عباس لقوله فيما تقدم أن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى.

4 - وعن الأسود عن عائشة قالت: (خرجنا مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت وأمر النبي صلى اللّه عليه وآله [ص 59] وسلم من لم يكن ساق الهدي أن يحل فحل من لم يكن ساق ونساؤه لم يسقن فأحللن قالت عائشة: فحضت فلم أطف بالبيت وذكرت قصتها).

متفق عليه.

5 - وعن ابن عباس قال: (كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفر ويقولون إذا برأ الدبر وعفى الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول اللّه أي الحل قال: حل كله).

متفق عليه.

6 - وعنه قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: هذه عمرة استمتعنا به فلم يكن عنده هدي فليحلل الحل كله فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة).

رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

7 - وعنه أيضاً: (أنه سئل عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: اجعلوا أهلاً لكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج وإذا فرغنا من المناسك جئنا طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال تعالى: {فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} إلى أمصاركم).

رواه البخاري.