نيل الأوطارالجزء التاسع. › [تتمة كتاب الأطعمة والصيد والذبائح] [ص 2]. › أبواب الصيد. › باب ما يجوز فيه اقتناء الكلب وقتل الكلب الأسود البهيم.

ابحث في الصفحة

قوله: (أو زرع) زيادة الزرع أنكرها ابن عمر كما في صحيح مسلم أنه قيل لابن عمر إن أبا هريرة يقول أو كلب زرع فقال ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعاً ويقال إن ابن عمر أراد بذلك أن سبب حفظ أبي هريرة لهذه الرواية أنه صاحب زرع دونه ومن كان مشتغلاً بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه وهذا هو الذي ينبغي [ص 3] حمل الكلام عليه.

وفي صحيح مسلم أيضاً قال سالم وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث. وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع سفيان بن أبي زهير وعبد اللّه بن المغفل.

قوله: (أو ماشية) أو للتنويع لا للترديد وهو ما يتخذ من الكلاب لحفظ الماشية عند رعيها. والمراد بقوله ولا ضرعاً الماشية أيضاً.

قوله: (وقال عليكم بالأسود البهيم) أي الخالص السواد والنقطتان هما الكائنتان فوق العينين.

قال ابن عبد البر: في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية وكذلك للزرع لأنها زيادة حافظ وكراهة اتخاذها لغير ذلك إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياساً فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه. والمراد بقوله: (نقص من عمله) أي من أجر عمله.

وقد استدل بهذا على جواز اتخاذها لغير ما ذكر وأنه ليس بمحرم لأن ما كان اتخاذه محرماً امتنع اتخاذه على كل حال سواء نقص الأجر أم لا. فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام.

قال ابن عبد البر أيضاً: ووجه الحديث عندي أن المعاني المتعبد بها في الكلاب من غسل الإناء سبعاً لا يكاد يقوم بها المكلف ولا يتحفظ منها فربما دخل عليه باتخاذها ما ينقص أجره من ذلك.

وروي أن المنصور باللّه سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه فقال المنصور: لأنه ينبح الضيف ويروع السائل اهـ.

قال في الفتح: وما ادعاه من عدم التحريم واستدل له بما ذكره ليس بلازم بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ كلباً ويحتمل أن يكون الاتخاذ حراماً. والمراد بالنقص إذاً الإثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر فينتقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان.

وقيل سبب النقصان امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى أو لأن بعضها شياطين أو عقوبة لمخالفة النهي أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربما ينجس الطاهر منها فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر.

وقال ابن التين: المراد أنه لو لم يتخذه لكان عمله كاملاً فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى وإنما أراد أنه ليس في الكمال [ص 4] كعمل من لم يتخذ اهـ.

قال في الفتح: وما ادعاه من عدم الجواز منازع فيه. فقد حكى الروياني في البحر اختلافاً في الأجر هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل وفي محل نقصان القيراطين خلاف: فقيل من عمل النهار قيراط ومن عمل الليل آخر. وقيل من الفرض قيراط ومن النفل آخر.

واختلفوا في اختلاف الروايتين في القيراطين كما في صحيح البخاري والقيراط كما في أحاديث الباب. فقيل الحكم للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظ الآخر أو أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أخبر أولاً بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانياً بنقص قيراطين زيادة في التأكيد والتنفير من ذلك فسمع الراوي الثاني.

وقيل ينزل على حالين فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته وقيل يختص نقص القيراطين بمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها وقيل غير ذلك.

واختلف في القيراطين المذكورين هنا هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة وإتباعها فقيل بالتسوية. وقيل اللذان في الجنازة من باب الفضل واللذان هنا من باب العقوبة وباب الفضل أوسع من غيره والأصح عند الشافعية إباحة اتخاذ الكلب لحفظ الدروب إلحاقاً للمنصوص بما في معناه كما أشار إليه ابن عبد البر واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه ما لم يحصل الاتفاق على قتله وهو الكلب العقور. وأما غير العقور فقد اختلف هل يجوز قتله مطلقاً أم لا.

واستدل (بأحاديث الباب) على طهارة الكلب المأذون باتخاذه لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقة شديدة فالإذن باتخاذه إذن بمكملات مقصوده كما أن المنع من اتخاذه مناسب للمنع منه وهو استدلال قوي كما قال الحافظ لا يعارضه إلا عموم الخبر في الأمر بغسل ما ولغ فيه الكلب من غير تفصيل وتخصيص العموم غير مستنكر إذا سوغه الدليل.