رياض الصالحينالكتاب الأول › 14 - باب الاقتصاد في العبادة

ابحث في الصفحة

150 - وعن أبي محمد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رَضِيِ اللَّهُ عَنْهُ قال: أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <أنت الذي تقول ذلك؟> فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي يا رَسُول اللَّهِ. قال: <فإنك لا تستطيع ذلك؛ فصم وأفطر ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر> قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: <فصم يوماً وأفطر يومين> قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: <فصم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام> وفي رواية: <هو أفضل الصيام> فقلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <لا أفضل من ذلك> ولأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أحب إلي من أهلي ومالي.

وفي رواية <ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟> قلت: بلى يا رَسُول اللَّهِ. قال: <فلا تفعل؛ صم وأفطر ونم وقم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينيك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر> فشدّدْت فشُدِّدَ علي. قلت: يا رَسُول اللَّهِ إني أجد قوة. قال: <صم صيام نبي اللَّه داود ولا تزد عليه> قلت: وما كان صيام داود؟ قال: <نصف الدهر> فكان عبد اللَّه يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم!

وفي رواية: <ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة> فقلت: بلى يا رَسُول اللَّهِ ولم أرد بذلك إلا الخير. قال: <فصم صوم نبي اللَّه داود فإنه كان أعبد الناس، واقرأ القرآن في كل شهر> قلت: يا نبي اللَّه إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: <فاقرأه في كل عشرين> قلت: يا نبي اللَّه إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: <فاقرأه في كل عشر> قلت: يا نبي اللَّه إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: <فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك> فشَدَّدْتُ فشُدِّدَ علي، وقال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: <إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر> قال: فصرت إلى الذي قال لي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وفي رواية: <وإن لولدك عليك حقاً>

وفي رواية: <لا صام من صام الأبد> ثلاثاً.

وفي رواية: <أحب الصيام إلى اللَّه صيام داود، وأحب الصلاة إلى اللَّه صلاة داود: كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى>

وفي رواية قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، وكان يتعاهد كنته: أي امرأة ولده، فيسألها عن بعلها فتقول له: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه! فلما طال ذلك عليه ذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: <القني به> فلقيته بعد فقال: <كيف تصوم؟> قلت: كل يوم. قال: <وكيف تختم؟> قلت: كل ليلة. وذكر نحو ما سبق. وكان يقرأ على بعض أهله السبع الذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياماً وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئاً فارق عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. كل هذه الروايات صحيحة معظمها في الصحيحين وقليل منها في أحدهما.