رياض الصالحينالكتاب الأول › 56 - باب فضل الجوع وخشونة العيش والاقتصار على القليل من المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من حظوظ النفس وترك الشهوات

ابحث في الصفحة

520 - وعن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: <أنا نازل> ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم. فقلت: يا رَسُول اللَّهِ ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم شيئاً ما في ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق. فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت فقلت: طُعَيْمٌ لي فقم أنت يا رَسُول اللَّهِ ورجل أو رجلان. قال: <كم هو؟> فذكرت له فقال: <كثير طيب قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي> فقال: <قوموا> فقام المهاجرون والأنصار فدخلت عليها فقلت: ويحك! جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم والمهاجرون والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. قال: <ادخلوا ولا تضاغطوا> فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويغرف حتى شبعوا وبقي منه. فقال: <كلي هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة>. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

وفي رواية قال جابر: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم خمصاً فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم خمصاً شديداً. فأخرجت إلي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فقالت: لا تفضحني برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ومن معه. فجئته فساررته فقلت: يا رَسُول اللَّهِ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم فقال: <يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سوراً فحيهلاً بكم> فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: <لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء> فجئت وجاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك! فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت عجيننا فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق فيه وبارك ثم قال: <ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها> وهم ألف، فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو.

قوله <عرضت كدية> هي: قطعة غليظة صلبة من الأرض لا تعمل فيها الفأس.

و <الكثيب> أصله تل الرمل. والمراد هنا: صارت تراباً ناعماً، وهو معنى <أهيل>

و <الأثافي> الأحجار التي يكون عليها القدر.

و <تضاغطوا> : تزاحموا.

و <المجاعة> : الجوع وهو بفتح الميم.

و <الخمص> بفتح الخاء والميم: الجوع .

و <انكفأت> : انقلبت ورجعت.

و <البهيمة> بضم الباء تصغير بهمة وهي: العناق بفتح - العين - .

و <الداجن> هي: التي ألفت البيت.

و <السور> الطعام الذي يدعى الناس إليه، وهو بالفارسية.

و <حيهلاً> : أي تعالوا.

وقولها <بك وبك> : أي خاصمته وسبته لأنها اعتقدت أن الذي عندها لا يكفيهم فاستحيت وخفي عليها ما أكرم اللَّه سبحانه وتعالى به نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم من هذه المعجزة الظاهرة، والآية الباهرة.

<بسق> : أي بصق. ويقال أيضاً: بزق: ثلاث لغات.

و <عمد> بفتح الميم: أي قصد.

و <اقدحي> : أي اغرفي. والمقدحة: المغرفة.

و <تغط> : أي لغليانها صوت، والله أعلم.