الهدايةالجزء 2 › كتاب الحدود › [--] › فصل في كيفية الحد وإقامته

ابحث في الصفحة

وإذا وجب الحد وكان الزاني محصنا رجمه بالحجارة حتى يموت لأنه عليه الصلاة والسلام رجم ماعزا وقد أحصن وقال في الحديث المعروف وزنا بعد إحصان وعلى هذا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم

قال ويخرجه إلى أرض فضاء ويبتدئ الشهود برجمه ثم الإمام ثم الناس كذا روي عن علي رضي الله عنه ولأن الشاهد قد يتجاسر على الأداء ثم يستعظم المباشرة فيرجع فكان في بداءته احتيال للدرء وقال الشافعي رحمه الله لا تشترط بداءته اعتبارا بالجلد

قلنا كل أحد لا يحسن الجلد فربما يقع مهلكا والإهلاك غير مستحق ولا كذلك الرجم لأنه إتلاف قال فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد لأنة دلالة الرجوع وكذا إذا ماتوا أو غابوا في ظاهر الرواية لفوات الشرط وإن كان مقرا ابتدأ الإمام ثم الناس كذا روي عن علي رضي الله عنه ورمى رسول الله عليه الصلاة والسلام الغامدية بحصاة مثل الحمصة وكانت قد اعترفت بالزنا ويغسل ويكفن ويصلى عليه لقوله (ص 97) عليه الصلاة والسلام في ماعز رضي الله عنه اصنعوا به كما تصنعون بموتاكم ولأنه قتل بحق فلا يسقط الغسل كالمقتول قصاصا وصلى النبي عليه الصلاة والسلام على الغامدية بعد ما رجمت وإن لم يكن محصنا وكان حرا فحده مائة جلدة لقوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} إلا أنه انتسخ في حق المحصن فبقي في حق غيره معمولا به

قال يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة له ضربا متوسطا لأن عليا رضي الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر ثمرته والمتوسط بين المبرح وغير المؤلم لإفضاء الأول إلى الهلاك وخلو الثاني عن المقصود وهو الانزجار وتنزع عنه ثيايه معناه دون الإزار لأن عليا رضي الله عنه كان يأمر بالتجريد في الحدود ولأن التجريد أبلغ في إيصال الألم إليه وهذا الحد مبناه على الشدة في الضرب وفي نزع الإزار كشف العورة فيتوقاه ويفرق الضرب على أعضائه لأن الجمع في عضو واحد قد يفضي إلى التلف والحد زاجر لا متلف

قال إلا رأسه ووجهه وفرجه لقوله عليه الصلاة والسلام للذي أمره بضرب الحد اتق الوجه والمذاكير ولأن الفرج مقتل والرأس مجمع الحواس وكذا الوجه وهو مجمع المحاسن أيضا فلا يؤمن فوات شيء منها بالضرب وذلك إهلاك معنى فلا يشرع حدا

وقال أبو يوسف رحمه الله يضرب الرأس أيضا رجع إليه وإنما يضرب سوطا لقول أبي بكر رضي الله عنه اضربوا الرأس فإن فيه شيطانا

قلنا تأويله أنه قال ذلك فيمن أبيح قتله ويقال إنه ورد في حربي كان من دعاة الكفرة والإهلاك فيه مستحق ويضرب في الحدود كلها قائما غير ممدود لقول علي رضي الله عنه يضرب الرجال في الحدود قياما والنساء قعودا ولأن مبنى إقامة الحد على التشهير والقيام أبلغ فيه ثم قوله غير ممدود فقد قيل المد أن يلقى على الأرض ويمد كما يفعل في زماننا وقيل أن يمد السوط فيرفعه الضارب فوق رأسه وقيل أن يمده بعد الضرب وذلك كله لا يفعل لأنه زيادة على المستحق وإن كان عبدا جلده خمسين جلدة لقوله تعالى {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} نزلت في الإماء ولأن الرق منقص للنعمة فيكون منقصا للعقوبة لأن الجناية عند توافر النعم أفحش فيكون أدنى إلى التغليظ والرجل والمرأة في ذلك سواء لأن النصوص تشملهما غير أن المرأة لا ينزع من ثيابها إلا الفرو (ص 98) والحشو لأن في تجريدها كشف العورة والفرو والحشو يمنعان وصول الألم إلى المضروب والستر حاصل بدونهما فينزعان وتضرب جالسة لما روينا ولأنه أستر لها

قال وإن حفر لها في الرجم جاز لأنه عليه الصلاة والسلام حفر للغامدية إلى ثندوتها وحفر علي رضي الله عنه لشراحة الهمدانية وإن ترك لا يضره لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك وهي مستورة بثيابها والحفر أحصن لأنه أستر ويحفر إلى الصدر لما روينا ولا يحفر للرجل لأنه عليه الصلاة والسلام ما حفر لماعز رضي الله عنه ولأن مبنى الإقامة على التشهير في الرجال والربط والإمساك غير مشروع ولا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام

وقال الشافعي رحمه الله له أن يقيمه لأن له ولاية مطلقة عليه كالإمام بل أولى لأنه يملك من التصرف فيه مالا يملكه الإمام فصار كالتعزير ولنا قوله عليه الصلاة والسلام أربع إلى الولاة وذكر منها الحدود ولأن الحد حق الله تعالى لأن المقصد منها إخلاء العالم عن الفساد ولهذا لا يسقط بإسقاط العبد فيستوفيه من هو نائب عن الشرع وهو الإمام أو نائبه بخلاف التعزير لأنه حق العبد ولهذا يعزر الصبي وحق الشرع موضوع عنه

قال وإحصان الرجم أن يكون حرا عاقلا بالغا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا ودخل بها وهما على صفة الإحصان فالعقل والبلوغ شرط لأهلية العقوبة إذ لا خطاب دونهما وما وراءهما يشترط لتكامل الجناية بواسطة تكامل النعمة إذ كفران النعمة يتغلظ عند تكثرها وهذه الأشياء من جلائل النعم وقد شرع الرجم بالزنا عند استجماعها فيناط به بخلاف الشرف والعلم لأن الشرع ما ورد باعتبارهما ونصب الشرع بالرأي متعذر ولأن الحرية ممكنة من النكاح الصحيح والنكاح الصحيح ممكن من الوطء الحلال والإابة شبع بالحلال والإسلام يمكنه من نكاح المسلمة ويؤكد اعتقاد الحرمة فيكون الكل مزجرة عن الزنا والجناية بعد توفر الزواجر أغلظ والشافعي رحمه الله يخالفنا في اشتراط الإسلام وكذا أبو يوسف رحمه الله في رواية لهما ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام رجم يهوديين قد زنيا

قلنا كان ذلك بحكم التوراة ثم نسخ يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام من أشرك بالله فليس بمحصن والمعتبر في الدخول الإيلاج في القبل على وجه يوجب الغسل

وشرط صفة الإحصان فيهما عند الدخول حتى لو دخل بالمنكوحة الكافرة أو المملوكة (ص 99) أو المجنونة أو الصبية لا يكون محصنا وكذا إذا كان الزوج موصوفا بإحدى هذه الصفات وهي حرة مسلمة عاقلة بالغة لأن النعمة بذلك لا تتكامل إذ الطبع ينفر عن صحبة المجنونة وقلما يرغب في الصبية لقلة رغبتها فيه وفي المنكوحة المملوكة حذرا عن رق الولد ولا ائتلاف مع الاختلاف في الدين وأبو يوسف رحمه الله يخالفهما في الكافرة والحجة عليه ما ذكرناه وقوله عليه الصلاة والسلام لا تحصن المسلم اليهودية ولا النصرانية ولا الحر الأمة ولا الحرة العبد

قال ولا يجمع في المحصن بين الرجم والجلد لأنه عليه الصلاة والسلام لم يجمع ولأن الجلد يعرى عن المقصود مع الرجم لأن زجر غيره يحصل بالرجم إذ هو في العقوبة أقصاها وزجره لا يحصل بعد هلاكه

قال ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي والشافعي رحمه الله يجمع بينهما حدا لقوله عليه الصلاة والسلام البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ولأن فيه حسم باب الزنا لقلة المعارف ولنا قوله تعالى {فاجلدوا} جعل الجلد كل الموجب رجوعا إلى حرف الفاء وإلى كونه كل المذكور ولأن في التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة ثم فيه قطع مواد البقاء فربما تتخذ زناها مكسبة وهو من أقبح وجوه الزنا وهذه الجهة مرجحة لقول علي رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة والحديث منسوخ كشطره وهو قوله عليه الصلاة والسلام الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وقد عرف طريقه في موضعه

قال إلا أن يرى الإمام في ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى وذلك تعزير وسياسة لأنه قد يفيد في بعض الأحوال فيكون الرأي فيه إلى الإمام وعليه يحمل النفي المروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وإذا زنى المريض وحده الرجم رجم لأن الإتلاف مستحق فلا يمتنع بسبب المرض وإن كان حده الجلد لم يجلد حتى يبرأكيلا يفضي إلى الهلاك ولهذا لا يقام القطع عند شدة الحر والبرد وإذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها كيلا يؤدي إلى هلاك الولد وهو نفس محترمة وإذا كان حدها الجلد لم تجلد حتى تتعالى من نفاسها أي ترتفع يريد به تخرج منه لأن النفاس نوع مرضي فيؤخر إلى زمان البرء بخلاف الرجم لأن الأخير لأجل الولد وقد انفصل وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يؤخر إلى أن يستغني ولدها عنها إذا لم يكن أحد يقوم بتربيته لأن في التأخير صيانة الولد عن (ص 100) الضياع وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال للغامدية بعد ما وضعت ارجعي حتى يستغني ولدك ثم الحبلى تحبس إلى أن تلد إن كان الحد ثابتا بالبينة كيلا تهرب بخلاف الإقرار لأن الرجوع عنه عامل فلا يفيد الحبس والله أعلم