قال الصلح على ثلاثة أضرب صلح مع إقرار وصلح مع سكوت وهو أن لا يقر المدعي عليه ولا ينكر وصلح مع إنكار وكل ذلك جائز لإطلاق قوله تعالى {والصلح خير} ولقوله عليه الصلاة والسلام كل صلح جائز فيما بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز مع إنكار أو سكوت لما روينا وهذا بهذه الصفة لأن البدل كان حلالا على الدافع حراما على الآخذ فينقلب الأمر ولأن المدعي عليه يدفع المال لقطع الخصومة عن نفسه وهذا رشوة ولنا ما تلونا وأول ما روينا وتأويل آخره أحل حراما لعينه كالخمر أو حرم حلالا لعينه كالصلح على أن لا يطأ الضرة ولأن هذا صلح بعد دعوى صحيحة فيقضي بجوازه لأن المدعي يأخذه عوضا عن حقه في زعمه وهذا مشروع والمدعي عليه يدفعه لدفع الخصومة عن نفسه وهذا مشروع أيضا إذ المال وقاية الأنفس ودفع الرشوة لدفع الظلم أمر جائز
قال فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال لوجود معنى البيع وهو مبادلة المال بالمال في حق المتعاقدين بتراضيهما فتجري فيه الشفعة إذا كان عقارا وبرد بالعيب ويثبت فيه خيار الشرط والرؤية ويفسد جهالة البدل لأنها هي المفضية إلى المنازعة دون جهالة المصالح عنه لأنه يسقط ويشترط القدرة على تسليم البدل وإن وقع عن مال بمنافع يعتبر بالإجارات لوجود معنى الإجارة وهو تمليك المنافع بمال والاعتبار في العقود لمعانيها فيشترط التوقيت فيها ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة لأنه إجارة (ص 193) قال والصلح عن السكوت والإنكار في حق المدعي عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعى لمعنى المعاوضة لما بينا
ويجوز أن يختلف حكم العقد في حقهما كما يختلف حكم الإقالة في حق المتعاقدين وغيرهما وهذا في الإنكار ظاهر وكذا في السكوت لأنه يحتمل الإقرار والجحود فلا يثبت كونه عوضا في حقه بالشك
قال وإذا صالح عن دارلم يجب فيها الشفعة معناه إذا كان عن إنكار أو سكوت لأنه يأخذها على أصل حقه ويدفع المال دفعا لخصومة المدعي وزعم المدعي لا يلزمه بخلاف ما إذا صالح على دار حيث يجب فيها الشفعة لأن المدعي يأخذها عوضا عن المال فكان معاوضة في حقه فتلزمه الشفعة بإقراره وإن كان المدعى عليه يكذبه
قال وإذا كان الصلح عن إقرار واستحق بعض المصالح عنه رجع المدعي عليه بحصة ذلك من العوض لأنه معاوضة مطلقة كالبيع وحكم الاستحقاق في البيع هذا وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه رجع المدعي بالخصومة ورد العوض لأن المدعى عليه ما بذل العوض إلا ليدفع الخصومة عن نفسه فإذا طهر الاستحقاق تبين أن لا خصومة له فيبقى العوض في يده غير مشتمل على غرضه فيسترده وإن استحق بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه لأنه خلا العوض في هذا القدر عن الغرض ولو استحق المصالح عليه عن إقرار رجع بكل المصالح عنه لآنه مبادلة وإن استحق بعضه رجع بحصته وإن كان الصلح عن إنكار أو سكوت رجع إلى الدعوى في كله أو بقدر المستحق إذا استحق بعضه لأن المبدل فيه هو الدعوى وهذابخلاف ما إذا باع منه على الإنكار شيئا حيث يرجع بالمدعى لأن الإقدام على البيع إقرار منه بالحق له ولا كذلك الصلح لأنه قد يقع لدفع الخصومة ولو هلك بدل الصلح قبل التسليم فالجواب فيه كالجواب في الاستحقاق في الفصلين
قال وإن ادعى حقا في دار ولم يبينه فصولح من ذلك ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئا من العوض لأن دعواه بجوز أن يكون فيما بقي بخلاف ما إذا استحق كله لأنه يعرى العوض عند ذلك عن شيء يقابله فيرجع بكله على ما قدمناه في البيوع ولو ادعى دارا فصالحه عل قطعة منها لم يصح الصلح لأن ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه في الباقي (ص 194) والوجه فيه أحد أمرين إما أن يزيد درهما في بدل الصلح فيصير ذلك عوضا عن حقه فيما بقي أو يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي