الهدايةالجزء 1 › كتاب الحج › باب الإحرام

ابحث في الصفحة

وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ والغسل أفضل لما روي أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل لإحرامه إلا أنه للتنظيف حتى تؤمر به الحائض وإن لم يقع فرضها عنها فيقوم الوضوء مقامه كما في الجمعة لكن الغسل أفضل لأن معنى النظافة فيه أتم ولأنه عليه الصلاة والسلام اختاره

قال ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزارا ورداء لأنه عليه السلام ائتزر وارتدى عند إحرامه ولأنه ممنوع عن لبس المخيط ولا بد من ستر العورة ودفع الحر والبرد وذلك فيما عيناه والجديد أفضل لأنه أقرب إلى الطهارة

قال ومس طيبا إن كان له وعن محمد رحمه الله أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينه بعد الإحرام وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام ووجه المشهور حديث عائشة رضي الله عنها قالت كنت أطيب رسول الله عليه الصلاة والسلام لإحرامه قبل أن يحرم والممنوع عنه التطيب بعد الإحرام والباقي كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب لأنه مباين عنه

قال وصلى ركعتين لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه قال وقال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني لأن أداءه في أزمنة متفرقة وأماكن متباينة فلا يعرى عن المشقة عادة فيسأل التيسير وفي الصلاة لم يذكر مثل هذا الدعاء لأن مدتها يسيرة وأداءها عادة متيسر

قال ثم يلبي عقيب صلاته لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام لبى في دبر صلاته وإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز ولكن الأول أفضل لما روينا وإن كان مفردا بالحج ينوي بتلبيته الحج لأنه عبادة والأعمال بالنيات والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وقوله إن الحمد بكسر الألف لا بفتحها ليكون ابتداء لا بناء إذ الفتحة صفة الأولى وهو إجابة لدعاء الخليل صلوات الله عليه على ما هو المعروف في القصة ولا ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات لأنه هو المنقول باتفاق الرواة فلا ينقص عنه ولو زاد فيها جاز (ص 138) خلافا للشافعي رحمه الله في رواية الربيع رحمه الله عنه هو اعتبره بالأذان واستشهد من حيث إنه ذكر منظوم

ولنا أن أجلاء الصحابة كابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم زادوا على المأثور ولأن المقصود الثناء وإظهار العبودية فلا يمنع من الزيادة عليه

قال وإذا لبى فقد أحرم يعني إذا نوى لأن العبادة لا تتأدى إلا بالنية إلا أنه لم يذكرها لتقدم الإشارة إليها في قوله اللهم إني أريد الحج ولا يصير شارعا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية خلافا للشافعي رحمه الله لأنه عقد على الأداء فلا بد من ذكركما في تحريمة الصلاة ويصير شارعا بذكر يقصد به التعظيم سوى التلبية فارسية كانت أو عربية هذا هو المشهور عن أصحابنا رحمهم الله والفرق بينه وبين الصلاة على أصلهما أن باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام الذكر كتقليد البدن فكذا غير التلبية وغير العربية

قال ويتقى ما نهى الله تعالى عنه من الرفث والفسوق والجدال والأصل فيه قوله تعالى {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} فهذا نهي بصيغة النفي والرفث الجماع أو الكلام الفاحش أو ذكر الجماع بحضرة النساء والفسوق المعاصي وهو في حال الإحرام أشد حرمة والجدال أن يجادل رفيقه وقيل مجادلة المشركين في تقديم وقت الحج وتأخيره ولا يقتل صيدا لقوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ولا يشير إليه ولا يدل عليه لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أنه أصاب حمار وحش وهو حلال وأصحابه محرمون فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه أهل أشرتم هل دللتم هل أعنتم فقالوا لا فقال إذا فكلوا ولأنه إزالة الأمن عن الصيد لأنه آمن بتوحشه وبعده عن الأعين

قال ولا يلبس قميصا ولا سراويل ولا عمامة ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء وقال في آخره ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين والكعب هنا المفصل الذي في وسط القدم عند مقعد الشراك دون الناتيء فيما روى هشام عن محمد رحمه الله

قال ولا يغطي وجهه ولا رأسه وقال الشافعي يجوز للرجل تغطية الوجه لقوله عليه السلام إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها (ص 139) ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا قاله في محرم توفى ولأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة فالرجل بالطريق الأولى وفائدة ما روى الفرق في تغطية الرأس

قال ولا يمس طيبا لقوله عليه الصلاة والسلام الحاج الشعث التفل وكذا لا يدهن لما روينا ولا يحلق رأسه ولا شعر بدنه لقوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم} الآية ولا يقص من لحيته لأنه في معنى الحلق ولأن فيه إزالة الشعث وقضاء التفث

قال ولا يلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران ولا عصفر لقوله عليه الصلاة والسلام لا يلبس المحرم ثوبا مسه زعفران ولا ورس

قال إلا أن يكون غسيلا لا ينفض لأن المنع للطيب لا للون وقال الشافعي رحمه الله لا بأس بلبس المعصفر لأنه لون لا طيب له ولنا أن له رائحة طيبة

قال ولا بأس بأن يغتسل ويدخل الحمام لأن عمر رضي الله عنه اغتسل وهو محرم و لا بأس بأن يستظل بالبيت والمحمل وقال مالك رحمه الله يكره أن يستظل بالفسطاط وما أشبه ذلك لأنه يشبه تغطية الرأس

ولنا أن عثمان رضي الله عنه كان يضرب له فسطاط في إحرامه ولأنه لا يمس بدنه فأشبه البيت ولو دخل تحت أستار الكعبة حتى غطته إن كان لا يصيب رأسه ولا وجهة فلا بأس به لأنه استظلال و لا بأس بأن يشد في وسطه الهميان وقال مالك رحمه الله يكره إذا كان فيه نفقة غيره لأنه لا ضرورة

ولنا أنه ليس في معنى لبس المخيط فاستوت فيه الحالتان ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى لأنه نوع طيب ولأنه يقتل هوام الرأس

قال ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفا أو هبط واديا أو لقي ركبا وبالأسحار لأن أصحاب رسول الله عليه السلام رضي الله عنهم كانوا يلبون في هذه الأحوال والتلبية في الإحرام على مثال التكبير في الصلاة فيؤتى بها عند الإنتقال من حال إلى حال ويرفع صوته بالتلبية لقوله عليه الصلاة والسلام أفضل الحج العج والثج فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج إسالة الدم

قال فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام كما دخل مكة دخل المسجد ولأن المقصود زيارة البيت وهو فيه ولا يضره ليلا دخلها أو نهارا لأنه دخول بلدة (ص 140) فلا يختص بأحدهما وإذا عاين البيت كبر وهلل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول إذا لقي البيت باسم الله والله أكبر ومحمد رحمه الله لم يعين في الأصل لمشاهد الحج شيئا من الدعوات لأن التوقيت يذهب بالرقة وإن تبرك بالمنقول منها فحسن

قال ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر وهلل لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد فابتدأ بالحجر فاستقبله وكبر وهلل

قال ويرفع يديه لقوله عليه السلام لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن وذكر من جملتها استلام الحجر

قال واستلمه إن استطاع من غير أن يؤذي مسلما لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه وقال لعمر رضي الله عنه إنك رجل أيد تؤذي الضعيف فلا تزاحم الناس على الحجر ولكن إن وجدت فرجة فاستلمه وإن لا فاستقبله وهلل وكبر ولأن الاستلام سنة والتحرز عن أذى المسلم واجب

قال وإن أمكنه أن يمس الحجر بشيء في يده كالعرجون وغيره ثم قبل ذلك فعل لما روى أنه عليه الصلاة والسلام طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه وإن لم يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام

قال ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب وقد اضطبع رداءه قبل ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط لما روى أنه عليه الصلاة و السلام استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب فطاف سبعة أشواط والاضطباع أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على كتفه الأيسر وهو سنة وقد نقل ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام

قال ويجعل طوافه من وراء الحطيم وهو اسم لموضع فيه الميزاب سمي به لأنه حطم من البيت أي كسر وسمي حجرا لأنه حجر منه أي منع وهو من البيت لقوله عليه الصلاة و السلام في حديث عائشة رضي الله عنها فإن الحطيم من البيت فلهذا يجعل الطواف من ورائه حتى لو دخل الفرجة التي بينه وبين البيت لا يجوز إلا أنه إذا استقبل الحطيم وحده لا تجزيه الصلاة لأن فرضية التوجه ثبتت بنص الكتاب فلا تتأدى بما ثبت بخبر الواحد احتياطا والاحتياط في الطواف أن يكون وراءه

قال ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط والرمل أن يهز في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين وذلك مع الاضطباع وكان سببه إظهار الجلد للمشركين حين قالوا أضناهم حمى يثرب ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي عليه السلام وبعده (ص 141) قال ويمشي في الباقي على هينته على ذلك اتفق رواة نسك رسول الله عليه السلام والرمل من الحجر إلى الحجر وهو المنقول من رمل النبي عليه السلام فإن زحمه الناس في الرمل قام فإذا وجد مسلكا رمل لأنه لا بدل له فيقف حتى يقيمه على وجه السنة بخلاف الاستلام لأن الاستقبال بدل له

قال ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير يفتتح كل شوط باستلام الحجر وإن لم يستطع الاستلام استقبل وكبر وهلل على ما ذكرنا ويستلم الركن اليماني وهو حسن في ظاهر الرواية وعن محمد رحمه الله أنه سنة ولا يستلم غيرهما فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستلم هذين الركنين ولا يستلم غيرهما ويختم الطواف بالاستلام يعني استلام الحجر

قال ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين أو حيث تيسر من المسجد وهي واجبة عندنا وقال الشافعي رحمه الله سنة لإنعدام دليل الوجوب ولنا قوله عليه الصلاة والسلام وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين والأمر للوجوب ثم يعود إلى الحجر فيستلمه لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى ركعتين عاد إلى الحجر والأصل أن كل طواف بعده سعي يعود إلى الحجر لأن الطواف لما كان يفتتح بالاستلام فكذا السعي يفتتح به بخلاف ما إذا لم يكن بعده سعي

قال وهذا الطواف طواف القدوم ويسمى طواف التحية وهو سنة وليس بواجب وقال مالك رحمه الله إنه واجب لقوله عليه الصلاة والسلام من أتى البيت فليحيه بالطواف

ولنا أن الله تعالى أمر بالطواف والأمر المطلق لا يقتضي التكرار وقد تعين طواف الزيارة بالإجماع وفيما رواه سماه تحية وهو دليل الاستحباب وليس على أهل مكة طواف القدوم لانعدام القدوم في حقهم

قال ثم يخرج إلى الصفا فيصعد عليه ويستقبل البيت ويكبر ويهلل ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويرفع يديه ويدعو الله لحاجته لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام صعد الصفا حتى إذا نظر إلى البيت قام مستقبل القبلة يدعو الله ولأن الثناء والصلاة يقدمان على الدعاء تقريبا إلى الإجابة كما في غيره مع الدعوات والرفع سنة الدعاء وإنما يصعد بقدر ما يصير البيت بمرأى منه لأن الاستقبال هو المقصود بالصعود ويخرج إلى الصفا من (ص 142) أي باب شاء وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني مخزوم وهو الذي يسمى باب الصفا لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا إلا أنه سنة

قال ثم ينحط نحو المروة ويمشي على هينته فإذا بلغ بطن الوادي يسعى بين الميلين الأخضرين سعيا ثم يمشي على هينته حتى يأتي المروة فيصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام نزل من الصفا وجعل يمشي نحو المروة وسعى في بطن الوادي حتى إذا خرج من بطن الوادي مشى حتى صعد المروة وطاف بينهما سبعة أشواط

قال وهذا شوط واحد فيطوف سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ويسعى في بطن الوادي في كل شوط لما روينا وإنما يبدأ بالصفا لقوله عليه الصلاة والسلام فيه ابدءوا بما بدأ الله تعالى به ثم السعي بين الصفا والمروة واجب وليس بركن وقال الشافعي رحمه الله إنه ركن لقوله عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا

ولنا قوله تعالى {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} ومثله يستعمل للإباحة فينفي الركنية والإيجاب إلا أنا عدلنا عنه في الإيجاب ولأن الركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد ثم معنى ما روى كتب استحبابا كما في قوله تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} الآية

قال ثم يقيم بمكة حراما لأنه محرم بالحج فلا يتحلل قبل الإتيان بأفعاله قال ويطوف بالبيت كلما بدا له لأنه يشبه الصلاة قال عليه الصلاة والسلام الطواف بالبيت صلاة والصلاة خير موضوع فكذا الطواف إلا أنه لا يسعى عقيب هذه إلا طوفة في هذه المدة لأن السعي لا يجب فيه إلا مرة والتنقل بالسعي غير مشروع ويصلى لكل أسبوع ركعتين وهي ركعتا الطواف على ما بينا

قال فإذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الامام خطبة يعلم فيها الناس الخروج إلى منى والصلاة بعرفات والوقوف والافاضة

والحاصل أن في الحج ثلاث خطب أولها ما ذكرنا والثانية بعرفات يوم عرفة والثالثة بمنى في اليوم الحادي عشر فيفصل بين كل خطبتين بيوم وقال زفر رحمه الله يخطب في ثلاثة أيام متوالية أولها يوم التروية لأنها أيام الموسم ومجتمع الحاج (ص 143) ولنا أن المقصود منها التعليم ويوم التروية ويوم النحر يوما اشتغال فكان ما ذكرناه أنفع وفي القلوب أنجع فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى فيقيم بها حتى يصلي الفجر من يوم عرفة لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الفجر يوم التروية بمكة فلما طلعت الشمس راح إلى منى فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم راح إلى عرفات ولو بات بمكة ليلة عرفة وصلى بها الفجر ثم غدا إلى عرفات ومر بمنى أجزأه لأنه لا يتعلق بمنى في هذا اليوم إقامة نسك ولكنه أساء بتركه الاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام

قال ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها لما روينا وهذا بيان الأولوية أما لو دفع قبله جاز لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم قال في الأصل وينزل بها مع الناس لأن الانتباذ تجبر والحال حال تضرع والإجابة في الجمع أرجى وقيل مراده أن لا ينزل على الطريق كيلا يضيق على المارة

قال وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتديء بالخطبة فيخطب خطبة يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة هكذا فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال مالك رحمه الله يخطب بعد الصلاة لأنها خطبة وعظ وتذكير فأشبه خطبة العيد

ولنا ما روينا ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يؤذن قبل خروج الإمام وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة والصحيح ما ذكرنا لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة

قال ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين وقد ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين وفيما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بأذان وإقامتين ثم بيانه أنه يؤذن للظهر ويقيم للظهر ثم يقيم للعصر لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود فيفرد بالإقامة إعلاما للناس ولا يتطوع بين الصلاتين تحصيلا لمقصود الوقوف ولهذا قدم العصر على وقته فلو أنه فعل فعل مكروها (ص 144) وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية خلافا لما روى عن محمد رحمه الله لأن الاشتغال بالتطوع أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيده للعصر فإن صلى بغير خطبة أجزأه لأن هذه الخطبة ليست بفريضة

قال ومن صلى الظهر في رحله وحده صلى العصر في وقته عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يجمع بينهما المنفرد لأن جواز الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف والمنفرد محتاج إليه ولأبي حنيفة رحمه الله أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص فلا يجوز تركه إلا فيما ورد الشرع به وهو الجمع بالجماعة مع الإمام والتقديم لصيانة الجماعة لأنه يعسر عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف لا لما ذكراه إذ لا منافاة ثم عند أبي حنيفة رحمه الله الإمام شرط في الصلاتين جميعا وقال زفر رحمه الله في العصر خاصة لأنه هو المغير عن وقته وعلى هذا الخلاف الاحرام بالحج ولأبي حنيفة رحمه الله أن التقديم على خلاف القياس عرفت شرعيته فيما إذا كانت العصر مرتبة على ظهر مؤدى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج فيقتصر عليه ثم لا بد من الإحرام بالحج قبل الزوال في رواية تقديما للاحرام على وقت الجمع وفي أخرى يكتفي بالتقديم على الصلاة لأن المقصود هو الصلاة

قال ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل والقوم معه عقيب انصرافهم من الصلاة لأن النبي عليه الصلاة والسلام راح إلى الموقف عقيب الصلاة والجبل يسمى جبل الرحمة والموقف الموقف الأعظم

قال وعرفات كلها موقف إلا بطن عرفة لقوله عليه الصلاة والسلام عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن وادي محسر

قال وينبغي للامام أن يقف بعرفة على راحلته لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف على ناقته وإن وقف على قدميه جاز والأول أفضل لما بينا وينبغي أن يقف مستقبل القبلة لأن النبي عليه السلام وقف كذلك وقال النبي عليه السلام خير المواقف ما استقبلت به القبلة ويدعو ويعلم الناس المناسك لما روى أن النبي عليه السلام كان يدعو يوم عرفة مادا يديه كالمستطعم المسكين ويدعو بما شاء وإن ورد الآثار ببعض الدعوات وقد أوردنا تفصيلها في كتابنا المترجم بعدة الناسك في عدة من المناسك بتوفيق الله تعالى (ص 145) قال وينبغي للناس أن يقفوا بقرب الإمام لأنه يدعو ويعلم فيعوا ويسمعوا وينبغي أن يقف وراء الإمام ليكون مستقبل القبلة وهذا بيان الأفضلية لأن عرفات كلها موقف على ما ذكرنا

قال ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة ويجتهد في الدعاء أما الإغتسال فهو سنة وليس بواجب ولو اكتفى بالوضوء جاز كما في الجمعة والعيدين وعند الإحرام وأما الاجتهاد فلأنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة وقال مالك رحمه الله يقطع التلبية كما يقف بعرفة لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان ولنا ما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة ولأن التلبية فيه كالتكبير في الصلاة فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام

قال وإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا المزدلفة لأن النبي عليه الصلاة والسلام دفع بعد غروب الشمس ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين وكان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي على راحلته في الطريق على هيئته فإن خاف الزحام فدفع قبل الإمام ولم يجاوز حدود عرفة أجزأه لأنه لم يفض من عرفة والأفضل أن يقف في مقامه كي لا يكون آخذا في الأداء قبل وقتها فلو مكث قليلا بعد غروب الشمس وإفاضة الإمام لخوف الزحام فلا بأس به لما روى أن عائشة رضي الله عنها بعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت ثم أفاضت

قال وإذا أتى مزدلفة فالمستحب أن يقف بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف عند هذا الجبل وكذا عمر رضي الله عنه ويتحرز في النزول عن الطريق كي لا يضر بالمارة فينزل عن يمينه أو يساره ويستحب أن يقف وراء الإمام لما بينا في الوقوف بعرفة

قال ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة وقال زفر رحمه الله بأذان وإقامتين اعتبارا بالجمع بعرفة ولنا رواية جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة علاما بخلاف العصر بعرفة لأنه مقدم على وقته فأفرد بها لزيادة الإعلام

ولا يتطوع بينهما لأنه يخل بالجمع ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع (ص 146) الفصل وكان ينبغي أن يعيد الأذان كما في الجمع الأول بعرفة إلا أنا اكتفينا بإعادة الإقامة لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى المغرب بمزدلفة ثم تعشى ثم أفرد الإقامة للعشاء ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع عند أبي حنيفة رحمه الله لأن المغرب مؤخرة عن وقتها بخلاف الجمع بعرفة لأن العصر مقدم على وقته

قال ومن صلى المغرب في الطريق لم تجزه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر وقال أبو يوسف رحمه الله يجزيه وقد أساء وعلى هذا الخلاف إذا صلى بعرفات لأبي يوسف رحمه الله أنه أداها في وقتها فلا تجب إعادتها كما بعد طلوع الفجر إلا أن التأخير من السنة فيصير مسيئا بتركه ولهما ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لأسامة رضي الله عنه في طريق المزدلفة الصلاة أمامك معناه وقت الصلاة وهذا إشارة إلى أن التأخير واجب وإنما وجب ليمكنه الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة فكان عليه الإعادة ما لم يطلع الفجر ليصير جامعا بينهما وإذا طلع الفجر لا يمكنه الجمع فسقطت الإعادة

قال وإذا طلع الفجر يصلي الإمام بالناس الفجر بغلس لرواية ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها يومئذ بغلس ولأن في التغليس دفع حاجة الوقوف فيجوز كتقديم العصر بعرفة ثم وقف ووقف معه الناس ودعا لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف في هذا الموضع يدعو حتى روى في حديث ابن عباس رضي الله عنهما فاستجيب له دعاؤه لأمته حتى الدماء والمظالم ثم هذا الوقوف واجب عندنا وليس بركن حتى لو تركه بغير عذر يلزمه الدم وقال الشافعي رحمه الله إنه ركن لقوله تعالى {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} وبمثله تثبت الركنية

ولنا ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قدم ضعفة أهله بالليل ولو كان ركنا لما فعل ذلك والمذكور فيما تلا الذكر وهو ليس بركن بالإجماع وإنما عرفنا الوجوب بقوله عليه الصلاة والسلام من وقف معنا هذا الموقف وقد كان أفاض قبل ذلك من عرفات فقد تم حجه علق به تمام الحج وهذا يصلح أمارة للوجوب غير أنه إذا تركه بعذر بأن يكون به ضعف أو علة أو كانت امرأة تخاف الزحام لا شيء عليه لما روينا

قال والمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر لما روينا من قبل قال فإذا طلعت الشمس أفاض الإمام والناس معه حتى يأتوا منى قال العبد الضعيف (ص 147) عصمه الله تعالى هكذا وقع في نسخ المختصر وهذا غلط والصحيح أنه إذا أسفر أفاض الإمام والناس لأن النبي عليه الصلاة والسلام دفع قبل طلوع الشمس

قال فيبتديء بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة وقال عليه الصلاة والسلام عليكم بحصى الخذف لا يؤذي بعضكم بعضا ولو رمى بأكبر منه جاز لحصول الرمي غير أنه لا يرمي بالكبار من الأحجار كيلا يتأذى به غيره ولو رماها من فوق العقبة أجزأه لأن ما حولها موضع النسك والأفضل أن يكون من بطن الوادي لما روينا ويكبر مع كل حصاة كذا روى ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم ولو سبح مكان التكبير أجزأه لحصول الذكر وهو من آداب الرمي ولا يقف عندها لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقف عندها ويقطع التلبية مع أول حصاة لما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه وروى جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة ثم كيفية الرمي أن يضع الحصاة على ظهر إبهامه اليمنى ويستعين بالمسبحة ومقدار الرمي أن يكون بين الرامي وبين موضع السقوط خمسة أذرع فصاعدا كذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله لأن ما دون ذلك يكون طرحا ولو طرحها طرحا أجزأه لأنه رمى إلى قدميه إلا أنه مسيء لمخالفته السنة ولو وضعها وضعا لم يجزه لأنه ليس برمي ولو رماها فوقعت قريبا من الجمرة يكفيه لأن هذا القدر مما لا يمكن الاحتراز عنه ولو وقعت بعيدا منها لا يجزئه لأنه لم يعرف قربة إلا في مكان مخصوص ولو رمى بسبع حصيات جملة فهذه واحدة لأن المنصوص عليه تفرق الأفعال ويأخذ الحصى من أي موضع شاء إلا من عند الجمرة فإن ذلك يكره لأن ما عندها من الحصى مردود هكذا جاء في الأثر فيتشاءم به ومع هذا لو فعل أجزأه لوجود فعل الرمي ويجوز الرمي بكل ما كان من أجزاء الأرض عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأن المقصود فعل الرمي وذلك يحصل بالطين كما يحصل بالحجر بخلاف ما إذا رمى بالذهب أو الفضة لأنه يسمى نثرا لا رميا

قال ثم يذبح إن أحب ثم يحلق أو يقصر لما روى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نرمي ثم نذبح ثم نحلق ولأن الحلق من أسباب التحلل وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر فيقدم الرمي عليهما ثم الحلق من محظورات الإحرام فيقدم عليه الذبح وإنما علق الذبح بالمحبة لأن الدم الذي يأتي به المفرد تطوع (ص 148) والكلام في المفرد والحلق أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام رحم الله المحلقين الحديث ظاهر بالترحم عليهم ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث وهو المقصود وفي التقصير بعض التقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء ويكتفي في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام والتقصير أن يأخذ من رءوس شعره مقدار الأنملة وقد حل له كل شيء إلا النساء وقال مالك رحمه الله وإلا الطيب أيضا لأنه من دواعي الجماع ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيه حل له كل شيء إلا النساء وهو مقدم على القياس ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأنه قضاء الشهوة بالنساء فيؤخر إلى تمام الإحلال ثم الرمي ليس من أسباب التحلل عندنا خلافا للشافعي رحمه الله هو يقول إنه يتوقت بيوم النحر كالحلق فيكون بمنزلته في التحليل ولنا أن ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه كالحلق والرمي ليس بجناية في غير أوانه بخلاف الطواف لأن التحلل بالحلق السابق لا به

قال ثم يأتي مكة من يومه ذلك أو من الغد أو من بعد الغد فيطوف بالبيت طواف الزيارة سبعة أشواط لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما حلق أفاض إلى مكة فطاف بالبيت ثم عاد إلى منى وصلى الظهر بمنى ووقته أيام النحر لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح قال فكلوا منها ثم قال وليطوفوا بالبيت العتيق فكان وقتهما واحدا وأول وقته بعد طلوع الفجر من يوم النحر لأن ما قبله من الليل وقت الوقوف بعرفة والطواف مرتب عليه وأفضل هذه الأيام أولها كما في التضحية وفي الحديث أفضلها أولها فإن كان قد سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعي عليه وإن كان لم يقدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده لأن السعي لم يشرع إلا مرة والرمل ما شرع إلا مرة في طواف بعده سعي ويصلي ركعتين بعد هذا الطواف لأن ختم كل طواف بركعتين فرضا كان الطواف أو نفلا لما بيناه

قال وقد حل له النساء ولكن بالحلق السابق إذ هو المحلل لا بالطواف إلا أنه أخر عمله في حق النساء

قال وهذا الطواف هو المفروض في الحج وهو ركن فيه إذ هو المأمور به في قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} ويسمى طواف الإفاضة وطواف يوم النحر (ص 149)

ويكره تأخيره عن هذه الأيام لما بينا أنه موقت بها وإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة رحمه الله وسنبينه في باب الجنايات إن شاء الله تعالى

قال ثم يعود إلى منى فيقيم بها لأن النبي عليه الصلاة والسلام رجع إليها كما روينا ولأنه بقي عليه الرمي وموضعه بمنى فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر رمى الجمار الثلاث فيبدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها هكذا روى جابر رضي الله عنه فيما نقل من نسك رسول الله عليه الصلاة والسلام مفسرا ويقف عند الجمرتين في المقام الذي يقف فيه الناس ويحمد الله ويثني عليه ويهلل ويكبر ويصلي على النبي عليه الصلاة والسلام ويدعو بحاجته ويرفع يديه لقوله عليه الصلاة والسلام لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وذكر من حملتها عند الجمرتين والمراد رفع الأيدي بالدعاء وينبغي أن يستغفر للمؤمنين في دعائه في هذه المواقف لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج ثم الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضا

قال وإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك وإن أراد أن يتعجل النفر إلى مكة نفر وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس لقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى والأفضل أن يقيم لما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام صبر حتى رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع وله أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع فإذا طلع الفجر لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي وفيه خلاف الشافعي رحمه الله وإن قدم الرمي في هذا اليوم يعني اليوم الرابع قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة رحمه الله وهذا استحسان وقالا لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام وإنما التفاوت في رخصة النفر فإذا لم يترخص التحق بها ومذهبه مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لا يجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية لأنه (ص 150) لا يجوز تركه فيهما فبقي على الأصل المروي فأما يوم النحر فأول وقت الرمي فيه من وقت طلوع الفجر وقال الشافعي أوله بعد نصف الليل لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرماء أن يرموا ليلا

ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين ويروى حتى تطلع الشمس فيثبت أصل الوقت بالأول والأفضلية بالثاني وتأويل ما روى الليلة الثانية والثالثة ولأن ليلة النحر وقت الوقوف والرمي يترتب عليه فيكون وقته بعده ضرورة ثم عند أبي حنيفة يمتد هذا الوقت إلى غروب الشمس لقوله عليه الصلاة والسلام إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي جعل اليوم وقتا له وذهابه بغروب الشمس وعن أبي يوسف أنه يمتد إلى وقت الزوال والحجة عليه ما روينا وإن أخر إلى الليل رماه ولا شيء عليه لحديث الدعاء وإن أخر إلى الغد رماه لأنه وقت جنس الرمي وعليه دم عند أبي حنيفة رحمه الله لتأخيره عن وقته كما هو مذهبه

قال فإن رماها راكبا أجزأه لحصول فعل الرمي وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيا وإلا فيرميه راكبا لأن الأول بعده وقوف ودعاء على ما ذكرنا فيرميه ماشيا ليكون أقرب إلى التضرع وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف رحمه الله ويكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي لأن النبي عليه الصلاة والسلام بات بها وعمر رضي الله عنه كان يؤدب على ترك المقام بها ولو بات في غيرها متعمدا لا يلزمه شيء عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن من أفعال الحج فتركه لا يوجب الجابر

قال ويكره أن يقدم الرجل ثقله إلى مكة ويقيم حتى يرمي لما روى أن عمر رضي الله عنه كان يمنع منه ويؤدب عليه ولأنه يوجب شغل قلبه وإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصب وهو الأبطح وهو اسم موضع قد نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نزوله قصدا هو الأصح حتى يكون النزول به سنة على ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه إنا نازلون غدا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم يشير إلى عهدهم على هجران بني هاشم فعرفنا أنه نزل به إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به فصار سنة كالرمل في الطواف

قال ثم دخل مكة وطاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها وهذا طواف الصدر (ص 151) ويسمى طواف الوداع وطواف آخر عهده بالبيت لأنه يودع البيت ويصدر به وهو واجب عندنا خلافا للشافعي لقوله عليه الصلاة والسلام من حج هذا البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف ورخص للنساء الحيض تركه إلا على أهل مكة لأنهم لا يصدرون ولا يودعون ولا رمل فيه لما بينا أنه شرع مرة واحدة ويصلي ركعتي الطواف بعده لما قدمنا ثم يأتي زمزم ويشرب من مائها لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام استقى دلوا بنفسه فشرب منه ثم أفرغ باقي الدلو في البئر ويستحب أن يأتي الباب ويقبل العتبة ثم ياتي الملتزم وهو ما بين الحجر إلى الباب فيضع صدره ووجهه عليه ويتشبث بالأستار ساعة ثم يعود إلى أهله هكذا روى أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل بالملتزم ذلك قالوا وينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه ووجهه إلى البيت متباكيا متحسرا على فراق البيت حتى يخرج من المسجد فهذا بيان تمام الحج