مشكاة الأنوار، لأبو حامد الغزاليالأول في سر التمثيل ومنهاجه

ابحث في الصفحة

اعلم أن العالم عالمان: روحاني وجسماني: وإن شئت قلت: حسي وعقلي؛ وإن شئت علوي وسفلي. والكل متقارب، وإنما تختلف باختلاف الاعتبارات: فإذا اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسماني وروحاني، وإن اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسي وعقلي. وإن اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى الآخر قلت علوي وسفلى. وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت. ومن نظر إلى الحقائق من الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ وتخيل كثرة المعاني. والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تابعا. وأمر الضعيف بالعكس؛ إذ يطلب الحقائق من الألفاظ. وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم(.

وإذ قد عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب؛ إذ هو غائب عن الأكثرين. والعالم الحسي عالم شهادة إذ يشهده الكافة. والعالم الحسي مرقاة إلى العقل. فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسد طريق الترقي إليه. ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى. فلم يقرب من الله تعالى أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس.

والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال هو الذي نعنيه بعالم القدس. فإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منه شيء ولا يدخل فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس. وربما سمينا الروح البشري الذي هو مجرى لوائح القدس )الوادي المقدس(. ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس. ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها. فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولة عند أرباب البصائر. واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد. فعليك التشمير لفهم هذه الألفاظ فأرجع إلى الغرض وأقول: لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي؛ وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت: فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم. وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة. وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة، وطابقه نوعا من المطابقة. وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها، ولن تفي به القوة البشرية وما اتسع لفهمه القوة البشرية. فلا تفي بشرحه الأعمار القصيرة. فغايتي أن أعرفك منها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير، وينفتح لك باب الاستعبار بهذا النمط من الأسرار فأقول: إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية، ولأجلها قد تسمى أربابا، ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة، فبالحرى أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب.

والسالك للطريق أولا ينتهي إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره؛ ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: )هذا ربي( ثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر، رأى دخول الأول في مغرب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال: )لا أحب الآفلين( وكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى، فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه. والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا. فمنه يقول: (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا) ومعنى )الذي( إشارة مبهمة لا مناسبة لها: إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم )الذي( لم يتصور أن يجاب عنه. فالمتنزه عن كل مناسبة هو الأول الحق. ولذلك لما قال بعض الأعراب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: )ما نسب الإله؟( نزل في جوابه (قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد( إلى آخرها، معناه أن التقدس والتنزه عن النسبة نسبته. ولذلك لما قال فرعون لموسى: (وما رب العالمين) كالطالب لماهيته لم يجب إلا بتعريفه بأفعاله، إذ كانت الأفعال أظهر عند السائل فقال: (رب السموات والأرض)، فقال فرعون لمن حوله (ألا تسمعون) كالمنكر عليه في عدوله في جوابه عن طلب الماهية، فقال موسى: (ربكم ورب آبائكم الأولين) فنسبه فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية؛ وهو يجيب عن الأفعال، فقال: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون).

ولنرجع إلى الأنموذج فنقول علم )التعبير( يعرفك منهاج ضرب المثال؛ لأن الرؤيا جزء من النبوة. أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان، لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني - وهو الإستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع. والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان أنواره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان. وأن من يرى أنه في يده خاتم يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان. وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرف. واستقصاء أبواب التعبير يزيك أنسا بهذا الجنس، فلا يمكنني الاشتغال بعدها: بل أقول: كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب، فكذلك فيها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية.

فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر، ومنه ينفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله )الطور(؛ وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس بعضهم أولى من بعض فمثالها الوادي. وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب، فهذه القلوب أيضا أودية. ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم من بعدهم. فإن كانت هذه الأودية دون الأول وعنها تغترف، فبالحرى أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وعلو درجته. وإن كان الوادي الأدون يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فمغترفه شاطىء الوادي الأيمن دون لجته ومبدئه. وإن كان روح النبي سراجا منيرا، وكان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال: (أوحينا إليك روحا من أمرنا) فما منه الإقتباس مثاله النار، وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما سمعه، وبعضهم على حظ من البصيرة، فمثال حظ المقلد الخبر، ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب. فإن صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال. ومثال تلك المشاركة الإصطلاء. وإنما يصطلي بالنار من معه النار، لا من يسمع خبرها. وإن كان أول منزل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال، فمثال ذلك المنزل الوادي المقدس.

وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح الكونين - أعني الدنيا والآخرة - والتوجه إلى الواحد الحق، ولأن الدنيا والآخرة متقابلتان متحاذيتان وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى، فمثال اطراحهما عند الإحرام للتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين. بل نترقي إلى حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول:

إن كان في تلك الحضرة شيء بواسطته تنتقش العلوم المفصلة في الجواهر القابلة لها فمثاله )القلم(. وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق إلى التلقي، ومنها تنتقل إلى غيرها، فمثالها )اللوح المحفوظ( و )الرق المنشور(. وإن كان فوق الناقش للعلوم شيء هو مسخر فمثاله )اليد( وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله )الصورة( وإن كان يوجد للصورة الإنسية نوع ترتيب على هذه الشاكلة، فهي على صورة الرحمن. وفرق بين أن يقال )على صورة الرحمن( وبين أن يقال )على صورة الله( لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة.

ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة. وصورة آدم - أعني هذه الصورة - مكتوبة بخط الله. فهو الخط الإلهي الذي ليس برقم حروف، إذ تنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه عن أن يكون صوتا وحرفا، وقلمه عن أن يكون خشبا وقصبا، ويده عن أن تكون لحما وعظما. ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه: إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه. فلما كان هذا من آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة الله: فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية. ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال: (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس) ولولا هذا المعنى لكان ينبغي أن يقول على صورته واللفظ الوارد في الحديث الصحيح على صورة الرحمن.

ولأن تمييز حضرة الملك عن الإلهية والربوبية يستدعي شرحا طويلا فلنتجاوزه، ويكفيك من الأنموذج هذا القدر، فإن هذا بحر لا ساحل له. فإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآن قلبك بقوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) الآية، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن والأودية القلوب.