[ص 3]
مقدمة الطبع الثالثة لكتاب دليل الفالحين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، والصلاة والسلام على أفضل مبعوث بأكرم رسالة كانت في مبناها ومعناها رحمة للعالمين.
وبعد: فإني من بوم تربيت في الأزهر قد حبب إلي من الكتب ما كان يبرز هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواطن كلها. وقد وجدت ذلك في كتب السنة، ثم وجدت أنها محيط لا ساحل له.
فخلصت من البحث إلى أربعة كتب جعلتها شغلي الشاغل، وجعلت أهدي إليها تلاميذي كلما جاءني راغب منهم يستفسرني عما ينبغي أن يسرح فيه الطرف، ليعود على قلبه وروحه بالنفع، ويوصله بسرعة إلى العلم بمزايا شريعة الإسلام.
وهذه الكتب الأربعة أرى أنه لا ينبغي أن تخلو منها مكتبة المسلم، ألا وهي كتاب رياض الصالحين، وكتاب الأذكار للإمام محيي الدين النووي، وكتاب الترغيب والترهيب للحافظ عبد العظيم المنذري، وكتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر للحافظ ابن حجر الهيتمي وهذا بعينه ما جعلني أبحث عن شروح، وهذا كذلك ما جعلني أصل لشرحي الرياض والأذكار للعلامة ابن علان حتى طبعتهما، وكان لي في ثنايا ممارستي للتصحيح أن رأيت بعض عبارات للشرح تحتاج إلى تعليق يوضح ويبين تلك العبارة، فكنت ألاحقها ببيانها في موضعها؛ ثم كان أن صحت فراستي وكثر الطلب من أهل العلم لشرح رياض الصالحين، وكان لا بد بعد نفاذ طبعته الثانية من إعادة طبعه مزوداً بتلك التعليقات التي حققت كثيراً من المعاني مع الإيجاز المطلوب اليوم نظراً لتقاصر الهمم عن التطويل، وكان لغلاء الورق وللحاجة إلى أن يخرج هذا الكتاب في ثوب قشيب يتناسب مع منزلته في قلبي أثر دافع لي أن أبحث عمن بمكن أن يقوم بهذه المهمة خير قيام.
[ص 4]
فكان أن وفقني الله تعالى إلى من ارتحت إلى أن أكل إليه أمر طبع هذا الكتاب بإشرافي وتعليقاتي وإعادة الطبع كلما نفدت طبعته، وهو جدير بهذه المهمة تماماً ألا وهي “شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر” فوكلت إليهم تلك المهمة وها هي ذي تلك المطبعة تتهادى بين المسلمين تجر ثوبها القشيب، في أربعة أجزاء كبيرة، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
محمود حسن ربيع من علماء الأزهر الشريف
[ص 5]
كلمة جمعية النشر والتأليف الأزهرية بقلم رئيسها فضيلة الأستاذ العلامة الشيخ محمود حسن ربيع من علماء الأزهر الشريف (وهي مقدمة الطبعة الأولى)
سبحانك اللهم وبحمدك، وصلاة وسلاماً على خير خلقك.
(وبعد) فلما كان طريق الخير خير طريق للسالكين، والدعوة إلى الله على بصيرة أفضل ما يقوم به أهل الدين. ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، وكان المختصر المسمى (رياض الصالحين) للإمام الرباني العارف بالله تعالى شيخ الإسلام والمسلمين وملاذ الفقهاء والمحدثين، وإمام أرباب الضبط المتقنين الشيخ أبي زكريا يحيى محيي الدين النووي الشافعي رحمه الله تعالى، ومن أنفس الكتب الجامعة للترغيب والترهيب وسائر أنواع آداب السالكين. وقد زاده حسناً ورونقاً أنه قد التزم فيه ذكر الأحاديث الصحاح الواضحات، مضافة إلى كتبها المشهورات، مصدرة أبوابها بآيات كريمات، فكان عدة للواعظين، وذخيرة للمتعظين، ومصابيح للمهتدين، ورياضاً للصالحين. وقد شرح هذا المختصر الجامع، واحد دهره، ومرجع أهل عصره، المفسر المحدث الفقيه، محيي السنة بالديار الحجازية صاحب التصانيف الشهيرة الشيخ العلامة محمد بن علان البكري المكي رحمه الله تعالى شرحاً عظيماً، خالياً إن شاء الله تعالى، من الخطأ والخطل والزيغ والزلل، مبيناً لكل صغيرة وكبيرة من العبارات البيان الكافي الشافي محتوياً على طرق الأحاديث ونقدها، جديراً بأن يقال فيه إنه دائرة معارف دينية لغوية علمية. وقد مست الحاجة إلى هذا الشرح ليتم الانتفاع بالمختصر، ولم يوجد منه كما نعلم إلا بضع نسخ مخطوطات محفوظات بدور الكتب.
لذلك عن لنا أن نقوم بنشره فشاورنا في ذلك فضيلة الأستاذ الحكيم الشيخ يوسف الدجوي حفظه الله وغيره من كبار العلماء العاملين، فنالت هذه الفكرة قبولهم وتأييدهم،
[ص 6]
حتى إن فضيلة مولانا مرشد السالكين، ومربي العاملين محمود خطاب السبكي نفع الله به، قد تكرم علينا فأعارنا نسخة أنفق على نسخها نفقات طائلة، لتسهل علينا المراجعة والنقل، فله من الجمعية الشكر والثناء، ومن الله حسن الجزاء.
هذا، وقد صدرنا الكتاب بترجمتي المصنف والشارح رحمهما الله تعالى لتكمل بذلك الفائدة، ففي تاريخهما عبرة وعظة لقوم يذكرون، وقد عنينا بتصحيحه، وتخليته من الأغلاط، وتحليته بعلامات الترقيم، والتعليق عليه بما يبين مغلقاً، أو يدفع وهماً وغير ذلك مما لا بد منه، خدمة لإخواننا المؤمنين.
وبالله نستعين، وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
التعريف بصاحب كتاب رياض الصالحين
هو الشيخ الإمام العلامة محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حزام بن محمد بن جمعة، النووي الشافعي، شيخ الإسلام، أستاذ المتأخرين، وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين، محرر المذهب ومهذبه ومنقحه ومرتبه.
ولد رحمه الله في العشر الأول من المحرم سنة 631 إحدى وثلاثين وستمائة، بنوى (قرية من قرى الشام من عمل دمشق) وقدم إلى دمشق سنة 649 تسع وأربعين وستمائة وتولى التدريس بدار الحديث الأشرفية سنة 665 خمس وستين وستمائة، وحج مرتين، وسافر في آخر عمره إلى بلده، وزار القدس والخليل، ثم رجع إليها فمرض بها عند أبويه وتوفي ليلة الأربعاء لست بقين(1) من رجب سنة 676 ست وسبعين وستمائة، ودفن ببلده.
نشأته:
نشأ ببلده، وكان أبوه من أهلها المستوطنين بها، وقرأ بها القرآن، وتفقه بجماعة وتفنن في أصناف العلوم فقهاً ومتون أحاديث وأسماء رجال ولغة وصرفاً وغير ذلك، وتولى التدريس بدار الحديث الأشرفية بدمشق، فلم يأخذ من معلومها شيئاً حتى توفي،
[ص 7]
وكان يلبس ثوباً قطناً، وعمامة سنجابية، وكان في لحيته شعرات بيض، وقرأ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع المهذب في بقية السنة، ومكث قريباً من سنتين لا يضع(2) جنبه على الأرض، وكان يقرأ في اليوم والليلة اثني عشر درساً على المشايخ في عدة من العلوم، وقد ترك من الآثار النافعة، والتآليف الممتعة، التي بارك الله فيها، وما يشهد له بعلو الكعب ورسوخ القدم، وعناية الله به، وإعانته له.
مناقبه وشمائله:
ذكر أبوه أنه كان نائماً إلى جنبه وهو ابن سبع سنين، ليلة السابع والعشرين من رمضان، فانتبه نحو نصف الليل، وقال: يا أبت ما هذا الضوء الذي ملأ الدار؟ قال: فاستيقظنا ولم نر كلنا شيئاً فعرفت أنه ليلة القدر، وقال شيخه في الطريقة الشيخ ياسين بن يوسف الزركشي: رأيت الشيخ وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأ القرآن، فوقع في قلبي حبه. وجعله أبوه في دكان فكان لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن فوصيته به، وقلت: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم وينتفع الناس به، فقال لي: منجم أنت؟(3) قلت: لا وإنما أنطقني الله بذلك. فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الأحلام.
ومن كراماته أنه أضاءت له إصبعه لما فقد وقت التصنيف ما يسرجه عليه.
وكان رحمه الله على جانب كبير من العمل والزهد والصبر على خشونة العيش، لا يأكل إلا أكلة واحدة في اليوم والليلة بعد العشاء الآخرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولم يتزوج. وكان كثير السهر في العبادة والتصنيف، وكان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، يواجه به الملوك فمن دونهم. وكان عليه سكينة ووقار في البحث مع العلماء وفي غيره، وكان لا يدخل الحمام ولا يأكل من فواكه دمشق لما في ضياعها من الحيلة والشبهة، وكان يتقوت مما يأتي من بلده من عند أبويه، ولذا قال ابن السبكي رحمه الله: إنه كان كيحيى رحمه الله سيداً وحصوراً وزاهداً، لم يبال بخراب الدنيا إذا صير دينه
[ص 8]
ربعاً معموراً. له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير، لا يصرف ساعة في غير طاعة – إلى أن قال -: لما سكن الشيخ الإمام الوالد رحمه الله في قاعة دار الحديث الأشرفية سنة 742 اثنتين وأربعين وسبعمائة كان يخرج في الليل إلى إيوانها فيتهجد تجاه الأثر الشريف ويمرغ وجهه على البساط – وهذا البساط من زمن الأشرف الواقف، وعليه اسمه. وكان يجلس عليه وقت الدرس – فأنشدني الوالد لنفسه:
وفي دار الحديث لطيف معنى * على بسط لها أصبو وآوي
عسى أن أمس بحر وجهي * مكانا مسه قدم النواوي
تآليفه:
من مؤلفاته التي ألفها:
1- الروضة (روضة الطالبين) غرس فيها أحكام الشرع الكبير ولقحها، وضم إليها فروعاً كانت منتشرة، فهذبها ونقحها، فصار عليها المعول في الترجيح، وبقولها المقول في التصحيح، وألقت النبلاء مقاليد الفتوى إليها، واعتمدت الفضلاء فيما تعم به البلوى عليها.
2،3- المنهاج (مختصر المحرر في الفقه) ودقائق المنهاج.
4،5- المناسك الصغرى، والكبرى.
6- التبيان.
7،8- تصحيح التنبيه، والنكت على التنبيه، وهي من أوائل ما صنف.
9- الفتاوى، وهي مسائل منثورة، وضعها غير مرتبة، فرتبها تلميذه الشيخ علاء الدين العطار، وزاد عليها أشياء سمعها منه.
10- شرح مسلم.
11،12- الأذكار، اسمه حلية الأبرار وشعار الأخيار، في تلخيص الدعوات والأذكار. ورياض الصالحين من حديث سيد المرسلين.
13،14- الأربعون حديثاً وشرحها.
[ص 9]
15،16- طبقات الفقهاء، وتهذيب الأسماء واللغات، لم يبيض المصنف هذين التصنيفين، بل مات عنهما، فبيضهم الحافظ جمال الدين المزي.
17،18- تصنيف في الاستسقاء وفي استحباب القيام لأهل الفضل ونحوهم، وفي قسمة الغنائم، وهو مجلد مشتمل على نفائس، ومختصر التصنيف المذكور، وهما من أواخر تصانيفه.
ومن مؤلفاته التي لم يتمها:
1- شرح المهذب وهو أجلها، وقد وصل فيه إلى أثناء الربا.
2- التحقيق، وصل فيه إلى أثناء صلاة المسافر.
3- شرح مطول على التنبيه، سماه تحفة الطالب النبيه، وصل فيه إلى الصلاة.
4- شرح على الوسيط سماه التنقيح، وصل فيه إلى كتاب شروط الصلاة.
5- الإشارات إلى ما وقع في الروضة من الأسماء والمعاني واللغات. وهو كتاب مرتب على الروضة كالدقائق على المنهاج، وصل فيه إلى أثناء الصلاة.
وبالجملة فتآليفه كلها غرر تشهد لنفسها بنفسها، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، آمين.
[ص 10]
التعريف بصاحب كتاب دليل الفالحين
هو الشيخ العلامة محمد(4) علي بن محمد علان بن إبراهيم بن محمد بن علان البكري الصديقي الشافعي. واحد الدهر في الفضائل، أحد العلماء المفسرين، والأئمة المحدثين، عالم الربع المعمور.
ولد بمكة لعشر بقين من صفر سنة 996 ست وتسعين وتسعمائة، وتوفي نهار الثلاثاء لتسع بقين من ذي الحجة سنة 1057 سبع وخمسين وألف، ودفن بالمعلاة بالقرب من قبر شيخ الإسلام ابن حجر المكي رحمهما الله تعالى.
نشأته:
نشأ ببلده مكة، وحفظ القرآن بالقراءات، وحفظ عدة متون في كثير من الفنون وتفقه بجماعة، وتصدر للإقراء وله من السن ثمانية عشر عاماً، وباشر الإفتاء وله من السن أربع وعشرون سنة، وجمع بين الرواية والدراية والعلم، وكان إماماً ثقة من أفراد أهل زمانه معرفة وحفظاً وإتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماً بعلله وصحيحه وأسانيده وكان شبيهاً بالجلال السيوطي في معرفة الحديث وضبطه وكثرة مؤلفاته ورسائله. قال الشيخ عبد الرحمن الخياري: إنه سيوطي زمانه، وكان حسن الخط كثير الضبط. وأخذ عنه العلم جماعة كثيرون يطول شرحهم. وقرأ صحيح البخاري في جوف الكعبة أيام بنائها لما انهدمت في سنة 1039 تسع وثلاثين وألف من جهة الحطيم، بسبب سيل عظيم.
(حكى تلميذه الفاضل) محمد النبلاوي الدمياطي نقلاً عنه أنه قال: رؤي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يعطي الناس عطايا، فقيل له: يا رسول الله وابن علان؟ فأخذ يحثو له بيده الشريفة حثيات (وقال المترجم له أيضاً) أخبرني بعض الصالحين عن بعضهم في عام 1037 سبع وثلاثين وألف: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ليلة
[ص 11]
السادس والعشرين من رجب على ناقة عند الحجون سائراً إلى مكة فقبل يده الكريمة الشريفة وقال: يا سيد المرسلين يا رسول الله الناس قصدوا حضرتك الشريفة للزيارة فلماذا وصلت هنا؟ قال: لختم صحيح البخاري أو لختم ابن علان (شك الرائي) ثم يوم الختم الثامن والعشرين من رجب ذلك العام حضر بعض الصالحين وحصلت له واقعة رأى خيمة خضراء بأعلى ما بين السماء والأرض فسأل، فقيل: هذا النبي صلى الله عليه وسلم حضر لختم البخاري.
تآليفه:
ألف كتباً كثيرة في عدة فنون تزيد على الستين وتآليفه كلها غرر، فمنها:
(1) تفسير سماه ضياء السبيل إلى معالم التنزيل.
(2) رفع الالتباس لبيان اشتراك معاني الفاتحة والناس.
(3) رسالة في ختم البخاري سماها الوجه الصبيح في ختم الصحيح.
(4) فتح الكريم القادر ببيان ما يتعلق بعاشوراء من الفضائل والأعمال والمآثر.
(5) القول الحق والنقل الصريح بجواز أن يدرس بجوف الكعبة الحديث الصحيح.
(6،7) مؤلفان في التنباك والدخان، أحدهما تحفة ذوي الإدراك في المنع من التنباك، والآخر إعلان الإخوان بتحريم الدخان.
(8) العلم المفرد في فضل الحجر الأسود.
(9) شمس الآفاق فيما للمصطفى عليه الصلاة والسلام من كرم الأخلاق.
(10) رسالة في تعريف واجب الاستثناء وجائزه، سماها فتح المالك في تجويز طريق ابن مالك.
(11) نظم أنموذج اللبيب للسيوطي وشرحه وهو شرح عظيم.
(12) حسن العناية بالكفاية وهو شرح على تصريف الشيخ محمد البركلي.
(13) شرح الأذكار للنووي سماه الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية.
(14) شرح منسك النووي الكبير سماه فتح الفتاح في شرح الإيضاح.
(15) شرح منظومة السيوطي في موافقة عمر رضي الله عنه للقرآن.
(16) شرح التعرف في الأصلين والتصوف لابن حجر سماه التلطف.
(17) شرح رياض الصالحين للنووي سماه دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين،
[ص 12]
وجعلناه فيها، وهو هذا الشرح الذي نقوم والحمد لله الآن بطبعه للمرة الثالثة، في أربعة أجزاء كبيرة.
هذا، وقد نظم كثيراً من مؤلفات غيره المشهورة، في فنون مختلفة.
وله النظم الفائق، فمنه قوله في بئر زمزم:
وزمزم قالوا فيه بعض ملوحة * ومنه مياه العين أحلى وأملح
فقلت لهم قلبي يراها ملاحة * فلا برحت تحلو لقلبي وتملح
وقوله:
يا رب أنت حبست الحسن في قمر * حلو الشمائل لا يرثي لمن عشقه
أكاد أدعو عليه حين يهجرني * لكن لفرط غرامي تمنع الشفقه
وله مضمناً:
كتبته ولهيب الشوق في كبدي * والدمع منسكب والبال مشغول
وقلت قد غاب من أهواه يا أسفي * بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
وأنشد له بعضهم هذه الأبيات:
الموت بحر موجه طافح * يغرق فيه الماهر السابح
ويحك يا نفس قفي واسمعي * مقالة قد قالها ناصح
ما ينفع الإنسان في قبره * إلا التقى والعمل الصالح
وله أشعار كثيرة منها تشطير الهمزية وتخميسها وغيرها.
وعلى كل حال فشرف قدره وفضله مما شاع وذاع، وملأ الدنيا والأسماع، فرحمه الله رحمة واسعة، ونفع الأمة بعلومه، آمين.
[ص 13]
مقدمة الشارح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل ذكره رياض الصالحين، ومناجاته غذاء أرواح الفالحين(5) والخضوع بين يديه والتضرع إليه عز العارفين، والتخلق بالأخلاق المحمدية والأخلاق النبوية شأن العالمين العاملين. أحمده سبحانه على نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغ القاصد من فضله سؤله وأمله، وتنيله من بحر جوده ما قصده وأمله، ويعطيه بها من أنوار العرفان ما أشرق قلبه ونوره وكمله. وأشهد أن سيدنا ونبينا ووسيلتنا إلى ربنا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه، وخليله، المؤيد بأنواع المعجزات الباهرة، المكرم بالمكرمات الباطنة والظاهرة، الذي لا تحصى نعوته الشريفة ومناقبه، ولا تعد ولا تحصر آياته المنيفة ومواهبه:
فإن فضل رسول الله ليس له * حد فيعرب عنه ناطق بفم
صلى الله وسلم عليه، وزاده فضلاً وشرفاً لديه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه ووارثيه العلماء العاملين وأحزابه، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين دائبين بدوام ملك الله تعالى وأمداده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، كلما ذكره ذاكر، وغفل عن ذكره غافل، أداء لبعض حقوق سيد عباده. آمين.
وبعد: فهذا ما دعت إليه الحاجة من وضع تعليق لطيف، على نهج منيف، على كتاب رياض الصالحين تأليف شيخ الإسلام، علم الأئمة الأعلام، أوحد العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، عين المحققين، وملاذ الفقهاء والمحدثين، وشيخ الحفاظ، وإمام أرباب الضبط المتقنين، شيخ الإسلام والمسلمين، الشيخ أبي زكريا يحيى محيي الدين بن شرف النووي الشافعي، تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوح جنته، وأعاد علي وعلى المسلمين من
[ص 14]
بركته، لما أنه قد جمع ما يحتاج إليه السالك في سائر الأحوال، واشتمل على ما ينبغي التخلق به من الأخلاق والتمسك به من الأقوال والأفعال. مغترفاً له من عباب الكتاب والسنة النبوية، ناقل لتلك الجواهر من تلك المعادن السنية. ولم أقف على كتابة عليه، تكون كالدليل للسالك إليه، فاستخرت الله تعالى بالروضة الشريفة النبوية، عند سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الخلائق أجمعين صلى الله عليه وسلم وزاده فضلاً وشرفا لديه، في وضع هذا التعليق عليه، ليكون كالرامز إليه. والمسؤول من الله سبحانه أن يعين على إتمامه، والسداد في تحرير أحكامه، وأن يجعله مصوناً من الخطأ والخطل، محفوظاً من الزيغ والزلل، خالصاً لوجهه الكريم، ذخيرة معدة عند سيدنا ونبينا وشفيعنا سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة والتسليم، والله المعين، وبه أستعين. وسميته: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين.
------
(1)هذا هو الصواب، ويؤيده الحساب الفلكي فهي ليلة أربع وعشرين لا ليلة عشرين. ع.
(2)يراجع في اللغة لفظ: (وضع إلى) الخ. ع.
(3)كثيراً ما تكتب علامة الاستفهام الإفرنجية (?)، ويتساهل فيها، وهي عكس علامة الاستفهام العربية، فالعربية هكذا (؟). ع.
(4)كذا في خلاصة الأثر من غير أن يذكر لفظ ابن بين (محمد وعلي) فليراجع.
(5)كتبنا حاشية على لفظ الفالحين فيما بعد. ع.
------