17- (وعن أبي عبد الله) كنية (خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، وقيل كنيته أبو محمد، وقيل أبو يحيى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية آخره، ابن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن زيد مناة بن تميم، فهو (رضي الله عنه) تميمي في قول الأكثر، قيل خزاعي، وقال بعضهم: إنه تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف
[ص 175]
لأن مولاته أم أنمار بنت سباع الخزاعية من حلفاء عوف بن عبد الله بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة. وهو من السابقين إلى الإسلام كان سادس ستة فبه، وعذب في الله تعالى. قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وخباب وصهيب وبلال وعمار وأم عمار، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدرع الحديد ثم أصبروهم في الشمس فبلغ منهم الجهد ما شاء الله من حر الحديد والشمس. قال الشعبي: سأل عمر بن الخطاب خباباً عما لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين انظر إلى ظهري فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل، قال خباب: لقد أوقدت نار وسجيت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري. شهد بدراً والمشاهد كلها، ولما هاجر آخى صلى الله عليه وسلم بينه وبين تميم مولى حراش بن الصمة، وقيل آخى بينه وبين حجر بن عتيك. مرض خباب مرضاً شديداً. روى عن قيس بن أبي الحازم قال: دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات فقال: لو ما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. ونزل الكوفة ومات بها، وهو أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين. وقال علي رضي الله عنه لما نعي له “رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً وابتلي في جسمه، ولم(220) يضيع الله أجر من أحسن عملا” وكان سنه حين موته ثلاثاً وسبعين سنة. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري باثنين ومسلم بواحد، وخرج عنه أصحاب السنن (قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي ما بنا من أذى الكفار وعذابهم بدليل قوله في الرواية الثانية “وقد لقينا من المشركين شدة” (وهو متوسد بردة له) أي جاعلها تحت رأسه. والبردة بضم الموحدة: الشملة المخططة، وقيل كساء أسود مربع فيه صور، والبردة واحد البرد وجمعه أبراد وأبرد وبرود كما في القاموس، والجملة الحالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا قوله (في ظل الكعبة)، ويصح أن تكون الثانية حالاً من الضمير في متوسد فتكون متداخلة (فقلنا) بيان لشكواهم إليه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة استفتاح أو عرض (تستنصر) أي تسأل الله النصر (لنا ألا تدعو لنا؟) أي بذلك
[ص 176]
أو نحوه من كفهم عنا ومنعهم من أذانا (فقال) محرضاً لهم على الصبر (قد كان من) بفتح الميم: أي الذين (قبلكم) من الأمم (يؤخذ الرجل) أي المؤمن منهم فالجملة خبر والرابط محذوف: أي كان الذين قبلكم يؤخذ الرجل الذي آمن منهم ليعذب فيرجع عن إيمانه فما يرجع (فيحفر له في الأرض) بالبناء للمفعول والظرف نائب الفاعل وحذف الفاعل لعدم تعلق الغرض بعينه ويحتمل أنه مبني للفاعل: أي يحفر الآخذ، والظرف الثاني حال أو صلة يحفر (فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار) روي بالنون من نشرت الخشبة قال الحافظ في الفتح وهي أشهر في الاستعمال وبالهمزة من أشرت الخشبة بالمنشار، وبإبدالها ياء إما تخفيفاً أو من وشرت، ذكره ابن التين (فيوضع) أي المنشار (على رأسه) فيؤشر (فيجعل) أي يصير (نصفين ويمشط) أي يعذب (بأمشاط) جمع مشط، معروف (الحديد) أي يعذب بها (ما دون لحمه وعظمه) زيادة في تعذيبه ليرجع عن إيمانه، وفي نسخة من البخاري “ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب” و (ما يصده) أي يمنعه أو يصرفه (ذلك) المذكور من أنواع العذاب واستعمل فيه اسم الإشارة الموضوع للبعيد قربه، لأن الملفوظ به لكونه عرضاً لا يلقى زمانين كالبعيد، فأشار إليه بما يشار به للبعيد (عن دينه) والثبات عليه، وفيه مدح الصبر على العذاب على الدين، وعدم إقرار عين الكافر باللفظ بكلمة الكفر وإن كانت جائزة حينئذ للإكراه كما تقدم (والله) فيه الحلف من غير استحلاف وهو مندوب لتأكيد ما يحتاج لتأكيده (ليتمن) بفتح التحتية (هذا الأمر) بالرفع فاعل يتم، وفي نسخة بضم التحتية ونصب الأمر على أنه مفعول يتم: أي ليتمن الله هذا الأمر: أي دين الإسلام (حتى يسير) بالنصب لأنه مستقبل بالنسبة لما قبل زمن التكلم به (الراكب) التقييد به جرى على الغالب من أن المسافر يكون راكباً فلا مفهوم له، والمراد الجنس فيشمل ما فوق الواحد، أو يفهم ما فوقه من باب أولى لأنه إذا أمن الواحد مع انفراده فالعدد الأولى (من صنعاء) بالمد: مدينة عظيمة باليمن، وقيل إنها مدينة بالشام (إلى حضرموت) مدينة بقرب اليمن، وهو مركب مزجي غير مصروف
[ص 177]
لذلك وللعلمية (لا يخاف) أحداً (إلا الله) جملة حالية من فاعل يسير، والمعنى أن الإسلام يعم النواحي فيسير المسافر لا يخشى أحداً يعذبه على إيمانه ولا يفتنه في دينه فلا يخاف إلا الله سبحانه (و) لا يخاف إلا من الأسباب العادية على أموره الدنيوية فيخاف (الذئب) بكسر المعجمة بعدها تحتية بهمزة من الأصل وقد(221) لا تهمز: سبع معروف أن يعدو (على غنمه) والسارق أن يغير على ماله ونعمه (و) تمام هذا الأمر: أي الإسلام وظهوره على سائر الأديان كائن البتة(222) (لكنكم تستعجلون) أي تطلبون العجلة في الأمور ولكل شيء في علم الله أوان، وإذا جاء الأوان يجئ. وقد وقع ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم كما أخبر، فعم الإسلام وظهر وصار الراكب لا يخشى من يفتنه ويصده عن دينه: إنما يخشى بواثق الحدثان وبالله المستعان، فهو من حملة علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف هذا الحديث ما نقله ابن الأثير في أسد الغابة عن أبي صالح قال “كان خباب قينا يصنع السيوف؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه، فأخبرت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم انصر خباباً، فاشتكت مولاته أم أنمار رأسها، فكانت تعوي مثل الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها” اهـ. لتعدد الوقعات، واختلاف الأقوال لاختلاف الأحوال، والله أعلم (رواه البخاري) في علامات النبوة وفيما يأتي آنفاً وفي كتاب الإكراه، ورواه أبو داود والنسائي (وفي رواية) أي للبخاري في باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة (وهو متوسد بردة) وفي نسخة “ببرد” أتى بها مع أنها في الرواية السابقة ليبين بها محل قوله (وقد لقينا) أي معشر ضعفاء المسلمين (من المشركين شدة) أي عظيمة كما يؤذن به التنوين، فكانوا يلقون بلالاً على قفاه في وقت الظهيرة ويجعلون
[ص 178]
على صدره الصخرة العظيمة، وكانوا يلقون خباباً على ظهره على النار وجعلوا سمية أم عمار بين جملين وأدخلوا في قبلها رمحاً فماتت رضي الله عنهم أجمعين، ثم هذه الشدائد التي حلت بأولئك الأماجد لكمال استعدادهم زيادة في علو درجاتهم ورفع شانهم، وفي الحديث الشريف “أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل” وعلى قدر المقام يكون الابتلاء، وقد كانت قلوبهم راضية وأنفسهم بذلك مطمئنة، حتى لقد رد بعضهم حوار أقاربه الكفار، ورضي أن يعذب في الله ويبتلى فيه مع الأخيار، وشكواهم ليست عن تضجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلامة من ذلك تفرغاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أن غاية الأدب الصبر على مراد الله والرضا بقضاء الله.
لا ينعم المرء بمحبوبه * حتى يرى الراحة فيما قضى
------
(220)تراجع جميع النسخ في قوله “ ولم يضيع” الخ. ع.
(221)لفظ قد من زيادتنا للإصلاح. ع.
(222)في محيط المحيط: قولهم لا أفعله البتة ولا أفعله بتة “ والتنكير قليل” أي هذا القول قطعة واحدة لا رجعة فيه ولا تردد، وهو مصدر منصوب بفعل مقدر والتاء للمبالغة، وأل في البتة للجنس، والمسموع قطع همزتها على غير القياس، وحكم سيبويه بأن أل فيهما لازمة. ع.
------