14 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجن المؤمن) أي بالنسبة لما أعد له من النعيم (وجنة الكافر) أي بالنسبة لنا أعد له من العذاب، أو يقال المؤمن ممنوع من شهواتها المحرمة فكأنه في السجن، والكافر عكسه فهي كالجنة له، قاله الشيخ أكمل الدين، وأشار إلى أنه من التشبيه البليغ: أي حذفت أداته وحمل المشبه على المشبه به مبالغة وادعاء أنه من أفراده، لا استعارة لأن شرطها طي ذكر المشبه أو المشبه به، وأشار بعضهم إلى أنه على حقيقته وأن المؤمن لما عليه في الدنيا من التكاليف وتوالي المحن والمكابدات للهموم والغموم والأسقام وغير ذلك في سجن وأي سجن أعظم من ذلك، ثم هو في السجن لا يدري بماذا يختم له من عمل كيف وهو يتوقع أمراً لا شيء أعظم منه ويخاف هلاكاً لا هلاك فوقه، فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك حالاً، ولكن لطف الله به بما وعده على صبره وبما كشف له من حميد عاقبة أمره، والكافر منفك عن تلك التكاليف آمن من تلك المخاوف مقبل على لذته منهمك في شهوته فهو كالأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام ويحصل في السجن الذي لا يرام، نسأل الله العافية اهـ.
[ص 407]
وفي الحديث تحريض للمؤمن على الإعراض عنها وعدم النظر لها نظر محبة لأن ذلك شأن السجن (رواه مسلم) في أواخر صحيحه. قال السيوطي في الجامع الصغير: رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والطبراني والحاكم في المستدرك(447) عن ابن عمر، وأخرجه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم في المستدرك عن ابن عمر(448) يلفظ: “الدنيا سجن المؤمن وسنته فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة” اهـ.
[لطيفة] حكى القرطبي في كتاب جمع الحرص بالقناعة عن سهل(449) الصعلوكي الفقيه الخراساني، وكان ممن جمع رياسة الدين والدنيا أنه كان في بعض مواكبه ذات يوم إذ خرج عليه يهودي من إيوان حمام وهو بثياب دنسة وصفة نجسة فقال: أنتم تزعمون أن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” وأنا عبد كافر وترى حالي. وأنت مؤمن وترى حالك، فقال له على الفور: إذا صرت غداً إلى عذاب الله كانت هذه الجنة لك، وإذا صرت أنا إلى النعيم ورضوان الله صار هذا سجني، فعجب الخلق من فهمه وسرعة جوابه اهـ.
------
(447)هنا سقط يعلم بمراجعة الجامع الصغير والأصل هكذا: (في المستدرك عن سليمان والبزار عن ابن عمر). ع.
(448)صوابه عن ابن عمرو كما في الجامع الصغير. ع.
(449)لعله أبي سهل. ع.
------