شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › الكتاب الأول في الإخلاص › 4 - باب الصدق

ابحث في الصفحة

(الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قال السيوطي في التوشيح: هو يوشع بن نون (فقال لقومه: لا يتبعني) في الخروج للحرب (رجل ملك بضع امرأة) بضم الباء وسكون المعجمة يطلق على الفرج والنكاح والجماع (وهو يريد أن يبني بها ولما) بتشديد الميم (يبن) أي يدخل (بها) وكان عادة العرب إذا دخل الزوج على المرأة بنى عليها قبة من شعر ونحوه، فأطلق البناء وأريد به الدخول من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (ولا أحد بنى بيوتا لم يرفع شقوفها) أي لم يتم عملها (ولا أحد اشترى غنماً) أي حوامل بدليل ما بعده (أو خلفات وهو ينتظر أولادها) ويحتمل أن هذا خاص بالإبل، وأن شراء الغنم عذر في التخلف لاشتغال قلب صاحبها بها وإن لم تكن حوامل لضعفها وحاجتها إلى القائم بأمرها ولا كذلك الإبل. قال القرطبي: نهى النبي قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال، لأن أصاحبها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب فتضعف عزائمهم وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة وربما يفرط ذلك

[ص 210]

التعلق فيفضي إلى كراهة الجهاد وأعمال الخير، ومقصود هذا النبي صلى الله عليه وسلم تفرغهم من العوائق والاشتغال إلى تمني الشهادة بنية صادقة وعزم حازم ليحصلوا على الحظ الأوفر والأجر الأكبر اهـ (فغزا فدنا من القرية) وقع في جميع نسخ مسلم “أدنى” رباعياً. قال المصنف: وهو إما أن يكون تعدية لدنا: أي قرب. فمعناه أدنى جيوشه وجموعه للقرية، وإما أن يكون أدنى بمعنى حان، أو قرب فتحها، من قولهم: أدنت الناقة: إذا حان نتاجها ولم يقولوه في غير الناقة اهـ. قال القرطبي: والذي يظهر لي أن هذا من باب أنجد وأغار فيكون معنى أدنى دخل في الموضع الداني منها اهـ. ومنه يعلم أن اللفظ المذكور للبخاري، والقرية: هي أريحاء (صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس: إنك) وعند مسلم “أنت” (مأمورة) أي مسخرة بأمر الله عز وجل (وأنا مأمور) أي مسخر كذلك(255) وكذا جميع الكائنات غير أن أمر الجمادات أمر تسخير وتكوين وأمر العقلاء أمر تكليف (اللهم احبسها علينا. فحبست) معجزة له، وقد حبست لنبينا صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء وفي حفر الخندق، قال القاضي عياض: وقد اختلف هل ردت على أدراجها أو وقفت أو بطئت حركاتها؟ وعلى كل فهو من معجزات النبوة (حتى فتح الله عليه) البلاد، وفي نسخة “فتح عليه” بالبناء للمفعول (فجمع الغنائم فجاءت (يعني النار) لتأكلها فلم تطعمها) وعند مسلم “فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله فلم تطعمه” وهذه كانت عادة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم في الغنائم أن يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها فيكون ذلك علامة قبولها وعدم الغلول فيها، فلما جاءت هذه النار فلم تأكلها علم أن فيها غلولاً. قال الكرماني: وعبر بلم تطعمها دون لم تأكلها للمبالغة، إذ معناه لم تذق طعمها كما في قوله تعالى- ومن لم يطعمه- (فقال: إن فيكم غلولاً) بضم أوليه المعجمة فاللام: الخيانة في المغنم (فليبايعني من كل قبيلة رجل) لعسر مبايعة كل واحد واحد لكمال كثرتهم فإنهم كانوا نحو سبعين ألفاً كما

[ص 211]

ذكره بعضهم (فلزقت يد رجل(256)) منهم (بيده) إعلاماً بأنه ممن غل قومه، فلذا قال (فقال: إن فيكم) القبيلة التي منها ذلك الرجل (الغلول فلتبايعني) أي كل فرد منهم (قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة) وكان علامة الغلول عندهم التصاق يد الغال (بيده فقال) النبي (فيكم) أي عندكم (الغلول فجاء(257)) فجاء أي الغال المذكور (برأس مثل رأس بقرة من الذهب) بيان الرأس (فوضعها) في جملة الغنيمة (فجاءت النار) المؤذن أكلها بالبقول (فأكلتها فلم تحل الغنائم) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة على البناء للمفعول (لأحد قبلنا) من سائر الأنبياء والأمم السابقين (ثم أحل الله لنا الغنائم) أي للنبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الآخر “وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي” ولأمته ولم تحل لأحد غيرهم أصلاً (رأى) علم (ضعفنا) في الأبدان (وعجزنا) عن قوى الأعمال (فأحلها) أي الغنائم (لنا) أورده الديبع في التيسير بلفظ “ثم أحل الله لنا الغنائم لما(258) رأى عجزنا وضعفنا فأحلها لنا” وقال أخرجاه، وقوله فأحلها يحتمل أن يكون جواب لما(259) دخلت فيه الفاء كما أجازه بعض النحاة، ويحتمل أن جوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه وما بعد الفاء معطوف (متفق عليه) (والخلفات بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: جمع خلفة) بفتح الخاء وكسر اللام أيضاً ويجمع على خلف كذلك بحذف الهاء كما في مختصر القاموس وعلى خلائف كما في مختصر النهاية (وهي الناقة الحامل) كذا في النهاية وغيرها، وقال القرطبي: هي الناقة التي دنا ولادها.

[ص 212]

------

(255)عبارة الكرماني “إنك مأمورة” بالغروب “ وأنا مأمور” بالصلاة أو القتال قبل الغروب. ش.

(256)في المختار لزق به بالكسر.

(257)الذي في صحيح البخاري في نسخة صحيحة “فجاءوا” وبعد ذلك “ فوضعوها”. ش.

(258)وفي نسخة الرياض أعلاه زيادة “لما” أيضا.

(259)أي التي في رواية التيسير. ش.

------