(الثالث عن) عبد الله (ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله
[ص 229]
عليه وسلم) أي على دابته كما جاء في رواية، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. وقد تتبعت الذين أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم معه على دابته فبلغت بهم فوق الأربعين وجمعتهم في جزء سميته [تحفة الأشراف بمعرفة الإرداف]. وقد نظمت اسم جماعة منهم وأوردته آخر ذلك الجزء وها هو:
لقد أردف المختار طه جماعة * فسن لنا الإرداف إن طاق مركب
أبو بكر عثمان علي أسامة * سهيل سويد جبرئيل المقرب
صفية والسبطان ثم ابن جعفر * معاذ وقيس والشريد المهذب
وآمنة مع خولة وابن أكوع * وزيد أبو ذر سما ذلك جندب
معاوية زيد وخوات ثابت * كذاك أبو الدرداء في العد يكتب
وأبناء عباس وابن أسامة * صدي بن عجلان حذيفة صاحب
كذلك جا فيهم أبو هر من روى * ألوفا من الأخبار تروى وتكتب
وعد من الإرداف يا ذا أسامة * هو ابن عمير ثم عقبة يحسب
وأردف غلمانا ثلاثا كذا أبو * إياس وأنثى من غفار تقرب
وأردف شخصا ثم أردف ثانيا * وما سميا فيما روى يا مهذب
أولئك أقوام بقرب نبيهم لقد * شرفوا طوبى لهم يا مقرب
(يوما) أي في ساعة منه كما يدل عليه تنكيره (فقال: يا غلام) بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وتقدم أنه هو الصبي من حين يفطم إلى البلوغ وسنه إذ ذاك كان نحو عشر سنين (إني أعلمك كلمات) ينفعك الله بهن كما في رواية أخرى وذكره ذلك ليتنبه السامع فيشتد شوقه ويلقي سمعه ويقع في نفسه ويكمل نفعه. وجاء بها بصيغة القلة ليؤذنه بأنها قليلة اللفظ فيسهل حفظها، ومنونة إيذاناً بعظم خطرها ورفعة حملها، وتأهيله لهذه الوصايا الرفيعة المقدار الجامعة من العلوم والمعارف ما يفوق الحصر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم علم ما يئول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة وكمال الأخلاق وحسن الأحوال (احفظ الله) بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه، وما لا يرضاه (يحفظك) بالجزم، في نفسك وأهلك، ودنياك ودينك لا سيما عند الموت، إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه -وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم- وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فقد جمعت سائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها (احفظ
[ص 230]
الله) بما ذكر (تجده تجاهك) أي تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت فتأنس به وتغنى به عن خلقه، فهو كالتأكيد لما قبله وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة التي هي مدلول “تجاه” عليه تعالى، وتجاه بضم التاء وأصله وجاه بضم الواو وكسرها فأبدلت فوقية كما في تراث: ومعناه أمام كما جاء ذلك في الرواية الآتية: أي تجده معك بالحفظ فهو نظير -إن الله مع المتقين- ونحوه، إذ هي معية معنوية لا ظرفية، وخص الأمام من بين باقي الجهات الست بالذكر إشعاراً بشرف المقصد وبأن الإنسان مسافر إلى الآخرة والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكأن المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت من أمر الدنيا والآخرة (إذا سألت) أي أردت السؤال (فاسأل الله) أن يعطيك مطلوبك قال تعالى- واسئلوا الله من فضله- ولا تسأل غيره فإن خزائن الوجود بيده تعالى وأزمتها إليه، إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد ويسأل، ولا فائدة في سؤال الخلق إذ لا يملكون نفعاً ولا ضراً لأنفسهم فضلاً عن غيرهم، وما أحسن قول الأستاذ أبي الحسن الشاذلي: أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي، وإنما يميل القلب إلى المخلوق ويركن إليه لضعف يقينه ووقوعه في الغفلة عن حقائق الأشياء، وبقدر بعده من مولاه يكون ركونه لمن سواه، ولما نجا من تلك الهوة وتيقظ من تلك الغفلة أصحاب التوكل واليقين أعرضوا عن السوى، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرم وجود المولى، لأنه المتكفل لكل متوكل بما يجب ويتمنى، قال تعالى- ومن يتوكل على الله فهو حسبه- (وإذا استعنت) أي طلبت الإعانة على أمر من أمور الدارين (فاستعن بالله) لأنه القادر على كل شيء وغيره عاجز عن كل شيء، فمن أعانه تعالى فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت “لا حول ولا قوة إلا بالله” كنزاً من كنوز الجنة لتضمنها براءة النفس من حولها وقوتها إلى حوله وقوته. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغيره تعالى يكلك الله إليه. (واعلم أن الأمة) المراد بها هنا سائر المخلوقين كما صرحت به رواية أحمد “فلو أن الخلق جميعا أرادوك الخ”. وأما مدلولها وضعاً فالجماعة وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المقتدى به، والدين والملة ونحو- إنا وجدنا آباءنا على أمة- والزمان نحو- وادكر بعد أمة- والرجل المنفرد بدينه الذي لم يشركه فيه أحد كقوله صلى الله عليه وسلم “يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة واحدة” فالأمة لفظ مشترك ومن جملة معانيه الأم كهذه أمة زيد أي أم زيد
[ص 231]
(لو اجتمعت) لو هنا بمعنى إن، إذ المعنى على الاستقبال، ونكتة العدول أن اجتماعهم على الإمداد من المستحيلات بخلاف اجتماعهم على الأذى فإنه ممكن (على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن) عبر بها يدل لو تفنناً في التعبير (اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) كما يشهد له قوله تعالى- وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله- والمعنى: وحد الله في لحوق الضر والنفع، فهو الضار النافع ليس معه أحد في ذلك(286) لما تقرر أنه القادر لا سواه، فأزمة المخلوقات بيده يتصرف فيها بما يشاء، فهذا تقرير وتأكيد لما قبله من توحيد الله تعالى في لحوق النفع والضر على أبلغ برهان وأوضح بيان وحث على التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور، وعلى شهود أنه الفاعل المختار النافع الضار، وغيره ليس له من ذلك شيء، وعلى الإعراض عما سواه. وفي بعض الكتب الإلهية “وعزتي وجلالي لأقطعن أمل من يؤمل غيري، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأحجبنه عن قربي، ولأبعدنه عن وصلي، ولأجعلنه متفكراً حيران، يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني” (رفعت الأقلام) أي تركت الكتابة بها لفراغ الأمر وانبرامه (وجفت) بالجيم للبناء للمفعول(287) (الصحف) التي فيها تقادير الكائنات كاللوح المحفوظ، أي فرغ من الأمر وجفت كتابته فلم يمكن أن يكتب فيها بعد ذلك تبديل أو نسخ لما كتب من ذلك واستقر، لأنها أمور ثابتة لا تبدل ولا تغير عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح) قال السخاوي في تخرج أحاديث الأربعين: حديث حسن وبين ذلك،
[ص 232]
ثم قال: وبالجملة فالحديث ثابت من حديث الليث وغيره ممن قدمناه، ولذا أورده الضياء في المختارة من هذا الوجه بل صححه العراقي في أماليه تبعاً للترمذي. وقال ابن منده: إسناده مشهور ورواته ثقات اهـ. وقد أورده جماعة من طرق عن ابن عباس، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم وصاه بذلك. وعن علي وأبي سعيد رواه العسكري في كتاب الأمثال، وسهل بن سعد رواه ابن مردويه، وعبد الله بن جعفر رواه ابن عاصم في السنة. وقد خرج على طرقها كلها السخاوي؛ وقال: قال أبو جعفر العقيلي. كل أسانيد هذا الحديث لينة وبعضها أصلح من بعض، وليس هذا بجيد. فحديث ابن عباس حسن جيد وأصح طرقه رواية حنش كما صرح به ابن منده وغيره وهي التي أخرج الترمذي الحديث من طريقها (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبد بن حميد في مسنده لكن بإسناد ضعيف، وقد رواه أحمد بإسنادين منقطعين ولفظه أتم من حديث عبد بن حميد وقد أوردته في شرح الأذكار (احفظ الله تجده أمامك تعرف) بتشديد الراء: أي تحب (إلى الله في الرخاء) بالدأب في الطاعات والإنفاق في وجوه القرب والمثوبات حتى تكون متصفاً عنده بذلك معروفاً به (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك وجعله لك من كل ضيق فرجاً ومن كل هم مخرجاً بواسطة ما سلف منك من ذلك التصرف. وقيل إنه على حذف مضاف: أي تعرف إلى ملائكة الله في الرخاء بالتزام طاعته تعالى والتزام عبوديته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك. وتعقب بأنه تكلف فالأول أولى. ومعرفة العبد ربه ضربان: عامة وهي الإقرار بوحدانيته وربوبيته والإيمان به. وخاصة وهي الإنقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه وشهوده في كل حال. ومعرفة الله تعالى كذلك عامة، وهي علمه بعباده واطلاعه على أعمالهم. وخاصة وهي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجاؤه من الشدائد، فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلى بتلك الخاصة (واعلم أن ما أخطأك) من المقادير فلا يصل إليك (لم يكن) مقدراً عليك (ليصيبك) أي محال أن يصيبك لأنه بان بأنه أخطأك أنه مقدر على غيرك. وفيه ميالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدراً على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدر عليك إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر
[ص 233]
عليه. ومعنى ذلك أنه فرغ مما أصابك وأخطاك من خير أو شر، فما إصابته لك محتومة(288) لا يمكن أن يخطئك، وما أخطاك فسلامتك منه محتومة فلا يمكن أن يصيبك لأنها سهام صائبة وجهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها، وما أحسن ما قيل:
جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون
فلم يبق سوى التوكل على الله سبحانه والسكوت تحت جري المقادير، وما أحسن ما قيل:
ولما رأيت القضا جاريا * بلا شك فيه ولا مرية
توكلت حقا على خالقي * وأسلمت نفسي مع الجرية
ففي الحديث تقرير وحض على تفويض الأمور كلها إلى الله تبارك وتعالى مع شهود أنه الفاعل لما يشاء. وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدى حده المقدر له، وهذا راجع إلى قوله تعالى- ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها- ثم مدار هذه الوصية على هذا الأصل إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه، فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئاً البتة علم أن الله وحده هو الضار النافع فأفرده بالطاعة وحفظ حدوده وخافه ورجاه وأحبه، وأفرده بالاستعانة والسؤال له والتضرع إليه والرضا بقضائه في حالة الشدة والرخاء (واعلم) تنبيه على أن شأن هذه الدار لا سيما مع الصالحين الأخيار كثرة الأعراض والأنصاب، فينبغي الصبر للظفر بجزيل الثواب والرضا بالقضاء والقدر (أن النصر) من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه كائن (مع الصبر) على طاعة الله وعن معصيته، وقيل الصبر على نكايتهم وعدم الانتصار منهم لنفسه (وأن الفرج) وهو كما في الصحاح: الخروج من الغم اهـ. حاصل سريعاً (مع الكرب) هو الغم الذي يأخذ بالنفس فلا دوام للكرب، وحينئذ فينبغي لمن نزل به ذلك أن يكون صابراً محتسباً راجياً سرعة الفرج مما نزل به حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فإنه أرحم به من كل راحم إذ هو أرحم الراحمين (وأن مع العسر يسرا) كما نطق قوله تعالى- فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا- ومن ثم ورد عنه صلى الله عليه وسلم “لن يغلب عسر يسرين” أي لأن النكرة إذا كررت كانت الثانية غير الأولى، والمعرفة إذا أعيدت كانت الثانية عين الأولى
[ص 234]
غالباً فيهما، وليست الآية من غير الغالب خلافاً لمن فهم ذلك فقال وفي الآية عسران: أيضا عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، ولا ينافي وقوع العسر لنا، كما صرحت به هذه الآية، عدم وجود وقوعه كما صرح به قوله تعالى- يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر- لاختلاف المراد بالعسرين، لأن المثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد بما يلائم نفسه كضيق الأرزاق ونحوها، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة كما قال تعالى- وما جعل عليكم في الدين من حرج- ثم اليسر السهولة، ومنه اليسار لأنه تسهل به الأمور، والعسر نقيضه. وفي الصحاح: كل ثلاثي أوله مضموم ووسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. وما تقرر في “مع” في محالها الثلاث من أنها على بابها هو الظاهر إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أوقات النصر والفرج واليسر، فقد تحققت المقارنة بينها. ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وتناهى أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال تعالى- ومن يتوكل على الله فهو حسبه- والحديث بطريقيه أصل عظيم في مراقبة الله ومراعاة حقوقه والتفويض لأمره والتوكل عليه وشهود توحيده وتفرد وعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إليه.
------
(286)عبارة ابن حجر: ليس لأحد معه في ذلك شيء. ش.
(287)عبارة الشبراخيتي: وجفت بالجيم أي يبست اهـ، وفي المختار وغيره: جف الثوب بفتح الجيم. ع.
(288)كذا بالأصول: ولعل هنا نقصا يعلم من المقابل.
------