شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الثالث › كتاب آداب النوم والاضطجاع › 129 - باب في آداب المجلس والجليس

ابحث في الصفحة

11 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلما) ما فيه كافة الفعل عن طلبه للمرفوع ومهيئته للدخول على الجمل الفعلية كما أدخلته هنا عليها (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى) الظاهر أنها هنا بمعنى إلا كهى في قول الشاعر:

ليس العطاء من الفضول سماحة * حتى تجود وما لديك قليل

(يدعو بهؤلاء الدعوات) وبينها على سبيل العطف البياني أو البدل بقوله (اللهم اقسم لنا من خشيتك) هو الخوف مع معرفة جلال المخشي منه ولذا اختصت بالعلماء به تعالى - إنما يخشى - أي خشية إجلال لا خشية إذلال - الله من عباده العلماء - وقال سيدهم صلى الله عليه وسلم: “أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية”، وقال تعالى في حق الملائكة - وهم من خشيته

[ص 317]

مشفقون - (ما) موصولة أو نكرة موصوفة أي الذي أو شيئاً (تحول) بالتذكير نظراً للفظ “ما” ويجوز التأنيث نظراً لكون المطلوب الخشية (به بيننا وبين معاصيك) فيه إسناد إلى السبب، إن الذي يحول بين العبد والمعصية هو الله تعالى وذلك بأن يجعل عنده من خشيته ما يصده عنها (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) معطوف على ما قبله من عطف معمولين على معمولي عامل واحد وهو جائز اتفاقاً: أي واقسم لنا من طاعتك الذي أو شيئاً تبلغنا به، والتاء فيه يحتمل أن تكون تاء الغيبة فيناسب ما قبله ويكون فيه مجاز عقلي، وأن تكون تاء الخطاب تناسب قوله آخر الحديث جنتك، والباء يحتمل أنها باء المصاحبة وأنها باء السببية بمعنى أنه تعالى جعل مدخولها سبباً لمسببه لأن ذلك سبب ذاتي للمطلوب (ومن اليقين) أي القلبي (ما تهون) بالتذكير من التهوين (علينا مصايب) بالياء التحتية بعد الهمزة(656) كهي في معايش ولا يجوز قلبها همزة(657) لأنها ليست مزيدة وهي ما يسوء الإنسان وفي الحديث المرفوع: “كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة” وإضافته إلى (الدنيا) إما على معنى في على القول بإثباته وعليه ابن مالك في آخرين نحو قوله تعالى - بل مكر الليل - وعلى أن الإضافة قسمان ليس إلا، إما على معنى اللام أو معنى من، فالإضافة هنا لامية لأدنى ملابسة. وذلك لأن المراد أكشف عن عين بصيرته ما يعلم به ذوقاً أن ما أصابها صدر إليها من حضرة أرحم الراحمين هان عليها كائناً ما كان (اللهم متعنا) بتشديد المثناة الفوقية (بأسماعنا) أي بالقوة المودعة في الصماخ (وأبصارنا) أي بالقوة المودعة في الحدقة وجمعها باعتبار تعدد الداعين أو من إطلاق الجمع على ما فوق الواحد وعليه فأتى بالضمير لذلك والمقام يقتضي خلافه: أي إلى أنه خلع عليه خلعة تشريف التأهيل لسؤاله تعالى فأتى بلازم العظمة من ضميرنا (وقوتنا ما) مصدرية ظرفية وصلتها (أحييتنا) أي متعنا بما ذكر مدة إحيائنا وذلك ليغتني المرء عن غيره بفضل ربه سبحانه فلا يحتاج لقائد ولا معين (واجعله) أي ما ذكر (الوارث) أي الباقي (منا) شبه دوام استمراره إلى آخر الحياة بالوارث الذي يبقى كذلك ويخلف الميت ففيه تشبيه بليغ (واجعل ثأرنا) هو

[ص 318]

بالهمز في الأصل وسهل بقلبها ألفاً وهو طلب الدم كما في النهاية وأريد منه التبعة والطلبة (على من ظلمنا) أي بأن تأخذ لنا حقنا منه وتجازيه على ظلمه إيانا (وانصرنا) أي اجعلنا منصورين غالبين (على من عادانا) يحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويحتمل أن صيغة المغالبة للمبالغة: أي على من انتصب لعداوتنا، وظاهر أن المراد المعادي لما لا تجوز المعاداة له من الأعراض الفانية المخرجة، أما المعاداة لله كأن وقعت منه عداوتك لفعلك ما لا يحل شرعاً فذلك لا يدعي عليه، والدعاء عليه غير مقبول لأنه أتى بما عليه (ولا تجعل مصيبتنا) أي ما يكرهه (في ديننا) بأن نخل بأدنى شيء مما أمرنا بأدائه أو نقع في شيء مما نهينا عن مداخلته وذلك لأن مصيبة الدين هي المصيبة العظمى لما قد يترتب عليها من الشقاوة الكبرى أعاذنا الله من ذلك، ولا كذلك مصايب الدنيا فإن ما فيها آئل إلى الذهاب، فما أصيب به المرء فذلك من عناية الله به، إن ألهمه الصبر فإنه جعل له في ذلك له في ذلك الثواب، ولو ذهب من غير مصيبة لما أثيب عليه (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) فنهتم بها عن الأمور التي علينا من أداء عبوديتك والقيام بخدمتك (ولا مبلغ علمنا) بأن نقف عند ما يصلحها ولا نجاوز لما يصلحها في آخرتنا فإن الكافر لما لم يؤمن بدار القرار وكان مبلغ علمه هذه الدار استغرق بلذاتها وسبح في بحار شهواتها وقال - إن هي إلا حياتنا الدنيا - فمن استغرق من أرباب الإيمان أوقاته في عمارة دنياه وغفل عن عمارة أخراه صار شبيهاً بأولئك الخاسرين (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) فيه أن جور الولاة والعمال على من تحت أيديهم من الرعايا إنما هو بتسليط من الله سبحانه وإذا كان كذلك فإذا أصيب العبد بمصيبة من أيديهم فلا يسبهم بل يلجأ إلى الله تعالى ويصلح ما بينه وبينه فيكفهم عنه بقدرته ويصير نار عداوتهم رماداً (رواه الترمذي) في الدعوات من جامعه (وقال حديث حسن) وقد عقد له المصنف في الأذكار ترجمة مستقلة فقال بعد باب ما يقوله عند القيام من المجلس “باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه” وما فعله ثمة أولى لأن عموم الحديث يشمل ذكره ذلك في أول المجلس وفي أثنائه وفي آخره وعند القيام، فالمطلوب الإتيان به في المجلس لا بخصوص كونه عند القيام، ولما فعله هنا وجه حسن هو أنه ينبغي ختم المجلس بالذكر والدعاء وهذا من أحسن الدعاء لما فيه من جمع خيري الدنيا والآخرة.

[ص 319]

------

(656)قوله الهمزة كذا ولعله الألف.

(657)قوله (ولا يجوز قلبها همزة) في المختار إن العرب أجمعوا على همزة المصائب. ع.

------