شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 6 - باب في التقوى › 7 - باب اليقين والتوكل

ابحث في الصفحة

الحديث (السابع عن أبي عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الراء ويقال أبو عمرو ويقال أبو الطفيل (البراء) بفتح الموحدة وتخفيف المهملة والمد وهذا هو الصحيح المشهور عند طوائف من أهل الحديث والتاريخ والأسماء واللغة وغيرهم، قال المصنف في التهذيب: وحكى فيه القصر أيضاً (ابن عازب) بالمهملة أوله وبعد الألف زاي فموحدة ابن الحارث بن عدي بن مخدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي المدني، أبوه عازب صحابي ذكره ابن سعد في الطبقات، فلهذا قال المصنف (رضي الله عنه) استصغر(308) البراء يوم بدر، وأول مشاهده أحد، وشهد بيعة الرضوان. وفي البخاري عن البراء “جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً حتى قرأت- سبح اسم ربك الأعلى- في سور مثلها من المفصل”. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين حديثاً منها، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة. نزل الكوفة وبها توفي في زمن مصعب بن الزبير رضي الله عنهما (قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان) تقدم الكلام فيه أواخر باب الصبر هو أسيد بن حضير

[ص 273]

كما نقله المصنف في مبهماته عن الخطيب (إذا أويت) بالقصر على الأرجح لأنه قاصر: أي انضممت (إلى فراشك) وقد بسطت الكلام فيه في باب ما يقول إذا استيقظ من منامه من شرح الأذكار (فقل: اللهم أسلمت نفسي) بسكون الياء وتفتح: أي ذاتي (إليك) أي أسلمت وجعلت نفسي منقادة لك طائعة لحكمك راضية بقضائك قانعة بقدرك (ووجهت وجهي إليك) أي أقبلت بذاتي إليك مستسلماً راضياً قانعاً وهو مع ما قبله كالإطناب (وفوضت أمري إليك) أي توكلت في جميع شؤوني الدنيوية والأخروية عليك وجعلتها راجعة إليك (وألجأت) أي أسندت (ظهري إليك) أي إلى حفظك، لما علمت أنه لا سند يتقوى به سواك. قال الطيبي: في الجملة إشارة إلى أنه بعد تفويض أمره الذي هو مفتقر إليه وبه معاشه وعليه مدار أمره ملتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة) أي طمعاً في ثوابك (ورهبة) أي خوفاً من عقابك (إليك) متعلق برغبة كقوله: علفتها تبناً وماء بارداً كما قاله الكرماني. وقيل بل تنازع فيه ما قبله(309) بمعنى: إني في حالة الرغبة والرهبة لا أرجع إلا إليك، وقوله (لا ملجأ) بهمزة مفتوحة: أي مستند ولا من يلتجئ إليه، وقيل لا ملخص ولا مفر (ولا منجى) غير مهموز. وقال الحافظ ابن حجر: الأصل في ملجأ الهمز وفي منحا عدمه، لكن لما جمعا جاز أن يهمزا وأن يترك الهمز منهما للازدواج وأن يبقى كل على حاله ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة أوجه. قلت: وكذا يجوز التنوين مع الهمز: أي إن لم تعمل “لا: فإن أعملتها فلا تنوين مهموزاً كان أولا (منك) قال الكرماني: تنازعه ما قبله إن كانا مصدرين وإن كانا اسمي مكان فلا، إذ اسم المكان لا يعمل (إلا إليك) أي لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك، ولا منجا إلا إليك، فهو كقوله تعالى –كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر- فالجملة استئناف لما قبله بطريق الاستئناف البياني. ونصب رغبة ورهبة على العلة لما تقدم أي إن إسلام نفسي الخ معلل بالرغبة والرهبة. قال الطيبي: إنه بطريق اللف والنشر المرتب: أي فوضت أمري طمعاً في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره إليك خوفاً من عقابك، وهومعنى صحيح بديع، ولا يظهر قول ابن حجر في شرح المشكاة إنه خلاف الصواب كما بينته مع الفرق بين الرهبة والخوف والخشية والوجل في شرح الأذكار.

[ص 274]

وقيل منصوبان على الحال: أي راغباً وراهباً، وقيل على الظرفية: أي في زمن تساوي الطمع والخوف الذي هو شأن أرباب الكمال، ففي الحديث “لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا” (آمنت بكتابك الذي أنزلت) قيل الإضافة في كتابك للعهد: أي القرآن بقرينة المقام، والإيمان به إيمان بسائر الكتب، ويؤيده قوله (وبنبيك) من غير مراعاة الجار ووقع في المصابيح بإعادته (الذي أرسلت) أي أرسلته لكافة الناس بشيراً ونذيراً، ويجوز أن يراد من الكتاب والنبي والجنس (فإنك إن مت) بكسر الميم وضمها كما قرئ بهما في السبع إلا أن تثبت رواية بأحدهما فيوقف عندها، ثم هو على كسرها على لغة من قال مات يمات كخاف يخاف، وعلى ضمها على لغة من قال مات يموت كقال يقول فهو بهما مبني للفاعل، ويجوز كونه على أحدهما مبنياً للفاعل وعلى الآخر مبنياً للمفعول (من ليلتك) مع اعتقاد مضمون هذا الكلام الذي أتيت به (مت على الفطرة) أي على الإيمان الذي فطر الله عليه عباده قوله تعالى- فطرة الله التي فطر الناس عليها- وهذا كما قال في الحديث الآخر “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة” وهما إن تساويا في فطرة الإسلام فيبن الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الطائفة المذكورة في هذا الخبر فطرة المقربين وفطرة الثانية فطرة أصحاب اليقين ذكره القرطبي (وإن أصبحت) حياً (أصبت خيراً) أي أجراً عظيماً وثواباً جزيلاً (متفق عليه) ورواه أصحاب السنن الأربعة (وفي رواية في الصحيحين عن البراء قال قال لي) ولا ينافي ما تقدم للجمع بوقوع الخطاب بذلك تارة ولأسيد أخرى (رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا آتيت مضجعك) بفتح أوله وثالثه: أي مكان اضطجاعك (فتوضأ وضوءك) أي مثله (للصلاة) في غسل الأعضاء بنية (ثم اضطجع على شقك) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف: أي جانبك (الأيمن) وذلك لشرف الأيمن، ولأنه يصير القلب حينئذ متعلقاً فلا يغتبط بالنوم فيكون سبباً لقلة النوم والقيام بالليل (وقل، فذكر نحوه) أي بمعناه، ويقال مثله فيما لو كان بمبناه. هذه عادة

[ص 275]

المحدثين إذا أوردوا الحديث بإسناد آخر (ثم قال) صلى الله عليه وسلم (واجعلهن آخر ما تقول) أي من الدعوات.

------

(308)قوله: استصغر: أي قيل إنه صغير السن. ع.

(309) أي وهو رهبة ورغبة، تأمل. ش.

------