شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 6 - باب في التقوى › 7 - باب اليقين والتوكل

ابحث في الصفحة

الحديث (الثامن عن أبي بكر الصديق) بكسر المهملة وتشديد الثانية، وهو أول من لقب بذلك في الإسلام وغلبت الكنية عليه وعلى أبيه. لقب بذلك لمبادرته لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لقب به صبيحة الإسراء لمبادرته لتصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيه. ويلقب بعتيق أيضاً من العتاقة: وهي الحسن لعتاقة وجهه أو لعتاقة نسبه، وقيل من العتق لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة فقالت: اللهم هذا عتيقك، أو لأن الله تعالى عتقه من النار كما جاء ذلك في حديث مرفوع لعائشة عند الترمذي (عبد الله بن عثمان) أبي قحافة (بن عامر بن عمرو) بفتح المهملة، ويكتب بالواو حالتي الرفع والخفض لئلا يشتبه بعمر كزفر (ابن كعب) بفتح الكاف وسكون المهملة آخره موحدة (ابن سعد) بفتح المهملة الأولى وسكون المهملة الثانية (ابن تيم) بفتح الفوقية وسكون التحتية (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء المهملة: محل اجتماعه مع النبي صلى الله عليه وسلم في نسبه الكريم (ابن كعب بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة مصغر اللأي (ابن غالب القرشي التيمي) بدأ بالأول لأنه الأصل وعقبه بما بعده لأنه شعبة منه، وتقدم في أول باب الإخلاص أن القاعدة في مثله ذكر الأعم ثم الأخص لتحصل بالثاني فائدة لم تحصل من الأول، ولو عكس لم تحصل (رضي الله عنه) الأولى عنهما لقوله (وهو وأبوه وأمه) أم الخير سلمى بنت صخر التيمية بنت عم أبيه (صحابة) ولم يتفق لأحد من الصحابة ما اتفق له من إسلام أبويه وبنيه وبعض بنيهم وصحبة الجميع (رضي الله عنهم) أسلم لما دعاه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ولم يتلعثم ولم يتردد. وهو أول من أسلم من الرحال الأحرار البالغين بلا خلاف، وتأخر إسلام أبيه إلى يوم الفتح ويكفيك في فضله قوله صلى الله عليه وسلم “إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر،

[ص 276]

ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام” رواه البخاري. وفضائله كثيرة ومناقبه شهيرة وقد أفردت بالتأليف، وقال في فضله حسان بن ثابت:

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأفضلها * بعد النبي وأولاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على ستة أحاديث منها، وانفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بواحد. وتوفي رضي الله تعالى عنه بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمان بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة، وحمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه عمر بن الخطاب تجاه المنبر النبوي وكبر عليه أربعاً، ودفن بجانب قبر النبي صلى الله عليه وسلم (قال نظرت إلى أقدام المشركين) الذين خرجوا يقصمون أثر النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر ويلتمسون محله الذي هو فيه (ونحن في الغار) هو ثقب في الجبل عظيم كالكهف، وهو الغار المذكور في قوله تعالى- إذ هما في الغار- قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له ثور. واختلف في التفاصيل بينه وبين غار حراء، فقال الفيروزابادي(310) في كتاب الصلات والبشر: إن غار ثور أفضل، لأن الله تعالى ذكره في القرآن وحمى فيه سيد ولد عدنان. وقال بعض المتأخرين: غار حراء أفضل لأنه اختاره صلى الله عليه وسلم للتعبد وفيه بدء الوحي (وهم) يعني المشركين (على رؤوسنا) في طلبنا فأعماهم الله، وكيف تبصر الشمس مقلة عمياء، (فقلت: يا رسول الله لو) وقع (أن أحدهم نظر) موضع (تحت قدميه لأبصرنا) أي من خلال أغصان الشجر وبيت العنكبوت التي كانت على باب الغار الذي دخلا منه وهو باب الضيق، أما الباب المتسع فإنما شق له صلى الله عليه وسلم لما قال له الصديق: لو ولجوا علينا الغار ما كنا نصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: كنا نخرج من ها هنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه شق، فانفتح فيه للحين باب بقدرة الله تعالى. ذكره

[ص 277]

الحافظ تقي الدين بن فهد في كتاب [أقطاف النور مما ورد في ثور] (فقال) صلى الله عليه وسلم (ما ظنك) أي ما تظن (يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) بالنصر والمعونة والكلاءة والحفظ أيصيبهما ضيم؟ وهذا استفهام تقريري، وفيه تسكين لما حصل للصديق حينئذ من الاضطراب (متفق عليه) ورواه الترمذي، وفي الحديث تنبيه على أن من توكل على مولاه كفاه وحماه من سائر عداه.

[فائدة] في كتاب [اقتطاف النور] بسنده إلى الواحدي أنه أخرج عن غالب بن عبد الله القرفستاني عن أبيه عن جده قال “شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت: قلت في أبي بكر شيئاً؟ قال حتى أسمع، قال فقلت:

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العدا به إذ أصعد الجبلا

وكل حب رسول الله قد علموا * من الخلائق لم يعدل به رجلا

قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم” اهـ

------

(310)الفيروزابادي هو صاحب القاموس وكتاب “الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر” من مؤلفاته الكثيرة. ع.

------