(الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل) قال في فتح الباري: لم أقف على اسمه، ويحتمل أنه أبو ذر، ففي مسند أحمد “أنه سأل أي الصدقة أفضل” لكن في الجواب “جهد من مقل أو سر إلى الفقير” وكذا في مسند عبد بن حميد: أن أبا ذر سأل فأجيب (إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً) في رواية “أي الصدقة أفضل” (قال: أن تصدق) بتشديد الصاد والدال المهملتين وأصله تتصدق بتاءين فأدغمت إحداهما في الصاد(319) (وأنت صحيح شحيح) قال الخطابي: الشح أعم من البخل، وكأن الشح جنس والبخل نوع، وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور والشح عام. وقيل هو الذي كالوصف اللازم ومن قبيل الطبع، قال: فمعنى الحديث: أن الشح غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أيس من الصحة ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حال الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر اهـ. وفي فتح الباري قال صاحب المنتهى: الشح بخل مع حرص. وقال صاحب المحكم: الشح بتثليث الشين والضم أعلى. وقال صاحب الجامع: كان الفتح في المصدر والضم في الاسم تخشى أي تخاف ولهذا الفعل ستة مصادر نظمها ابن مالك فقال:
خشيت خشيا ومخشاة ومخشية * وخشية وخشاء ثم خشيانا
(الفقر) أي إن أنفقت لوسوسة الشيطان بذلك قال تعالى -الشيطان يعدكم الفقر- (وتأمل) بضم الميم (الغنى) أي تطمع به (ولا تمهل) بالإسكان على أنه نهي والرفع على أنه نفي ويجوز النصب قاله في فتح الباري: أي لا تؤخر الصدقة (حتى إذا بلغت) أي الروح (الحلقوم) أي قاربت بلوغه، إذا بلغته حقيقة لم تصح وصية ولا صدقة ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق، ولم يجر للروح ذكر اكتفاء بدلالة السياق كالآية (قلت) ليأسك من الحياة أوصيت (لفلان) بما هو (كذا و) أوصيت (لفلان) بما هو (كذا وقد كان لفلان كذا)
[ص 296]
الظاهر أن هذا من باب الإقرار لا الوصية. وقال الخطابي: فلأن الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث قال يريد: يعني النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا صار للوارث إن شاء أبطله وإن شاء أجازه. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد من الجميع الموصى له، وإنما دخل كان في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له في الأزل بذلك. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الثالث المورث أو الموصى له. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقراراً، وقد وقع في رواية ابن المبارك “قلت اصنعوا لفلان كذا وتصدقوا لفلان بكذا” اهـ ملخصاً. قيل وهذا من باب التسجيل عليه: أي إذا كان طمعك في الحياة أوجب لك كتمان الحق اللازم لك إلى أن أيست منها، فما أقررت به إلا الآن ولم تقر به قبل، فأولى أن يوجب لك الطمع تأخير الصدقة إلى الآن، فاحذر ذلك فإنك يؤخذ من مالك حيث لا ينفعك التحسر ولا يفيدك الندم (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة عند موته” رواه أبو داود. وقال الحافظ في فتح الباري: أخرجه الترمذي بإسناد حسن وصححه ابن حبان. (الحلقوم) بضم الحاء المهملة وسكون اللام وبالقاف قال في النهاية: والميم أصلية، وقيل إنه مأخوذ من الحلق، فالواو والميم زائدتان (مجرى) بضم الميم وسكون الجيم محل جريان (النفس) بفتح النون والفاء (والمريء) بفتح الميم وكسر الراء المهملة مهموز ممدود، (مجرى الطعام والشراب) من الحلق وجمعه مرؤ كسرير وسرر.
------
(319)ويجوز تخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين. كرماني.
------