شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 10 - باب المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد › 11 - باب المجاهدة

ابحث في الصفحة

(وأما الأحاديث) النبوية.

(فـ) الحديث (الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: من عادى) من المعاداة: ضد الموالاة (لي) حال من قوله (ولياً) قدم من تأخير وكان قبل صفة أو ظرف لغو متعلق بالوصف قدم اهتماماً به، وهو من تولى الله بالطاعة والتقوى فتولاه الله بالحفظ والنصرة، من الولي: وهو القرب والدنو، فالولي هو القريب من الله تعالى لتقربه إليه باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والإكثار من نوافل العبادات مع كونه لا يفتر عن ذكره، ولا يرى غيره بقلبه لاستغراقه في نور معرفته، فلا يرى إلا دلائل

[ص 304]

قدرته ولا يسمع إلا آياته ولا ينطق إلا بالثناء عليه ولا يتحرك إلا في طاعته، وهذا هو المتقي قال تعالى- إن أولياؤه إلا المتقون- (فقد آذنته) بالمد (بالحرب) أي أعلمته بأني محارب له: أي أعامله معاملة المحارب من التجلي بمظاهر الجلال والعدل والانتقام. ومن عامله الحق بذلك فإنه لا يفلح، فهو من التهديد في الغاية القصوى، إذ غاية تلك المحاربة الإهلاك، فهي من المجاز البليغ، وكأن المعنى فيه ما اشتملت عليه تلك المعاندة لله تعالى بكراهة محبوبه، والوعيد لمن عادى ولياً من أجل ولايته وقربه من الله تعالى، وذلك كإيذاء من ظهرت أمارات ولايته باتباع الكتاب والسنة، إما بإنكارها عناداً أو حسداً، أو بعدم الجري على ما ينبغي له من التأدب معه، أو بنحو سبه وشتمه من سائر أنواع الإيذاء التي لا مسوغ لها شرعاً مع علم متعاطيها بذلك. أما منازعة الولي في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق أو كشف غامض فلا يدخل في هذا الوعيد، فقد جرى نوع ما من الخصومة بين أبي بكر وعمر وبين علي والعباس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين مع أن الكل أولياء الله تعالى. وإذ علم ما في معاداة الولي من الوعيد والتهديد علم ما في موالاته من جسيم الثواب وباهر التوفيق والهداية والقرب والتأييد (وما تقرب إلي عبدي) إضافة للتشريف المؤذن بمزيد الرفعة والتأهل لعلي المقامات (بشيء أحب إلي من) أداء (ما افترضت عليه) به (عليه) عيناً كان أو كفاية كالصلاة وأداء الحقوق إلى أربابها وبر الوالدين ونحو ذلك من الأمور الواجبات، لأن لأمر بها جازم فيتضمن أمرين: الثواب على فعلها، والعقاب على تركها، بخلاف النقل، فلذا كان الفرض أكمل وأحب إلى الله وأشد تقرباً. وروي أن ثواب الفرض يفضل ثواب النفل بسبعين درجة، وبالجملة فالفرض كالأس والنفل كالبناء على ذلك الأس. (وما يزال عبدي) إضافته لما تقدم (يتقرب) وفي رواية يتحبب (إلي بالنوافل) أي بالتطوعات من جميع أصناف العبادات ظاهرها كقراءة القرآن إذ هو من أعظم ما يتقرب به، وكالذكر وكفى في شرفه قوله تعالى- فاذكروني أذكركم- وباطنها كالزهد والورع والتوكل والرضا وغير ذلك من سائر أحوال العارفين سيما محبة أولياء الله تعالى وأحبائه فيه ومعاداة أعدائه فيه (حتى أحبه) بضم أوله والفعل منصوب. ومحبة الله للعبد كما تقدم توفيقه لما يرضيه عنه، وإثابته ومعاملته بالإحسان، فعلم أن إدامة النوافل بعد أداء الفرائض، إذ من غير أدائها لا يعتد بالنوافل كما يسير إليه تأخير هذه وتقديم تلك، تفضي إلى محبة الله تعالى

[ص 305]

للعبد وصيرورته من جملة أوليائه الذين يحبهم ويحبونه. ويؤخذ من سياق الحديث أن الولي إما أن يتقرب بالفرائض بأن لا يترك واجباً ولا يفعل محرماً أو بها مع النوافل وهذا أكمل وأفضل. ولذا خص بالمحبة السابقة والصيرورة الآتية، وأنه لا سبيل إلى ولاية الله تعالى ومحبته سوى طاعته التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سواها باطل (فإذا أحببته كنت) أي صرت حينئذ (سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر) بضم أوله وكسر ثالثه (به ويده التي يبطش) بفتح أوله وكسر ثالثه أو ضمه (بها ورجله التي يمشي بها) قال بعض المحققين: التحقيق أن هذه الصيرورة مجاز أو كناية عن نصرة الله تعالى لعبده المتقرب إليه بما ذكر، وتأييده وإعانته له وتوليه في جميع أموره، حتى كأنه تعالى نزل نفسه من عبده منزلة الآلات والجوارح التي بها يدرك ويستعين، ولذا جاء في رواية أخرى “فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي” أي أنا الذي أقدرته على هذه الأفعال وخلقتها فيه فأنا الفاعل لذلك لا أنه يخلق أفعال نفسه: أي سواء الجزئيات والكليات، وهذا يرد على المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق أفعاله الجزئيات. وزعم الحلولية والاتحادية بقاء هذا الكلام على حقيقته وأنه تعالى عين عبده أو حالّ فيه ضلال وكفر إجماعاً، وما وقع في عبارات بعض العارفين مما يوهم ذلك فليس مراداً لهم، وفهم ذلك منه من قصور فهم الناظر، وإلا فهم مطهرون من ذلك الاعتقاد الفاسد كما طهرهم الله تعالى بكمال محبته من سائر المفاسد (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) مما يخاف، وهذه عادة الحبيب مع محبوبه، ولا يحصى عدد من حصل له ذلك فوقع له مطلوبه وذهبت عنه كروبه من صالحي الأمة، فلا نطيل بذكره خصوصاً وسيأتي في أثناء الكتاب بعضه. وفي هذا الوعد المحقق المؤكد بالقسم إيذان بأن من تقرب إليه بما مر لا يرد دعاؤه، وقد لا يجاب الولي إلى سؤاله لعلمه تعالى أن الخير له في غيره مع تعويضه له خيراً منه إما في الدنيا أو في الآخرة (رواه البخاري) وزاد بعد قوله لأعيذنه “وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته” والتكلم في بعض رواته غير مقبول، وانفرد به البخاري عن باقي الكتب الستة، ورواه ابن حبان في صحيحه وأبو داود خارج السنن فيما رواه عنه ابن الإعرابي، ورواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد وابن عدي في الكامل وآخرون وقد روي الحديث من طريق عائشة وميمونة وعلي وأنس

[ص 306]

وحذيفة ومعاذ بن جبل وابن عباس وغيرهم، وطريق كل لا تخلو عن مقال، إلا الطريق إلى حذيفة فإن إسناده حسن لكن حديثه غريب جداً (آذنته) بالمد (أعلنته) هذا معنى آذنته، وقوله (بأني محارب له) هذا معنى بالحرب، وقوله (استعاذني روي بالنون) أي طلبني أعيذه فيكون متعدياً (وبالباء) الموحدة: أي اعتصم وتحصن بي.