شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › الكتاب الأول في الإخلاص › 1 - باب الإخلاص وإحضار النية في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخفية

ابحث في الصفحة

8- (وعن أبي هريرة) جره بالكسرة هو الأصل وصوبه جماعة لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه كما هو شائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم، لأن الكل صار كالكلمة الواحدة. واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معاً في كلمة واحدة بل في لفظ هريرة إذا وقعت فاعلاً مثلاً، فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظراً للأصل وتمنع من الصرف نظراً للحال، ونظيره خفي. وأجيب بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة لا من جهتين كما هنا، وكأن الحامل عليه الخفة واشتهار هذه الكنية، حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه وفي اسم أبيه على خمسة وثلاثين قولاً، أصحها (عبد الرحمن(76) بن صخر رضي الله عنه) وسبب تكنيته بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال: “كنت أحمل يوماً هرة في كمي، فرآني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقال: يا أبا هريرة” وفي رواية إسحاق: “وجدت هرة حملتها في كمي فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرة. فقيل: أنت أبو هريرة” ورجح بعضهم الأول، وقيل غير ذلك. أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لازمه الملازمة التامة رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، ومن ثم كان أحفظ الصحابة، وقد شهد له صلى الله عليه وسلم أنه حريص على العلم والحديث. يروي عنه كما قال البخاري أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي وتابعي، وله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين. وكان ملازماً لسكنى المدينة، وبها توفي في سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين عن ثمان وسبعين

[ص 61]

سنة، ودفن بالبقيع. وما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان لا أصل له إنما ذاك صحابي اسمه حيدرة (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم) أي لا يثبكم عليها ولا يقربكم منه ذلك كما قال تعالى - وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا - الآية، فمعنى نظر الله هنا مجازاته وإثباته، وهذا بعينه يأتي في قوله تعالى - ولا ينظر إليهم - وإلا فنظره تعالى هو رؤيته للموجودات واطلاعه عليها لا يخص موجوداً دون موجود بل يعم جميع الأشياء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. والحاصل أن الإثابة والتقريب ليسا باعتبار الأعمال الظاهرة وإنما هي باعتبار ما في القلب كما قال (ولكن ينظر إلى قلوبكم) وفي الحديث الاعتناء بحال القلب وصفاته بتحقيق علومه وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن كل وصف مذموم وتحليته بكل نعت محمود. فإنه لما كان القلب محل نظر الرب حق على العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحواله لإمكان(77) أن يكون فيه وصف مذموم يمقته الله تعالى بسببه. وفيه أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على عمل الجوارح، لأن عمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية، إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثم لا يكمل إلا بمراقبته تعالى فيه المعبر عنها بالإحسان، وحيث كان عمل القلب مصمماً للعمل الظاهر وعمل القلب غيب عنا فلا يقطع لذي عمل صالح بالخير، فلعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفاً مذموماً لا يصح معه ذلك العمل، ولا لذي معصية بالشر فلعله سبحانه يعلم من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه، والأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية، ويترتب على ذلك عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة؛ بل تحتقر تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة، فتدبر هذا فإنه نظر دقيق، لخص من المفهم للقرطبي (رواه مسلم) وابن ماجه أيضاً.

------

(76)لو كانت هذه العبارة من المتن في نسخة الشارح كان الشارح مغيرا لإعراب المتن، لكن يجوز في المتن الرفع أيضا. ع.

(77)تراجع إذ هي في نسخ دار الكتب كذلك.

------