شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 10 - باب المبادرة إلى الخيرات وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد › 12- باب الحث على الازدياد من الخير في أواخر العمر

ابحث في الصفحة

(الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر رضي الله عنه يدخلني مع أشياخ بدر)

[ص 335]

أحد جموع شيخ، وقد ذكرتها في أول هذا الشرح، والمراد منه ذوو الأسنان من الصحابة البدريين وهم من أفاضل الصحابة وأكارمهم: أي يدخلهم معهم في المشورة والمهمات وإدخاله معهم مع كبر سنهم لكبر قدره بما عنده من العلوم والمعارف، وقد كان يسمى البحر لسعة علمه (فكأن) بتشديد النون (بعضهم) قال ابن النحوي: هو عبد الرحمن بن عوف كما صرح به في البخاري في موضع آخر(331) (وجد) غضب (في نفسه) من ذلك (فقال) له (لم) بتحريك الميم وهي ما الاستفهامية حذفت ألفها لأنها جرت وحقها أن ترسم بهاء السكت بعد الميم لأنها يوقف عليها كذلك (تدخل) بضم الفوقية وكسر الخاء المعجمة، وفي نسخة “يدخل” بفتح التحتية وضم المعجمة (هذا معنا، ولنا أبناء مثله) في السن، ويحتمل أن يكون في لقيّ النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بالنسبة لبعضهم (فقال عمر: إنه من حيث علمتم) أي من بيت النبوة ومنبع العلوم ومصدر الآراء السديدة، ثم أراد زيادة بيان لشرفه بكثرة علمه المقتضي لتقدمه (فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت) علمت بقرائن الأحوال، وفي أصل معتمد من صحيح البخاري “فما أريته” بصيغة المجهول واتصل الضمير به أي ظننته (أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم) بضم التحتية الأولى: أي يعلمهم (منى) ما استحق به الإدخال مع الشيوخ البدريين، زاد في رواية ابن سعد “فقال: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله” (فقال: ما تقولون في قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله) بفتح النون والميم (ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا) جعل هذا القائل الخطاب بالسورة شاملاً لجميع الأمة(332) (وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي)

[ص 336]

عمر (أكذلك) أي كما يقول هؤلاء مما ذكر (تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا) أي لا أقول ذلك (قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له) أي للنبي صلى الله عليه وسلم: أي إن المراد من السورة تنبيهه على ما يعرف به قرب أجله وعلى ما يأتي حينئذ (قال تعالى: إذا جاء نصر الله) نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه (والفتح) فتح مكة، ويقال المراد جنس نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم (ورأيت) أي أبصرت (الناس يدخلون في دين الله) أي الإسلام (أفواجاً) جماعات بعد ما كان يدخل فيه واحد بعد واحد وذلك بعد فتح مكة (وذلك) أي النصر وما بعده (علامة) قرب انتهاء (أجلك) قال البيضاوي في التفسير: لعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين، فهي كقوله تعالى- اليوم أكملت لكم دينكم- أو لأن الأمر بالاستغفار ينبه على دنو الأجل: أي لأنه(333) يكون في خواتم الأمور، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يستغفر بعد صلاته، وإذا خرج من الخلاء وإذا أفاض ولذا سميت سورة التوديع. والأكثر على أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة وأنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ. قال أبو حيان في النهر: قيل نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع فعاش بعدها ثمانين يوماً. وفي شرح البخاري لابن النحوي بعد نقله عن ابن التين أنها لعلها نزلت جميعاً، أي كاملة منصرفه من حنين، قاله الواحدي. قال: وعاش بعد نزولها سنتين، قال: وهو غريب كأنه تصحيف، والذي رواه غيره ستين يوماً. قال في فتح الباري: وسئلت عن قول الكشاف: إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال؟ فأجبت بتضعيف ما نقله، وعلى تقديم صحته فالشرط لم يكمل بالفتح، لأن مجيء الناس أفواجاً لم يكن كمل فبقية الشرط مستقبل. قال: وقد أجاب الطيبي عن هذا السؤال بجوابين: أن إذا بمعنى إذ، وبأن كلام الله تعالى قديم. قال الحافظ وفي كل من الجوابين نظر اهـ. قال الإيجي: وقيل إن فتح مكة أم الفتوح والدستور لما يكون بعده من الفتوحات فهو وإن كان متحققاً في نفسه لكنه مترقب

[ص 337]

باعتبار ما يدل عليه (فسبح بحمد ربك) أي متلبساً (واستغفره إنه كان تواباً) على العباد، وكان صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر من قوله “سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي” وفي رواية “أستغفرك وأتوب إليك” كما يأتي في الحديث عقبه (فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. رواه البخاري) والترمذي، أي أشار إلى أن سبب تقديمه له على إخوانه وأقرانه هو سعة علمه وكمال فهمه، وأن التقدم بالمعنى المقتضي له وإن صغر السن: ما أحسن ما قيل:

فكم من صغير لاحظته عناية * من الله فاحتاجت إليه الأكابر

------

(331)في باب علامات النبوة. ش.

(332)أي أن كلا منهم مخاطب بقوله (فسبح الخ ) على طريق البدل. ش.

(333)قوله (أي لأنه) إلى قوله (أفاض)، من زيادة الشارح على كلام البيضاوي للإيضاح. ش.

------