(الرابع عنه: أن أناساً) هذا أصل ناس وتحذف همزته ويعوض عنها أل ولذا لا يجمع بينهما، وهو اسم جمع كرجال إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع، مأخوذ من أنس كعلم لأنهم يأنسون بأمثالهم، أو أنس كضرب لأنهم ظاهرون مبصرون. واختار صاحب القاموس أن
[ص 348]
لفظ الناس قد يقع على الجن أيضاً ونوزع فيه، وذكر المصنف في الأربعين وصف الناس بأنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسكت عن ذلك هنا لعلمه من السياق، فإن سؤالهم له المتفرع على اجتماعهم مسلمين به وهو المراد من الصحابي، يدل عليه (قالوا: يا رسول اله ذهب أهل الدثور بالأجور) لكثرة أعمالهم (فإنهم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضل أموالهم) أي بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم وقيدوا بذلك بياناً لفضل الصدقة؛ فإنها بغير الفاضل عن الكفاية لمن لا قدرة له على الصبر إما مكروهة أو محرمة على التفصيل المقرر في محله، وقولهم المذكور غبطة ومنافسة فيما يتنافس فيه المتنافسون من طلب مزيد الخير ومنتهاه لشده حرصهم على العمل الصالح ورغبتهم فيه. ولما فهم منه صلى الله عليه وسلم ذلك (قال) لهم جواباً وجبراً لخاطرهم وتقريراً لأنهم ربما ساووا الأغنياء (أو ليس) أي تقولون ذلك؟ فالهمزة للإنكار وليس بمعنى لا: أي لا تقولوه فإنه (قد جعل الله لكم ما تصدقون) بتشديد الصاد والدال كما هو الرواية: أي ما تتصدقون فأدغمت إحدى التاءين في الصاد وقد تحذف إحداهما فتخفف الصاد (به، إن) لكم (بكل تسبيحة) أي قول “سبحان الله” أي بسببها كقوله تعالى- وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون- (صدقة) ولا تنافي الحديث السابق في باب الإستقامة “لن يدخل أحدكم الجنة بعمله” الحديث لما تقدم فيه، أو لأن الآية في نيل الدرجات فهي بسبب الأعمال وتفاوتها، وذلك الحديث في أصل دخول الجنة فهو لمحض الفضل إذ لا يكافئه عمل، أو أن الإسلام هو المتكفل بدخول الجنة وهو محمل الآية، وبقية الأعمال سبب في نيل درجاتها لا في دخولها وهو محمل الحديث (وكل) بجره وكذا ما بعده عطفاً على ما قبله أو رفعه استئنافاً (تكبيرة) أي قول الله أكبر (صدقة) بنصبه كالذي بعده عطفاً على ما قبله ورفعه استئنافاً (وكل تحميدة) أي قول “الحمد لله” (صدقة وكل تهليلة) أي قول “لا إله لا الله” (صدقة وأمر) بالرفع مبتدأ وتقدم في حديث قريباً مسوغ الابتداء مع نكارته وإيثارها على تعريفه (بالمعروف) عرفه إشارة إلى تقرره وثبوته
[ص 349]
وأنه مألوف (صدقة، ونهي عن منكر) نكره إشارة إلى أنه في حيز العدم والمجهول الذي لا إلف للنفس به: أي عن المنهي شرعاً بشرطه ككونه مجمعاً على تحريمه أو يعتقده الفاعل (صدقة) وتسمية ما ذكر وما يأتي صدقة مجاز لمشابهتها لها: أي أن لهذه الأشياء أجراً كأجر الصدقة في الجنس، لأن الجميع صادر عن رضا الله تعالى مكافأة على طاعته إما في القدر أو الصفة فيتفاوت بتفاوت مقادير الأعمال وصفاتها وغاياتها وثمراتها. وقيل معناه: أنها صدقة على نفسه، وتأخير الأمر والنهي عما قبلهما من باب الترقي لوجوبهما عيناً أو كفاية بخلافه، ولا شك أن الواجب بقسميه أفضل من النفل لحديث البخاري السابق “وما تقرب إلي عبدي بأفضل من أداء ما افترضته عليه” قيل في الحديث إيماء إلى أن الصدقة للقادر عليها لتعدي نفعها أفضل من هذه الأذكار، ويؤيده أن العمل المتعدي نفعه أفضل منة القاصر غالباً وإلى أن تلك الأذكار إذا حسنت النية فيها ربما يساوي أجرها أجر الصدقة بالمال سيما في حق العاجز عنها (وفي) سببية بمعنى الباء الموحدة كهي في حديث “عذبت امرأة في النار في هرة” أي بسبب هرة ويحتمل بقاؤها على الظرفية لكن بتجوز، كأن البضع لما ترتب عليه الثواب الآتي صار له كالظرف (بضع) بضم الموحدة وسكون الضاد المعجمة آخره عين مهملة: أي فرج أو جماع (أحدكم) لحليلته (صدقة) إذا قارنته نية صحيحة كإعطاف نفسه أو زوجته عن نحو نظر أو فكر أو هم محرم، أو قضاء حقها من معاشرتها بالمعروف المأمور به، أو طلب ولد يوحد الله تعالى أو يتكثر به المسلمون، أو يكون له فرطاً إذا مات بصبره على مصيبته، فعلم أن في النية الصالحة ما يصير المباضعة صدقة على المسلمين باعتبار ما ينشأ عنها من وجود ولد صالح يحمي بيضة الإسلام أو يقوم ببناء العلوم الشرعية والأحكام. ويستفاد من الحديث أن جميع أنواع فعل الخير والمعروف والإحسان صدقة، ويوافقه خبر مسلم “كل معروف صدقة” وخبر ابن ماجه والبزار: “ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة يمن بها على من يشاء من عباده، وما من الله على عبد مثل أن يلهمه ذكره” (قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟) استبعدوا -نظراً إلى أن الأجر إنما يحصل غالباً في عبادة شاقة على النفس مخالفة لهواها- حصوله بفعل هذا المستلذ (قال: أرأيتم) أي أخبروني (لو وضعها في حرام أكان عليه وزر) أي إثم وتقدير الكلام “قالوا نعم” وسكت عنه لظهوره، وجاء
[ص 350]
في رواية أحمد بن حنبل وأحمد بن منيع وغيرهما لهذا الحديث عن أبي ذر التصريح بذلك. قال: “قلت: نصيب شهوتنا ونؤجر؟ قال: أرأيت إن وضعته في غير حقه ما كان عليك وزر؟ قال: قلت بلى، قال: فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير” قال صلى الله عليه وسلم (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) بالرفع روي بنصبه وهما ظاهران وظاهر الخبر حصول الأجر بوطء حليلته مطلقاً لكن في خبر عند الإمام أحمد تقييد ذلك بما تقدم من النية الصالحة. وفي الحديث دليل لجواز القياس سيما قياس العكس المذكور فيه وهو إثبات ضد الحكم لضد الأصل كإثبات الوزر المضاد للصدقة للزنا المضاد للوطء المباح: أي كما يأثم في ارتكاب الحرام ويؤجر في فعل الحلال ومخالفة بعض الأصوليين في قياس العكس ضعيفة وأهل الظاهر في القياس من أصله أو في غير الجلي منه مخالف لما أطبق عليه العلماء كافة من جوازه مطلقاً بشرطه المقرر في الأصول (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وأبو عوانة والطبراني والبيهقي وطرقهم مختلفة بينها السخاوي في تخريج الأربعين التي جمعها المؤلف، وهو حديث عظيم لاشتماله على قواعد نفيسة من قواعد الدين (الدثور) بضم الدال المهملة (بالثاء المثلثة الأموال) الكثيرة (واحدها دثر) بفتح فسكون يوصف به الواحد وما فوقه، يقال مال دثر وأموال دثر.