شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 13 - باب بيان كثرة طرق الخير

ابحث في الصفحة

(التاسع: عنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الإيمان بضع) بكسر الباء وقد تفتح سيأتي معناها (وسبعون) أي شعبة، ولذا صح الإخبار عنه بستة وسبعون وهي غير ضرورة مغايرة الجزء للكل، وبه يعلم ما في قول المصنف: الحديث نص في إطلاق اسم الإيمان على الأعمال اهـ. وحاصله أن التقدير شعب الإيمان (أو) شك من الراوي، والشك المذكور عند مسلم وكذا عند البخاري من طريق أبي ذر الهروي كما نقله العيني، وعليه فقول المصنف متفق عليه في محله (بضع وستون) ورجح بعضهم رواية “وستون” بأنها المتيقنة وما عداها مشكوك فيه، وصوب القاضي الأول بأنها التي في سائر الأحاديث ولسائر الرواة، ورجحها جماعة منهم المصنف بأن فيها زيادة ثقة فتقبل، واعترضه الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية، وإنما هذا اختلاف روايتين مع عدم التنافي بينهما في المعنى إذ ذكر الأقل لا ينافي الأكثر، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولاً بالستين ثم أعلم بزيادة فأخبر بها. ويجاب بأن هذا متضمن للزيادة كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله المصنف، نعم اعترض عليه بأن من زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج، ثم هذا العدد قيل المراد به التكثير والمبالغة، وعليه فهي ترجع إلى أصل واحد وهو تكميل النفس بصلاح المعاش المؤدى إلى تحسين المعاد. وذلك بأن يعتقد الحق ويستقيم في العمل ولذا قال صلى الله عليه وسلم لسفيان الثقفي حين قال له “قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال قل آمنت بالله ثم استقم” أيد بعضهم أن المراد التكثير بأنه لو أراد التحديد لم يبهم، قال: فذكر البضع للترقي لأن الشعب لا نهاية لها لكثرتها. وقال آخرون: بل المراد حقيقة العدد ويكون النص وقع أولاً على البضع والستين لكونه الواقع ثم تجددت العشرة الزائدة فنص عليها. وبهذا يجاب على اختلاف الروايات. فيقال بتقدير صحة الجمع لعله صلى الله عليه وسلم نطق بأقلها ثم أعلم بأزيد منها وهكذا، والإبهام فيه لا دليل فيه لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم اتكل على أفهام السامعين مع ذكر المراتب الثلاث الآتية في الحديث التي إذا حقق النظر في المقايسة بها أدرك ذلك، إلا أن هذا صعب الارتقاء رفيع الذرا. ولاختلاف النظر في تلك المقايسة اختلف تعداد قوم من العلماء لبقية تلك الشعب ولم ينالوا بخوض غمرة تفاصيلها بيان تلك التفاصيل على الحقيقة مع خطر العيين واحتمال أنه لم يصادف مراده صلى الله عليه وسلم كابن حبان وغيره ممن يأتي النقل عنه (شعبة) بضم أوله المعجم وسكون ثانيه المهمل

[ص 357]

وبالموحدة. قال الحافظ ابن حجر: لم يتفق مع عد الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان فإنه قال: عددت كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سننه، فإذا هي تسع وسبعون لا تزيد ولا تنقص، فعلمت أنه المراد، وقد نقلها كذلك الكازروني في شرح المشارق، وبين كل ما جاء في الكتاب والسنة ولم يعز ذلك إليه، وهو محتمل لتواردهما على عد ذلك وإن كان فيه بعد، وأن يكون ناقلا عنه وترك العزو إليه مع كونه الأولى للإنفاق على مقتضاه، وضبطها كل من البيضاوي والكرماني بطريقة. قال الحافظ: وقد رأيتها تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن. فأعمال القلب: المعتقدات والنيات وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإيمان بالله ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأنه ليس كمثله شيء واعتقاد حدوث ما دونه، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر ويدخل فيه المسألة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومحبة الله والحب والبغض فيه، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع سنته، والإخلاص ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة والخوف والرجاء والشكر والصبر والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة، والتواضع ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك التكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب. وأعمال اللسان تشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء والذكر ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو. وأعمال البدن: تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة. التطهر حساً وحكماً ويدخل فيه اجتناب النجاسة وستر العورة والصلاة فرضاً ونفلاً والزكاة كذلك وفك الرقاب والجود ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف والصيام فرضاً ونفلاً والحج والعمرة كذلك والطواف والاعتكاف والتماس ليلة القدر. والفرار بالدين ويدخل فيه الهجرة من دار الكفر والوفاء بالنذر والتحري في الإيمان وأداء الكفارات، ومنه ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين، ومنه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة السادة والرفق بالعبيد. ومنها ما يتعلق بالعامة وهي سبع عشرة: القيام بالإمرة مع العدل ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على البر ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن المعاملة، ومنه جمع المال من حله وإنفاق

[ص 358]

المال في حقه، وفيه ترك التبذير والإسراف ورد السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه تسع وستون خصلة ويمكن عدها تسعاً وسبعين باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض. وقال الحافظ السيوطي في حاشية سنن أبي داود بعد أن رجح رواية بضع وسبعون وأنه لا يلتفت إلى الشك فإن غيره من الثقات قد جزم بأنه بضع وسبعون ورواية من جزم أولى. قال: ومقصود الحديث أن الأعمال الشرعية تسمى إيمان وأنها منحصرة في ذلك العدد غير أن الشرع لم يعين ذلك العدد لنا ولا فصله. وقد تكلف بعض المتأخرين ذلك فتصفح خصال الشريعة وعددها حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصح له ذلك لأنه يمكن الزيادة على ما ذكره والنقصان منه ببيان التداخل. والصحيح ما صار إليه أبو سليمان الخطابي وغيره أنها منحصرة في علم الله وعلم رسوله وموجودة في الشريعة مفصلة فيها، غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب ولا عين لنا عددها ولا كيفية انقسامها، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به من شريعتنا ولا في عملنا كل مفصل مبين في جملة الشريعة، فما أمرنا بالعمل به عملنا وما نهينا عنه انتهينا وإن لم نحط بحصر أعداد ذلك اهـ (فأفضلها) هي خبر لشرط محذوف: أي إذا كان الإيمان ذا شعب متفاوتة فأفضلها (قول لا إله إلا الله) لإنبائها عن التوحيد المتعين على كل مكلف والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته فهو الأصل المبني عليه سائرها (وأدناها) أدونها مقداراً، من الدنو بمعنى القرب ولذا استعمل في مقابلة الأعلى (إماطة) بالمهملة: أي إزالة (الأذى) أي المؤذي وإن خف كشوكة أو حجر، وفي رواية “إماطة العظم” (عن الطريق) ووجه كونها أدناها أنها لدفع أدنى ضرر يتوقع حصوله لأحد الناس (والحياء) بالمد، وهو لغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم عليه، أو انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح شرعاً ويمنع من التقصير في حق ذي الحق (شعبة) عظيمة كما يومئ إليه التنكير (من الإيمان) لتكلفه بحصول سائر الشعب لأنه يحجز صاحبه عن المعاصي، إذا الحيى يخاف فضيحة الدارين فينزجر عن كل معصية ويمتثل كل طاعة، وأرفع الحياء الحياء من الله وهو ألا يراك حيث نهاك، وإنما ينشأ هذا من مراقبة ثابتة للحق والمعرفة به وهي مقام الإحسان. والإيمان لا يخرج عن فعل المأمور واجتناب المنهي، فلذا أفرد الحياء بالذكر لأن رتبته متوسطة بين الأعلى والأدنى. ولما أشار صلى الله عليه وسلم إلى

[ص 359]

أعلى الشعب وأوسطها وأدناها ترك بيان الباقي للعلم به بالمقايسة إلى أحد تلك الثلاثة، فمن عرف تلك المقايسة فواضح، ومن لا فيلزمه الإيمان بعموم العدد وإن لم يعرف جميع أفراده، كما يجب الإيمان بالملائكة وإن جهلت أعيانهم وأسماؤهم، كذا في شرح المشكاة لان حجر. وقال الدميري: إنما جعله بعض الإيمان. وسيأتي في الحياء وفضله بسط (متفق عليه) فيه نظر فإن قوله “فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق” لمسلم فقط، فيؤول كلامه على أن أصل الحديث بدون هذه الزيادة فيهما، وقد تنبه لذلك الحافظ السيوطي في الجامع الصغير فقال بعد إيراد باللفظ المذكور: أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، ووقع لصاحب المشكاة كما وقع للمصنف واعترضه شارحها الشيخ ابن حجر المكي بما ذكر. ثم الإخبار عن الإيمان بأنه كذا وكذا شعبة من باب إطلاق الأصل وهو الإيمان على الفرع وهو الأعمال، والحقيقة أنها تنشأ عنه لا أنها هو (والبضع من ثلاثة إلى تسعة) تقديم التاء: أي ما بينها هذا هو الأشهر وفيه حديث مرفوع “البضع ما بين الثلاث إلى التسع” رواه الطبراني وابن مردويه عن نيار بن مكرم، وقيل ما بين الثلاثة، وقيل اثنين والعشرة، وقيل من واحد إلى تسعة. وفي القاموس: هو ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، لا يقال بضع وعشرون أو يقال ذلك اهـ (والشعبة) في اللغة (القطعة) والغصن من الشجر وفرع كل أصل، وأريد بها في هذا الحديث الخصلة أو الجزء: أي الإيمان ذو خصال أو أجزاء متعددة.