شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الرابع › كتاب الجهاد › 234 - باب

ابحث في الصفحة

31 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر) وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة وهو قصة بدر الكبرى

[ص 119]

بدليل قوله (وجاء المشركون) من كفار مكة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقدمن) بفتح التحتية والدال المهملة (أحد منكم إلى شيء) فيه تعميم فيهما (حتى أكون أنا دونه) حتى غاية النهي، وأنا تأكيد للضمير المستكن في الفعل الناقص، ودون بالنصب على الظرفية ظرف مستقر متعلق بمحذوف: أي حتى أكون أنا أقرب منه إليه، والمراد: النهي عن الاستبداد في شيء من ذلك دون أمره وإشارته(1230) (فدنا) أي قرب (المشركون) من المسلمين حال التصاق الحرب (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)(1231) جمع السماوات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات قاله القاضي البيضاوي(1232) في نظيره، والجملة الاسمية في موضع الصفة لجنة وعدى قوموا بإلى لإرادة معنى المسارعة، ووصف الجنة بالعرض مبالغة وليدل على أن الطول أعظم وأعظم، وفيه تلميح إلى قوله تعالى - إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة - الآية السابقة أول الباب (قال) أي أنس (يقول عمير) بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية (ابن الحمام) بضم المهملة وتخفيف الميمين ابن الجموح بن عمرو (الأنصاري رضي الله عنه) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بينه وبين عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي فقتلا يوم بدر جميعاً، قتل عميراً خالد بن الأعلم قاله العاقولي (يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض) استفهام تثبت وتحقق للأمر (قال: بخ بخ) قال المصنف: فيه لغتان سكون الخاء وكسرها منوناً، وهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخبر اهـ، وقد تقدم الكلام في معناها وضبطها قبل، وأفاد العاقولي أنها مبنية على السكون

[ص 120]

فإن وصلت حركت بالكسر وتؤنث وربما شددت (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ) أي أخوفاً(1233) قلته، أم رجاء لكونك من أهلها؟ (قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها) المنفي بلا محذوف مقدر بأعم العلل والاستثناء مفرغ: أي لا قلت ذلك لعلة من العلل إلا لرجاء كوني من أهلها (قال: فإنك من أهلها) هو من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم إذ أخبر عن أمر مغيب قبل كونه بأنه يكون فكان كما أخبر (فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن) إما لقوة الجوع عليه أو استرواحاً للنفس لسماع ذلك الخبر السار كما هو العادة من تناول الأطعمة واللذائذ عند سماع الخبر السار (ثم قال: لئن أنا حييت) اللام فيه موطئة للقسم وإن شرطية وأنا مؤكدة لفاعل فعل مضمر هو وفاعله ويفسره ما بعده، والتقدير: لئن حييت أنا، وذلك المضمر فعل الشرط (حتى آكل تمراتي هذه) غاية للحياة (إنها لحياة طويلة) جملة جواب القسم واكتفى بها عن جواب الشرط لتقدم القسم عليه. قال العاقولي(1234): ويجوز أن يكون على مذهب أهل المعاني قد قدم الضمير المنفصل للاختصاص على نحو - قل لو أنتم تملكون - فكأنه وجد نفسه مختارة للحياة(1235) على الشهادة فأنكر عليها فقال ما قال استبطاء للانتداب لما ندب إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “قوموا إلى جنة الخ” فعد حياته قدر ما يأكل تلك الحبات التي هي دون العشرة، كما يؤذن به جمع القلة المنكر(1236) حياة طويلة مسارعة للبر (فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل(1237)

[ص 121]

رواه مسلم)(1238) مطولاً في الجهاد، ورواه أبو داود مختصراً في سننه (القرن بفتح القاف والراء) وبالنون (هو جعبة) بفتح فسكون (النشاب) وجمعها جعاب مثل كلبة وكلاب(1239).

------

(1230)أي لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا يعلمونها كما في شرح مسلم للمصنف.

(1231)إنما ذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريقة التمثيل لأنه دون الطول.

(1232)فقال عند قوله تعالى {إن في خلق السموات والأرض} الآية إنما جمع السماوات وأفرد الأرض لأنها طبقات متفاضلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرض. ع.

(1233)في شرح الشمائل أن كلمة بخ بخ تقال عند الرضا بالشيء لتفخيم الأمر وتعظيمه، وقد تستعمل للإنكار اهـ. فقول الشارح أخوفا استعمال لها في غير موضعها في اللغة، فلو قال إنكارا قلته أو رجاء لكان أوفق بمعناها. ع.

(1234)قوله (قال العاقولي الخ) لعله مؤخر من تقديم، وكان حقه أن يوضع بعد قوله حتى آكل تمراتي هذه.

(1235)قوله (فكأنه الخ) هذا الكلام مفرع على ما قبل قول العاقولي فكان ينبغي تقديمه عليه.

(1236)المنكر: أي في قوله تمرات.

(1237)قال النووي في شرح مسلم: فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء.

(1238)أي في باب ثبوت الجنة للشهيد.

(1239)أي الرماح. ع.

------