شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › 17 - باب في وجوب الانقياد لحكم الله تعالى وما يقوله من دعي إلى ذلك وأمر بمعروف أو نهي عن منكر › 20 – باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة

ابحث في الصفحة

3-(وعن ابن العباس) وقيل أبو يحيى (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري (الساعدي رضي الله عنه) كان اسمه حزناً فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سهلاً. قال الزهري: سمع سهل من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: وهو آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه خلاف، وقال غيره: بل فيه الخلاف كذا في التهذيب للمصنف. قلت: ويؤيد الخلاف الذي نقله المصنف ما تقدم في باب التقوى من [اليواقيت الفاخرة] أن آخر من مات بالمدينة السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر. توفي سنة إحدى وتسعين، وروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وثمانية وثمانون حديثاً، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر) جرت عادة العرب الكناية بيوم كذا عن غزوته سواء كانت في يوم

[ص 449]

أقل أو أكثر هذا المقال صدر منه في بعض أيام تلك الغزوة فإنها كانت أياماً (لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه) والتنوين في رجل للتعظيم، وأبدل منه ما يزيد في تعظيمه قوله (يحب الله ورسوله) بالنصب (ويحبه الله ورسوله) أي جامع للوصفين حائز للشرفين المتلازمين- يحبهم ويحبونه- رضي الله عنهم ورضوا عنه- وتقدم أن المراد من محبة الله للعبد توفيقه لمرضاته وإنابته، والمراد من محبة العبد لله ورسوله امتثال أوامرهما واجتناب مناهيهما (فبات الناس يدوكون) يخوضون (ليلتهم) أي فيها (أيهم يعطاها) بالبناء للمفعول (فلما أصبح الناس غدوا) هو السير أول النهار، والرواح: السير آخره هذا أصلهما، وقد يستعمل كل في موضع الآخر (على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو) الإفراد باعتبار لفظ كل. قال في [مغني اللبيب] إذا أضيفت كل إلى معرفة فقالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها، وقد اجتمعا في قوله تعالى- إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم- والصواب أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفرداً مذكراً على لفظها نحو -وكلهم آتيه- وقوله صلى الله عليه وسلم “كلكم راع” وأما -لقد أحصاهم- فجملة أجيب بها القسم المقدر وليست خبراً عن كل وضميرها راجع لمن ومن معناها الجمع اهـ (أن يعطاها) ورجاؤه ذلك لا لذات الراية إنما هو لشرف صاحبها من كونه محباً لله تعالى ورسوله محبوباً لهما (فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل يا رسول الله هو يشتكي عينيه) أي بالرمد كما جاء في رواية أخرى (قال: فأرسلوا إليه) بصيغة الأمر مرفوعاً، وإن كان فاعله يعود إلى الراوي ففي الكلام اختصار، فقال: أرسلوا إليه فأرسلوا إليه، ولم أقف فيه على ضبط (فأتي) بالبناء للمفعول (به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له) أي بالعافية (فبرئ)

[ص 450]

عقب ذلك حالاً معجزة له صلى الله عليه وسلم وكرامة بإجابة دعوته فزال الوجع وآثاره (حتى كأن) بتخفيف النون: أي كأنه (لم يكن به وجع) فيهما (فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم) أي أؤقاتلهم بتقدير همزة الاستفهام قبل الفعل وحذفها دفعاً لثقل توالي همزتين (حتى يكونوا مثلنا) في الإسلام ويدخلوا في الدين (قال: انفذ) بضم الفاء وبالذال المعجمة: أي امض (على رسلك) أي على هينتك ولا تعجل وأصله السكون والثبات (حتى تنزل بساحتهم) هي الناحية والفضاء بين دور الحي (ثم) أي بعد وصولك لها (ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله) الواجب (فيه) من الأعمال البدنية كالصلاة والصيام، والمالية كالزكاة والجامعة لهما كالحج والعمرة. وتمسك بهذا الحديث قوم فقالوا: يجب الدعاء قبل القتال، والصحيح أنه مخصوص بمن لم تبلغه الدعوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهو غادرون (فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) أي ينقذه من الكفر والضلال بدلالتك له على الإسلام والهدى (خير لك من حمر النعم) أي من أن تكون لك. وحمر النعم: هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب، ويضربون بها المثل في نفاسه الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه، وتشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها لو تصورت كما سبق في الكلام على شرح هذه الجملة مع بيان من رواها في آخر شرح خطبة الكتاب، وفي الحديث بيان فضل العلم والدعاء إلى الهدى وسن السنن الحسنة (متفق عليه) وحديث علي تقدم في باب المبادرة إلى الخيرات من حديث مسلم فلا زيادات فيه هنا (قوله يدركون) بالدال المهملة (أي يخوضون ويتحدثون) قال المصنف: وفي بعض نسخ مسلم “يذكرون” بالذال

[ص 451]

المعجمة وبالراء، و(قوله رسلك) بالجر على الحكاية (بكسر الراء وفتحها) وسكون السين فيهما (لغتان والكسر أفصح) وعليه اقتصر ابن الأثير في النهاية فقال الرسل بالكسر: الهينة والتأني، قال الجوهري: يقال افعل كذا وكذا على رسلك: أي ائتد فيه كما يقال على هينتك.