(وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) اختلفت عبارات السلف في التوبة النصوح ومرجعها إلى شيء واحد. قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. وقال الحسن البصري: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على(99) ألا يعود إليه. وقال
[ص 82]
الكلبي: هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن. وقال ابن المسيب “توبة نصوحا” تنصحون بها أنفسكم. جعلها ناصحة(100) للتائب كضروب بمعنى ضارب، والأولون جعلوها بمعنى المفعول: أي قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغش. فهي إما بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة: أي مركوبة ومحلوبة، أي بمعنى ناصحة: أي خالصة وصادقة(101) قاله بعض المحققين. وقال الزرعي في شرح المنازل: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: أحدها تعميم جميع الذنوب واستغراقها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني إجماع العزم(102) والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادراً بها. والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله تعالى وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه أو حرفته أو منصبه أو لحفظ حاله أو ماله أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو نحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله تعالى، فالأول يتعلق بما يتوب منه، والثالث بما يتوب إليه، والأوسط يتعلق بذات التائب نفسه. ولا ريب أن التوبة الجامعة لما ذكر تستلزم الغفران وتتضمنه وتمحق جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة. انتهى ملخصاً.
------
(99)أجمع الأمر وأجمع عليه: أي عزم عليه.
(100)فيه أنه جعلها بمعنى منصوح بها فهي بمعنى المفعول بسببه، فجعلها ناصحة مجاز عقلي.
(101)التوبة النصوح: إما من نصح الشيء: خلص؛ أو من نصحت له نصيحتي: أخلصت وصدقت ومثله نصحت الإبل الشرب: صدقته، ونصح الرجل الري: شرب حتى يروى؛ أو من نصحت الثوب: إذا خطته فالتوبة النصوح هي الخالصة، أو المخلصة الصادقة: أي المخلص صاحبها، أو التي تخيط ما مزقه الذنب من ثوب الصلة بين العبد والرب: أي يخيط صاحبها بها ذلك: أي يمحو أثر الذنب. فنصوح على الاحتمال الأول بمعنى الفاعل، وعلى الآخر بمعنى المفعول. وذكر عن عاصم: توبة نصوحا بضم النون: أي تنصحون فيها نصوحاً فهو مصدر. ع.
(102)من أجمع ضمه: ولم يدعه منشراً. ع.
------