4-(وعن أبي خبيب بضم الخاء المعجمة) أي وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها موحدة كنية عبد الله بن الزبير، كني بأكبر أولاده. قال العلقمي في حاشية الجامع الصغير: وله ثلاث كنى ذكرها البخاري في التاريخ وآخرون: أبو خبيب، وأبو بكر، وأبو بكر بالتصغير اهـ. وقال الحافظ ابن حجر، كان يكنيه بأبي خبيب من لا يريد تعظيمه، لأنه كنى في الأول بكنية جده لأمه الصديق اهـ (عبد الله بن الزبير) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها راء (ابن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (القرشي الأسدي) المكي المدني الصحابي ابن الصحابي (رضي الله عنهما) أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر
[ص 504]
الصديق، وأبوه الزبير أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدته صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، وعمة أبيه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وخالته عائشة أم المؤمنين، وهو أول مولود ولد للمهاجرين إلى المدينة بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحاً شديداً لأن اليهود كانوا يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم فأكذبهم الله تعالى، وحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة لاكها، فكان ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم أول شيء دخل جوفه، وكناه أبا بكر بكنية جده الصديق وسماه عبد الله باسمه، ولد بعد عشرين شهراً من الهجرة وقيل في السنة الأولى. وكان صواما قواماً طول الليل، وصولاً للرحم، عظيم الشجاعة. بويع له بالخلافة لما مات يزيد بن معاوية وأطاعه أهل اليمن والحجاز والعراق وخراسان، وجدد عمارة الكعبة، وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بن يوسف الثقفي بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين، وحج الحجاج بالناس ولم يزل محاصره إلى أن قتله شهيداً يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وقيل في نصف جمادى الآخر، وقيل سنة اثنتين وسبعين، والمشهور الأول. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثاً، اتفقا على ستة، وانفرد مسلم بحديثين.
[فائدة] قال المصنف في التهذيب: عبد الله بن الزبير هو أحد العبادلة الأربعة، وهو ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمرو بن العاص، قاله أحمد بن حنبل وسائر المحدثين وغيرهم. قيل لأحمد بن حنبل: وابن مسعود؟ ليس هو منهم، قال البيهقي: لأنه تقدمت وفاته وهؤلاء عاشوا طويلاً حتى احتيج إلى عملهم، فإذا اتفقوا على شيء قيل هذا قول العبادلة. ويلحق بابن مسعود فيما ذكر سائر المسلمين بعبد الله من الصحابة وهو نحو مائتين وعشرين. وقول الجوهري في صحاحه ابن مسعود أحد العبادلة وأخرج ابن العاص غلط نبهت عليه لئلا يغتر به اهـ. زاد في المبهمات له وكيف يعارض بقوله قول الإمام أحمد وغيره اهـ. وفي العبادلة أقوال أخر ذكرها السخاوي في شرح ألفية الحديث، قال: وممن جرى على عد ابن مسعود من العبادلة ابن هشام النحوي في التوضيح. قلت: لكن أول اللقاني عبارة التوضيح بما تنبو عنه عبارته. وحاصله أن مراده بالعبادلة المفهومون من تلك الأسماء لا العبادلة المشهورون، قال: فلا يرد أن ابن مسعود ليس من العبادلة تأمل (قال لما وقف الزبير يوم الجمل) أي الوقعة المشهورة التي كانت بين علي بن أبي طالب ومن معه وبين عائشة ومن معها ومن جملتهم الزبير، ونسبت الوقعة إلى الجمل لأن يعلى بن أمية الصحابي المشهور كان معهم، فأركب
[ص 505]
عائشة على جمل عظيم اشتراه بمائة دينار وقيل بثمانين وقيل بأكثر فوقفت به في الصف، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل فوقعت عليهم الهزيمة، وكان ذلك في جمادى الأولى أو الآخرة سنة ست وثلاثين. واسم ذلك الجمل عسكر (دعاني فقمت إلى جنبه) الفاء فيه عاطفة على محذوف: أي فأجبته فأتيت فقمت إلى جانبه (فقال يا بني) بكسر الياء المشددة وفتحها، ذكره المرادي في شرح الخلاصة، وذكر المصنف في آخر كتاب الأدب من شرح مسلم جواز إسكان الياء قال: وبالحركتين قرئ في السبع، وقرأ بعضهم بإسكانها وبني بضم الموحدة وفتح النون مصغر، وقد بسطت الكلام فيه من باب ما يقول إذا دخل بيته من شرح الأذكار (إنه لا يقتل) بالبناء للمفعول (اليوم إلا ظالم أو مظلوم) قال ابن التين: لأنهم إما صحابي متأول فهو مظلوم، وإما غير صحابي قاتل لأجل الدنيا فهو ظالم. قال الكرماني: إن قيل جميع الحروب كذلك. فالجواب أنها أول حرب وقعت بين المسلمين. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن تكون أو للشك من الراوي، وأن الزبير إنما قال أحد اللفظين أو للتنويع: أي لا يقتل اليوم إلا ظالم بمعنى أنه ظن أن الله يعجل للظالم منهم العقوبة أو لا يقتل اليوم إلا مظلوم، إما لاعتقاده أنه كان مصبياً وإما لأنه سمع ما سمع علي من الحديث المرفوع “بشر قاتل ابن صفية بالنار” رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، ووقع عند الحاكم من طريق أخرى في هذا الحديث مختصراً عن هشام بن عروة عن الزبير قال “والله لئن قتلت لأقتلن مظلوماً، والله ما فعلت وما فعلت” يعني أشياء من المعاصي، ثم كان خروج الزبير وطلحة وغيرهما من كبار الصحابة مع عائشة لطلب قتلة عثمان وإقامة الحد عليهم لا لقتال علي، لأنه لا خلاف أنه كان أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه وكانت قتلة عثمان لجئوا إلى علي فرأى أنه لا يسلمهم للقتل حتى تسكن الفتنة وتجري الأمور على ما أحب، فكان ما جرى به القلم من الأمور التي قدرت فوقعت؛ ولذا قال الزبير لما رأى شدة الأمر وإنهم لا ينفصلون إلا عن قتال (وإني لا أراني) بضم الهمزة: أي لا أظنني (إلا سأقتل اليوم مظلوماً) قال الحافظ ابن حجر: ويجوز فتحها بمعنى الاعتقاد، وذلك الأمر قد تحقق لأنه قتل غدراً بعد أن ذكره علي فانصرف عن القتال، فنام بمكان ففتك به رجل من بني تميم يقال له ابن جرموز بضم الجيم والميم بينهما وراء مهملة ساكنة وآخره زاي، وكان ذلك بوادي السباع. وروى الحاكم من طرق متعددة أن علياً ذكر الزبير بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “لتقاتلن علياً وأنت له ظالم” فرجع
[ص 506]
لذلك منصرفاً (وإن من أكبر همي لديني) وفي رواية غثام: انظر يا بني ديني فإنه لا أدع شيئاً أهم منه علي (أفترى) أي تظن (أن ديننا يبقى في مالنا شيئاً) قاله استكثاراً لما عليه وإشفاقاً من دينه. وفيه الوصية عند الحرب لأنها من أسباب الموت كركوب البحر (ثم قال: يا بني بع مالنا واقض) بهمزة وصل (ديني وأوص بالثلث) أي ثلث ماله: أي الفاضل عن قضاء الدين (وثلثه) أي ثلث الثلث (لبنيه يعني لبني عبد الله) قال الكرماني وتبعه الشيخ زكريا: أوصى بالثلث الفاضل مطلقاً وبثلث الثلث لحفدته أولاد عبد الله اهـ. وقال الحافظ: فسر وصيته: أي بالثلث وثلثه بقوله (قال) أي الزبير (فإن فضل) بفتح الضاد المعجمة أي بقي (من مالنا بعد قضاء الدين شيء فثلثه لبنيك) والثلث بضمتين، قال الحافظ: وضبطه بعضهم بتشديد اللام بصيغة الأمر من التثليث وهو أقرب. ووقع في المصابيح للدماميني: وأوصى بالثلث من ثلثه لبنيه، قال الدماميني: إنما أوصى بثلث الثلث لبني ولده عبد الله، فالضمير في بنيه عائد إليه، ثم بنى عليه استشكال قوله فإن فضل فثلثه لبنيك بأن مقتضاه صرف الثلث الفاضل لولده عبد الله، وسبق منه التصريح بأن الموصى به لهم ثلث الثلث. وأجاب بأن المراد فإن فضل بعد الدين شيء يصرف لجهة الوصية فثلثه لولدك اهـ. والذي شرح عليه الحافظ وأوصى بالثلث وثلثه بالواو (قال عبد الله) بن الزبير (فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت) بفتح الجيم أفصح من كسرها (عن قضاء شيء منه فاستعن عليه بمولاي) أي بالله
[ص 507]
عز وجل وعنه كمال الوثوق بالمولى والاستعانة به في كل حال (فوا الله ما دريت) أي عرفت (ما أراد) أي بقوله استعن عليه بمولاي، إذ هو يحتمل ما ذكر أولاً، يحتمل ولاء الحلف وولاء العتاقة: أي بالذين أعتقهم ونحو ذلك، إذ لفظ المولى مشترك بين عدة معان كالناصر وابن العم والمعتق والعتيق والحليف وقد ذكرها في النهاية (حتى قلت) مستفسراً بآيات (يا أبت) بكسر التاء الفوقية وفتحها (من مولاك؟ قال: الله) أي الله مولاي فالخبر محذوف، ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً ولفظ الجلالة خبر (قال) عبد الله (فوا الله ما وقعت في كربة) بضم الكاف وسكون الراء: الحزن الذي يأخذ بالنفس ويجمع على كرب (من) تعليلية، ويحتمل كونها للابتداء (دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه) أي يسهل ما يحصل به القضاء. وفيه أن من استعان بمولاه في الأمور فهو المعان (قال: فقتل) بالبناء للمجهول (الزبير ولم يدع) يترك (ديناراً ولا ردهماً إلا أرضين) استثناء منقطع، وأرضين بفتح الراء قاله الدماميني فهو جمع أرض بسكونها جمع تكسير (منها الغابة) بغين معجمة وباء موحدة: أرض عظيمة شهيرة من عوالي المدينة. وقال الحافظ ابن حجر: كذا وقع فيه منها بالإفراد وصوابه منهما، وهذا منه يقتضي أن أرضين مثنى أرض فيكون بسكون الراء وفتح الضاد، وبه يتعقب ضبط الدماميني بفتح الراء: فإن القول ما قالت حذام، خصوصاً وقد ذكر الدماميني أنه في المصابيح لم يجد ما يستضيء به فيها مما يضبط به الروايات للغربة وفقد الكتب وأرباب الفن (وإحدى عشرة داراً بالمدينة ودارين بالبصرة) بتثليث الموحدة وإسكان الصاد وتحرك بفتحة وبكسرة كما في القاموس: وهو اسم لبلدة مشهورة مصرها عمر بن الخطاب (وداراً بالكوفة) بلدة معروفة مصرها عمر أيضاً، قال المصنف في التهذيب: قيل سميت بذلك لاستدارتها، تقول العرب: رأيت كوفانا وكوفة: للرمل المستدير، وقيل لاجتماع الناس من قول العرب تكوف الرمل: إذا ركب بعضه بعضاً، وقيل لأن طينها خالطه حصى وكل
[ص 508]
ما كان كذلك فهو كوفة. قال الحازمي وغيره: ويقال للكوفة كوفان بضم الكاف وإسكان الواو آخره نون، وذكر ابن قتيبة في غريبه في كوفان ضم الكاف وفتحها (وداراً بمصر) ممنوع من الصرف على الأفصح الذي جاء فيه القرآن للعلمية والتأنيث، وهي البلد المعروف، وحدها طولاً من برقة التي في جنوب البحر الرومي إلى أيلة، وعرضاً من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى إلى رشيد وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي، سميت بذلك باسم من سكنها أولاً مصر بن ينصر بن سام بن نوح. ثم بعد بيان مخلفات أبيه المستبعد بل المحال لولا إعانة الله برفع أسعارها قضاء ذلك الدين الكثير الذي عليه من ذلك استأنف مبيناً لوجه دين الزبير ولجمع ذلك القدر الذي عليه بقوله (وإنما كان دينه الذي كان عليه أن) بفتح الهمزة (الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا) أي لا أستودعه وذلك لما يعلم من نفسه من مزيد الكرم فيخشى أن يتفق لما تعوده من الكرم من المال المودع عنده، وإن كان مثل ذلك لا يصدر منه لكنه سد الذريعة وقفل الباب من أصله، وأن ومعمولاها خبر كان الأولى واسم كان الثالثة ضمير يعود للرجل وخبره جملة يأتيه (ولكن هو سلف) بفتح أوليه: أي قرض، وقوله (إني أخشى عليه الضيعة) أي الضياع جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لعدوله عن قبول استيداعه إلى استسلافه، والضياع المتخوف يحتمل أن يكون خشية إنفاق على مستحق لما اعتاده من الكرم كما تقدم وأن يكون باختلاس مختلس أو سرقة سارق، فيضيع على صاحبه لعدم ضمان الزبير حينئذ وقد وضعه في حرز مثله فأراد حفظ مال المستودع واستقراره في ذمته. وقال الحافظ: وكأن غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه، فرأى أن يجعله مضموناً ليكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته. زاد ابن بطال: وليطيب ربح ذلك المال. وروى الزبير بن بكار أن كلا من عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومطيع بن الأسود وأبي العامر بن الربيع وعبد الله بن مسعود والمقداد بن عمرو أوصى إلى الزبير بن العوام (وما ولي إمارة) أي ولاية وهو بكسر الهمزة كذا ضبطه الشيخ زكريا في تحفة القاري لكن في مختصر القاموس مصدر أمر علينا إمارة: إذا ولي مثلث الهمزة اهـ (قط) بفتح القاف وضم الطاء المهملة ظرف لاستغراق النفي فيما مضى (ولا جباية) بكسر الجيم: استخراج الأموال من مظانها كما في النهاية (ولا خراجاً) أي خراج أرض، فلا
[ص 509]
ينافي ما رواه الزبير بن بكار، قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وروى مثله يعقوب بن سفيان من وجه آخر (ولا شيئاً إلا أن يكون في غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم) قال الحافظ ابن حجر: مراده أن كثرة ماله ما حصلت من هذه الجهات المقتضية لظن السوء بأصحابها، بل كان كسبه الغنيمة ونحوها. قال الحافظ: هو متصل بإسناد الحديث المذكور (قال عبد الله: فحسبت) بفتح السين المهملة وبباء موحدة وكان ذلك بعد موته شهيداً (ما كان عليه من الدين فوجدته في ألفي ألف ومائتي ألف، فلقي الحكيم) بالرفع فاعل وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف (ابن حزام) بكسر المهملة وبالزاي، وكل ما كان في قريش فهو بهذا الضبط، وما كان رسمه في نسب الأنصار بهذه الصورة فبفتح أوليه المهملين. قال المصنف في أول شرح مسلم: وحزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى فهو ابن عم الزبير (عبد الله بن الزبير فقال: يا بن أخي) خاطبه بذلك لصغر سنه بالنسبة إليه، إذ كان لحكيم من العمر حينئذ نحو مائة عام وعبد الله نحو الأربعين (كم) استفهامية وتمييزها محذوف أي كم ألفاً أو نحو ذلك (على أخي من الدين؟ فكتمته وقلت: مائة ألف) قال ابن بطال: إنما كتمه لئلا يبستعظم حكيم ما استدانه فيظن به عدم الحزم وبعبد الله عدم الوفاء بذلك فينظر إليه بعين الاحتياج إليه، فلما استعظم حكيم أمر مائة ألف كما قال عنه (فقال حكيم: والله ما أرى) بضم الهمزة: أي أظن (أموالكم تسع هذه) أي الديون، احتاج عبد الله أن يذكر له الجميع ويعرفه أنه قادر على وفائه (فقال عبد الله: أرأيتك) بفتح التاء المثناة الفوقية: أي أخبرني والكاف حرف خطاب أكد به الضمير (إن كانت) أي الديون (ألفي ألف ومائتي ألف) قال ابن بطال: ليس في قوله مائة ألف وكتمانه ما فوقها كذب لأنه إخبار ببعض الواقع وسكوت عن الباقي وهو صادق، قال
[ص 510]
الحافظ: لكن من يعتبر بمفهوم العدد يراه إخباراً بغير الواقع، ولذا قال ابن التين في كتمان عبد الله ما كان على أبيه بعض تجوز اهـ (قال: ما أراكم) بضم الهمزة: أي أظنكم ويجوز فتحها أي ما أعتقدكم (تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي) قال الحافظ ابن حجر: روى يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن المبارك أن حكيم بن حزام بذل لعبد الله بن الزبير مائة ألف إعانة له على وفاء دين أبيه فامتنع، فبذل له مائتي ألف فامتنع إلى أربعمائة ألف، ثم قال له: لم أرد منك هذا، ولكن تنطلق معي إلى عبد الله بن جعفر، فانطلق به وبعبد الله بن عمر يستشفع بهم، فلما دخلوا عليه قال: أجئت بهؤلاء تستشف بهم علي؟ هي لك، قال: لا أريد ذلك، قال: فأعطني بها نعليك هاتين أو نحوهما، قال: لا أريد، قال: فهي عليك إلى يوم القيامة، قال لا، قال: فحكمك، قال: أعطيك بها أرضاً، فقال نعم، فأعطاه فرغب فيها معاوية فاشتراها بأكثر من ذلك (قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف) كأنه قسمها ستة عشر سهماً بدليل أنه قال بعد ذلك لمعاوية: إنها قومت كل سهم بمائة ألف (ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء) أي من الدين (فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب (وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله) أي ابن الزبير (لا) أي لا نريد ذلك (قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون) من الديون (إن أخرتم) أي شيئاً منها (فقال عبد الله لا، قال: فاقطعوا) بفتح الطاء المهملة ووصل الهمزة وبقطع الهمزة وكسر الطاء أي
[ص 511]
اجعلوا (لي قطعة) من الغابة فـ (قال عبد الله) بن الزبير (لك من هاهنا إلى هاهنا) قال العلقمي في حاشية الجامع الصغير: روي أن ابن الزبير قال لابن جعفر: أحب لا يحضرني وإياك أحد، فانطلق فمضى معه فأعطاه أرضاً خراباً وشيئاً لا عمارة فيه وقومه عليه، حتى إذا فرغ قال ابن جعفر لغلامه، ألق لي مصلى في هذا المكان، فألقاه في أغلظ موضع فصلى فيه ركعتين وسجد طويلاً يدعو، فلما قضى ما أراد من الدعاء قال لغلامه: احفر في موضع سجودي، فحفر فإذا عين فوارة قد أنبطها، فقال له الزبير: أقلني، فقال له: أما دعائي فقد أجابه الله ولا أقيلك، فصار ما أخذه أعمر مما في أيدي آل الزبير (فباع عبد الله منها) أي الغابة والدور لا من الغابة وحدها لما تقدم أن الدين ألفا ألف ومائتا ألف فإنه باع الغابة بألفي ألف وستمائة ألف (فقضى دينه) الذي كان التزم ابن الزبير بعد موت أبيه (وأوفاه) أصحابه (وبقي منها) أي الغابة (أربعة أسهم ونصف فقدم على معاوية) أي في خلافته كما جزم به الحافظ ابن حجر، وأن ذلك كان بعده مدة انتظار أرباب الديون وما اتصل به من تأخير القسمة لاستبراء بقية من له دين (وعنده عمرو بن عثمان) بن عفان (والمنذر بن الزبير) بن العوام (وعبد الله بن زمعة) بفتح الزاي وسكون الميم وبعدها مهملة (فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟) برفع الغابة، فقومت مبني للمجهول ونصبها مع بنائه للمعلوم (فقال: كل سهم) بالرفع والنصب. أي قوم أو قومت كل سهم (مائة) بالنصب على نزع الخافض: أي بمائة ألف (قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف؟ فقال المنذر: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت منها سهماً بمائة ألف، وقال عبد الله بن زمعة:
[ص 512]
قد أخذت منها سهماً بمائة ألف، فقال معاوية: كم بقي) بكسر القاف (منها) كما في نسخة: أي الغابة أو السهام الباقية وهو أقرب (فقال) أي عبد الله بن الزبير، ويحتمل أن يكون غيره (سهم ونصف) أي الباقي ذلك فالمبتدأ محذوف أو بقي منها ذلك فيكون فاعل فعل قدر (فقال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف، قال) ابن الزبير (وباع عبد الله بن جعفر نصيبه) من السهام في الغابة (من معاوية بستمائة ألف) فربح مائتي ألف (فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه) الذي عرفه وضبطه (قال بنو الزبير) وهم عبد الله وعروة والمنذر وأمهم أسماء بنت أبي بكر، وعمر وخالد وأمهما بنت خالد بن سعيد بن العاص، ومصعب وحمزة وأمهما الرباب بنت أنيف، وعبيدة وجعفر وأمهما زينب بنت بشر وزينب وأمها أم كلثوم بنت عقبة، وباقي أولاد الزبير ماتوا قبله (اقسم بينتا ميراثنا، قال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم) بفتح الميم وكسر المهملة وسكون الواو بينهما (أربع سنين: ألا) بتخفيف اللام (من كان له دين على ابن الزبير فليأتنا فلنقضه، فجعل كل سنة ينادي في الموسم) أي بقوله: من كان له دين على ابن الزبير فليأتنا نقضه، قال الحافظ ابن حجر: ومثل هذا يتوقف على إجازة جميع الورثة، وإلا فمن طلب القسمة بعد وفاء الدين الذي وقع العلم به وصمم على ذلك أجيب إليها ولم يتربص به انتظار شيء يتوهم، فإذا ثبت دين بعد ذلك استعيد منه بقدره. والذي يظهر أن ابن الزبير اختار التأخير أربع سنين لأن المدن الواسعة التي يؤتى الحجاز من جهتها إذ ذاك كانت أربعا: اليمن والعراق والشام ومصر، فبنى على أن كل قطر لا يتأخر أهله في الغالب عن أكثر من ثلاثة أعوام فيحصل استيعابهم في مدة الأربع، ومنهم في طول
[ص 513]
المدة من يبلغ الخبر من وراءهم من الأقطار، واختار الموسم لأنه يجمع الناس من الآفاق (فلما مضى أربع سنين) فيه تجوز لأنه إن عد موسم سنة ست وثلاثين فلم يؤخر ذلك إلا ثلاث سنين ونصفاً وإن لم يعده فقد أخر ذلك أربع سنين ونصفاً ففيه إلغاء الكسر أو جبره (قسم) بعد الدين الوصية (بينهم ودفع الثلث) أي الموصى به (وكان للزبير أربع نسوة) أي مات عنهن وهن أم خالد والرباب وزينب قيل وعاتكة بنت أخت سعيد بن زيد أحد العشرة، وأما أسماء وأم كلثوم فكان طلقهما، وقيل أعاد أسماء وطلق عاتكة فقتل وهي في عدته فصولحت عن ربع الثمن بثمانين ألفاً فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف) هذا باعتبار أصل نصيب كل منهن ورد عليهن الباقي من سهم المصالحة أربعمائة ألف اقتسمنها بينهن. قال الحافظ أبو عبد الله البخاري صاحب الصحيح (فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف) قال ابن بطال وعياض وغيرهما: هذا غلط في الحساب. قال الكرماني: لأنه إذا كان الثمن أربعة وثمانمائة ألف فالجميع ثمانية وثلاثون ألف ألف وسبعة آلاف ألف وستمائة ألف، وإن اعتبرته مع الدين فهو خمسون ألف ألف وتسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف، فعلى التقادير كلها الحساب غير صحيح، ثم قال الكرماني: قلت لعل الجميع عند وفاته هذا المقدار الذي قاله البخاري ثم زاد من غلة أمواله في هذه أربع سنين إلى ستين ألف ألف إلا مائتي ألف اهـ. وحاصله أن ما ذكره من نصيب كل من الزوجات باعتبار ما يجمع من غلال الأموال في السنين الأربع، وما ذكره من الجملة باعتبار حالة الموت والله أعلم. قال الحافظ ابن حجر بعد نقله عن الحافظ شرف الدين الدمياطي: وهذا توجيه في غاية الحسن لعدم تكلفه ولتبقية الرواية الصحيحة على وجهها، وقد تلقاه الكرماني فذكره ملخصاً ولم ينسبه لقائله ولعله من توارد الخواطر والله أعلم اهـ. قلت: رأيت بخط الحافظ نجم الدين بن فهد في تذكرته نقلاً عن خط الدمياطي ما يخالف ما نقله عنه في الفتح ولفظه: روى ابن سعد في الطبقات حديث الزبير هذا بنحو حديث البخاري وطوله، غير أنه خالفه في موضع واحد وهو قوله: أصاب كل امرأة من نسائه ألف ألف ومائتا ألف على دينه ووصيته وورثته، وإنما يصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف فيكون الثمن أربعة آلاف ألف، فتصح
[ص 514]
قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف ثم يضاف إليها الثلث ستة عشر ألف ألف فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف، ثم يضاف إليها الدين ألفا ألف ومائتا ألف فصارت الجملة كلها خمسين ألف ألف ومائتا ألف ومنها تصح. ورواية ابن سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف، فيجوز أن يكون المراد بقوله فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف قيمة تركته عند موته، لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين قبل قسمة التركات. ويدل عليه ما رواه الواقدي عن أبي بكر ابن سبرة عن هشام عن أبيه قال: كان قسمة ما ترك الزبير على أربعين ألف ألف. وروى ابن سعد عن القعنبى عن ابن عيينة قال: قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف. وذكر الزبير بن بكار في بني عدي عاتكة بنت زيد زوج الزبير وأن عبد الله بن الزبير بعث إليها بثمانين ألف درهم فقبضتها وصالحت عليها، وبين قول الزبير هذا وقول غيره بون بعيد، والعجب منه مع سعة علمه وتنفيره عنه كيف خفي عليه توريث آبائه وأحوال تركاتهم اهـ. قلت لا عجب فإنها صولحت عن ربع الثمن بما دفع إليها لا أن ذلك ربع ثمن مال الزبير حتى يخالف كلام غيره، والله أعلم (رواه البخاري) في أبواب فرض الخمس.
------
(354)وازى كذا في نسخة البخاري التي شرح عليها العيني، وفي نسخ الرياض: رأى ولا معنى لها. ع.
------