3-(وعن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث بحجة) بفتح الحاء وكسرها (الوداع) بكسر الواو وفتحها، وسميت بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودعهم فيها، وتسمى حجة البلاغ لقوله “هل بلغت” وتسمى حجة الإسلام إذ لا مشرك فيها، قاله ابن النحوي في التوضيح على الجامع الصغير (والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا) جملة في محل الحال أي جالس بينا مستظهراً لا مستخفياً يقال بين أظهرنا وظهرانينا بمعنى بيننا (ولا ندري) أي نعرف (ما حجة الوداع) أي ما وجه تسميتها به، قال في التوشيح: كأنه شيء ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فتحدثوا به، وما فهموا أن المراد بالوداع وداع النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقعت وفاته بعد ذلك بقليل فعرفوا بذلك، وأشار إلى ذلك بما تضمنه قوله (حتى حمد الله) بالنصب على المفعولية وتقديمه للاختصاص (رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه) يحتمل أن يكون من عطف الرديف وأن يكون من عطف المغاير أي حمد الله بأوصاف الكمال وأثنى عليه بتنزيهه عما لا يجوز عليه (ثم ذكر المسيح) بفتح الميم وكسر السين المهملة مخففة وبالحاء المهملة (الدجال) أي المبالغ في الكذب بادعائه الإحياء والإماتة وغيرهما مما يقطع كل عاقل فضلاً عن مؤمن بكذبه فيه، والمسيح إذا أطلق ينصرف لسيدنا عيسى عليه السلام ويطلق على الدجال لكن مقيداً به كما هنا. وقال أبو داود: إنه في الدجال بتشديد السين وفي عيسى بتخفيفها والأول هو المشهور. وقيل يقال في كل منهما بالتشديد والتخفيف، ولقب به الدجال قيل لأنه ممسوح العين فإن إحدى عينيه ممسوحة، وقيل لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحاً لا عين ولا حاجب فيه، وقيل لأنه ممسوح من كل خير:
[ص 518]
أي مبعود ومطرود، وعلى كل حال فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل بل هو بمعنى فاعل، ولقب به لأنه يمسح معظم الأرضين: أي يقطعها في أيام معدودة. وقيل إنه بالخاء المعجمة ونسب قائله إلى التصحيف. وقال ابن دحية في مجمع البحرين: إنه خطأ، وقيل إنه مسيح بوزن مسكن بكسر ثالثه. وقال أبو عبيدة: أظنه بالشين المعجمة كما تنطق به اليهود ثم عرب (فأطنب في) بيان (ذكره) محذراً من فتنته لعظمها (وقال: ما بعث الله) أي أرسل (من بني) أي رسول إذ هو الذي ينذر قوم ومن مزيدة لاستغراق العموم (إلا أنذر أمته) منه وأعلمهم ببعض أوصافه (أنذره نوح) أي أنذر منه نوح قومه (والنبيون من بعده) أممهم فيه حذف المفعول وجملة أنذر نوح لتفصيل ما قبلها (وإنه إن يخرج فيكم) إذ لا أمة بعدكم ولا بد من خروجه، فإذا لم يخرج في الأمم السابقة فلم يبق إلا خروجه في هذه الأمة (فما) شرطية: أي فأي شيء (خفي عليكم من) للتبعيض أي بعض (شأنه فليس يخفى عليكم، أن ربكم ليس بأعور) أن ومعمولاها فاعل يخفى لكن رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح بكسر الهمزة ولعل الإسناد للجملة: أي لا يخفى عليكم مضمون هذا الكلام من انتفاء النقائص عن الباري جل وعز (إنه) يعني الدجال وهي ومعمولاها بدل من إن الأولى أو استئناف قاله الكرماني (أعور عين اليمنى) بالجر من إضافة الموصوف إلى صفته وتأويله عند البصريين أعور عين صفحة وجهه اليمنى (كأن عينه عنبة) بكسر العين وفتح النون والموحدة، لا يخفى ما فيه من المحسن البديعي، وهو الجناس الخطي المسمى بالجناس المصحف ومنه حديث “ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى” (طافية) بلا همز أي بارزة من طفا الشيء يطفو: إذا علا على غيره، وشبهها بالعنبة التي تقع في العنقود بارزة عن نظائرها (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح يتنبه لما بعده (إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم) يقدر في الأول سفك وفي الثاني أخذ لأن الذوات لا تحرم (كحرمة يومكم هذا) أي يوم النحر (في بلدكم هذا)
[ص 519]
أي حرم مكة، قيل المشبه به وهو خلاف القاعدة. والجواب أن تحريم اليوم والبلد كان ثابتاً في نفوسهم مقرراً عندهم بخلاف الأنفس والأموال فكانت الجاهلية تستبيحها، فورد التشبيه بما هو مقرر عندهم ومناط التشبيه ظهوره عند السامع (ألا) بتخفيف اللام (هل بلغت) والمستفهم منه الأمة الحاضرون وحذف المفعول ليعم: أي هل بلغتكم ما أمرت بإبلاغه إليكم (قالوا نعم، قال اللهم) أي يا ألله فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم المشددة هذا هو الصحيح كما تقدم (اشهد) على شهادتهم بالتبليغ إليهم كيلا ينكر منكر ذلك يوم القيامة (ثلاثاً) أي قاله ثلاث مرات، وكان صلى الله عليه وسلم يكرر ما يحتاج للتكرير ثلاثاً كما جاء في الصحيح، وكان إذا تكلم بكلام أعاده ثلاثاً ليفهم منه (ويلكم) بفتح الواو وسكون التحتية وفتح اللام، قال في الصحاح: ويل كلمة مثل ويح إلا أنها كلمة عذاب، يقال ويله وويلك، وتقول ويل لزيد، فالنصب على إضمار الفعل. قال في مادة ويح: كأنك قلت ألزمه الله ويلاً أو ويحاً أو نحو ذلك، والرفع على الابتداء هذا إذا لم تضف، فإن أضفت فليس إلا النصب لأنك لو رفعته لم يكن له خبر اهـ (أو) شك في الراوي: أي أو قال (ويحكم) وفي الصحاح أيضاً ويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب. قال اليزيدي: هما بمعنى واحد (انظروا لا ترجعوا) أي لا تصيروا. قال ابن مالك في توضيحه: مما خفي على أكثر النحاة استعمال رجع كصار معنى وعملاً ومنه هذا الحديث: أي لا تصيروا (بعدي كفاراً) أي كالكفار فهو تشبيه أو من باب التغليظ فهو مجاز، والمراد معناه اللغوي وهو التستر بالأسلحة، وفيه عشرة أقوال حكاها السيوطي وحكاها عند تلميذه العلقمي في آخر حاشيته على الجامع الصغير، والأولى أنه على ظاهره، وأنه نهى عن الارتداد وأوله الخوارج بالكفر الذي هو الخروج عن الملة إذ كل معصية عندهم كفر (يضرب بعضكم رقاب بعض) قال القاضي عياض: الرواية بالرفع، كذا رواه المتقدمون والمتأخرون وهو الصواب، وبه يصح المقصود هنا، وضبطه بعض العلماء بالسكون وهو إحالة للمعنى والصواب الضم اهـ. وفي شرح المشارق لابن ملك: يضرب بالرفع فيه وجوه: أحدها أن تكون الجملة صفة للكفار: أي لا ترجعوا بعدي كفاراً متصفين بهذه الصفة، يعني يضرب بعضكم رقاب بعض. الثاني أن يكون حالاً من ضمير لا ترجعوا: أي لا ترجعوا كفاراً حال ضرب بعضكم رقاب
[ص 520]
بعض. فعلى الأول يجوز أن يكون المعنى: لا ترجعوا بعدي عن الدين فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم بعضاً بغير حق على وجه التحقيق، وأن يكون المعنى: لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضهم بعضاً على وجه التشبيه بحذف أدائه. وعلى الثاني يجوز أن يكون معناه: لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم باستحلال القتل بغير حق، وأن يكون المعنى: لا ترجعوا حال المقاتلة كالكفار في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب، وروي بجزم الباء على أنه بدل من ترجعوا، ومعناه: لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار، ويجوز أن يكون جزاء لشرط مقدر على مذهب الكسائي: أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض اهـ. وقريب منه قول مغلطاي: من جزم أوله على الكفر، ومن رفع لا يجعله متعلقاً بما قبله بل حالاً أو مستأنفاً. (رواه البخاري) بجملته في كتاب المغازي من حديث ابن وهب عن عمر بن محمد بن زيد ابن عمر عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر ورواه مختصراً في مواضع أخر منه من طرق أخرى (وروى مسلم بعضه) في كتاب الإيمان وهو عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع “ويحكم أو قال ويلكم لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض” قال الحافظ المزي في الأطراف: ورواه أبو داود في السنة والنسائي في المحاربة وابن ماجه في الفتن مختصراً اهـ.