2 - (وعنه) أي أبي هريرة (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافىً) اسم مفعول من المعافاة وهو من العفو مرفوع تقديراً خبر كل، يعني كلهم سالمون عن ألسن الناس وأيديهم (إلا المجاهرين) قال العلقمي: قال شيخنا وللنسفي “إلا المجاهرون” بالرفع على البدل وهو رأي الكوفيين اهـ. وقال ابن مالك في التوضيح لشواهد الجامع الصحيح حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب أن ينصب مفرداً كان أو مكملاً معناه بما بعده لا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب وقد أغفلوا وروده مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر ومحذوفه، فمن الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة: أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، وإلا بمعنى لكن وأبو قتادة مبتدأ لم يحرم، وإلا بمعنى لكن وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ومن المبتدأ بعد إلا المحذوف الخبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل أمتي معافى إلا المجاهرون” أي لكن المجاهرون لا يعافون، وللكوفيين في هذا الذي يغتفر مذهب آخر، وهو أن يجعلوا إلا حرف عطف وما بعدها معطوف على ما قبلها اهـ ملخصاً. قال الدماميني: وهذا أي الجملة المستثناة من الجمل التي لا محل لها من الإعراب ولم يعدوه اهـ. قلت: وقد سبقه إلى استدراكها ابن هشام في المغني، وزاد الجملة المسند إليها نحو – وإذا قيل إن وعد الله حق – وأول الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق الرفع بأن معافى في معنى النفي فيكون استثناء من كلام تام غير موجب. قال في فتح الباري: المجاهر الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فتحدث بها، والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من جاهر بمعنى جهر والنكتة التعبير بفاعل المبالغة، ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة، والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضاً بالتحدث بالمعاصي، وبقية الحديث يؤيد الاحتمال الأول (وإن من المجاهرة) قال السيوطي: كذا للنسفي والكشميهني:
[ص 31]
أي في رواية البخاري وللأكثر من المجانة، وهو تصحيف قاله عياض، ولمسلم من الإجهار ولأبي نعيم من الجهار، والثلاثة بمعنى الظهور والإظهار، وفي رواية لمسلم الهجار، وللإسماعيلي الإهجار وهما بمعنى الفحش والخنا وكثرة الكلام. قال عياض: هما أيضاً تصحيف (أن يعمل العبد) وفي نسخة الرجل (بالليل عملاً ثم يصبح) بالنصب (وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان) بالبناء على الضم لأنه كناية عن معين وهو الذي يحدثه العاصي عن معصيته (عملت البارحة) قال في الفتح: هو أقرب ليلة مضت من وقت القول وأصلها من برح: إذا زال (كذا وكذا) قال في النهاية: هي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه: مثل ذا، ويكنى بها أيضاً عن المجهول وعما لا يراد التصريح به اهـ. وهذا قد تقدم نقله عن النهاية (وقد بات يستره ربه) جملة حالية من فاعل يقول (ويصبح) معطوفاً على يصح (يكشف ستر الله) الكائن (عليه) قال ابن بطال: في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم وفي التستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل فاعلها من إقامة الحد عليه إن كان فيها حد، ومن التعزيز إن لم توجب حداً، وإذا تمحض حق الله وهو أكرم الأكرمين، فكذا إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة والذي يجاهر بها يفوته جميع ذلك، والحديث مصرح بذم من جاهر بالمعصية، فيستلزم مدح من تستر، وستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه. فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها فقد أغضب ربه فلم يستره. ومن قصد التستر بها منَّ الله عليه بستره إياها. اهـ ملخصاً من فتح الباري (متفق عليه) وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن أبي قتادة بلفظ: “كل أمتي معافى إلا المجاهر الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيقول: يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا فيكشف ستر الله” كذا في الجامع الصغير.