شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › الكتاب الأول في الإخلاص › 2- باب التوبة

ابحث في الصفحة

8- (وعن أبي سعيد) كنية(126) (سعد بن مالك بن سنان) بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف (الخدري) بضم المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خدرة(127) بهذا الضبط وهو الأبجر(128) بالموحدة فالجيم بطن من الخزرج، وقيل خدرة أم الأبجر. ثم سعد وأبوه صحابيان، استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ (رضي الله عنه) وكان حقه رضي الله عنهما كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن صحابي، روي لأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر. ومسلم باثنتين وخمسين عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة سنة أربع وستين، وقيل وسبعين، ودفن بالبقيع (أن) بفتح الهمزة ويجوز كسرها بتقدير القول (نبي الله صلى الله عليه وسلم قال) مرغباً في التوبة والإنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم في جنب عفوه سبحانه (كان فيمن كان قبلكم) أي من الأمم (رجل) اسم كان والظرف قبله حال منه، وقيل الظرف صلة لمن الموصولة، وقوله (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفسا) أي على وجه العدوان فهبت عليه نفحات الوصول، وآن إبان ساعة الإنابة والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي في ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو “إني” بضمير المتكلم، تنبيهاً على الأدب في حكاية مثل

[ص 97]

ذلك مما يكره النطق به فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند موته “فكان آخر ما كلمهم به أنه على ملة عبد المطلب” نبه عليه المؤلف في ذلك المقام من شرح مسلم (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة؟) من مزيدة للتأكيد (فقال لا فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى: قال القرطبي: وهذا من الراهب دليل على قلة علمه وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا ولا سلك طريق التحرز في نفسه مما صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه كما يدارى(129) الأسد الضاري لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة قتله بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض) أي في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله (عالم فقال) عطف على مقدر أي فأتاه فقال وحذف لذكره في نظيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) أي مقبولة (فقال) ناطقاً بالحق والصواب، مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم، ومن) استفهام إنكاري أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي يكون حائلاً وفاصلاً (بينه) أي التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً أي لا مانع بينك وبينها من شخص ولا لغيره، وأتى بضمير الغائب مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله الزجر والتورية(130) لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو إن كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا

[ص 98]

به. قال تعالى- والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون- إلى قوله- إلا من تاب- الآية. وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك. وأما قوله تعالى- ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها- فالصواب في معناه أن جزاءه جهنم(131) وقد يجازى بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى بل يعفى عنه. كذا في شرح مسلم للمصنف. ثم إن العالم دل السائل على ما فيه نفعه بقوله (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى، واسم القرية التي كان بها كفرة(132) رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد وأصحابه الذين كانوا يعينونه عليه ما داموا كذلك؟ قال القرطبي: وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة، لأن الأول غلبت عليه الرهبانية واغتر بوصف الناس له بالعلم فأفتى بغير علم فهلك في نفسه وأهلك غيره. والثاني كان مشتغلاً بالعلم فوفق للحق فأحياه الله وأحيا به اهـ. وقوله “كذا وكذا” كأن الراوي شك في اللفظ فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت، ومعناه مثل ذا، قال في النهاية: وقوله (فإن بها أناسا) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر والمقام للضمير استلذاذا فذكر المحبوب محبوب (ولا ترجع إلى أرضك) أي التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء ومقاطعتهم ما داموا على حالهم واستبدال صحبة أهل الخير والعلم والصلاح والعبادة والورع ومن يقتدي به وينتفع بصحبته لتتأكد بذلك توبته وتقوى أوبته، فإن كل قرين يقتدي بقرينه (فانطلق) تائباً من زلته مفارقاً لمحلته قاصداً لما أمر بالرحلة إليه واستمر كذلك (حتى إذا نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة: أي بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى) قال القرطبي: هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى أخبر

[ص 99]

صلى الله عليه وسلم عنها بقوله (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف لاستغراق الزمن الماضي، إذ لو اطلعت على ما في قلبه من التوبة لما صح لها أن تقول هذا ولا أن تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائبا الخ، بل كانت تشهد بما في علمها كما شهد الأولون بما تحققوه، ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات وملائكة العذاب على عدم، وشهادة الإثبات مقدمة فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال (فأتاهم ملك في صورة آدمي) صور بصورته إخفاء عن الملائكة وتنويهاً ببني آدم، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي التي خرج منها والتي ذهب إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي لذلك الأدنى إليه منها أي الجنة والعذاب (فقاسوا) أي ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي التائب (أدنى) أي أقرب (إلى) جهة (الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح. قال القرطبي: وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده وتعذرت الشهادة مكنه الاستدلال بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفذ الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم، واختلافهم فيه أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم، فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك اهـ (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل، ومسلم في التوبة، ورواه ابن ماجه في سننه. قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد

[ص 100]

مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه، كنهر جار، أي الصالح من فيها، وفيه إيماء أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن ما قيل: بسكانها تغلوا الديار وترخص.

وقول الآخر:

وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

(أقرب بشبر) أي بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب فلا تخالف الرواية الآتية (فجعل من أهلها) أي الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي رواية) أخرى (في الصحيح) هي عندهما واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي أشار (إلى هذه) أي أرض الفساد (أن تباعدي) عن ذلك الإنسان بأن ينضام بعضها لبعض (و) أوحى أي أشار (إلى هذه) أي أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط أجزائها وامتدادها (وقال) أي الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي أرض الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها وانبساطها وانزواء تلك وانقباضها (فغفر له) فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره. قال القرطبي: يفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية وسبقت له العناية الأزلية فقربت البعيد وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة فقد سلك به طريق اللطف والقربة اهـ (وفي رواية) أي في الصحيح أيضاً رواها مسلم (فناء) بتقديم الألف على الهمزة وفي نسخة من مسلم “نأى(133)“ بتقديم الهمزة عليها: أي نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحته توبته وصدق رغبته.

[ص 101]

------

(126)في بعض النسخ ضرب على “كنية” بالقلم وكتب بدلها “كنبيه” وهو وهم. وفي بعضها “كنيته” بالضمير والصواب حذف الضمير. ع.

(127)في نسخة “خدر” بلا تاء. ع.

(128)لفظ وهو الأبجر بالموحدة فالجيم ساقط من نسخة المكتبة الزكية.

(129)في نسخة “كما لا يدارى” فلتحرر. ع.

(130)في بعض النسخ “والتوبة” بدل “والتورية”.

(131)أي إنه مستحق لذلك ولا يلزم من الاستحقاق الفعل. ع.

(132)في بعض النسخ “كفرى” بدل “كفرة”.

(133)عبارة المنذري: وفي رواية: أنه لما أتاه ملك الموت نأى بصدره نحوها.

------