شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › الكتاب الأول في الإخلاص › 3 - باب الصبر

ابحث في الصفحة

2- (وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه) الأولى عنهما لما سبق في ترجمته في باب التوبة من أنه وأباه كانا صحابيين (أن ناسا) في تفسير البيضاوي أصله أناس لقولهم إنسان وإنس وأناسي، فحذفت الهمزة حذفها في لوقة(183) وعوض عنها حرف التعريف ولذا لا يكاد يجمع بينهما، مأخوذ من أنس بوزن فرح لأنهم يستأنسون بأمثالهم، أو آنس(184) لأنهم ظاهرون مبصرون اهـ. وقيل قلوب نسى، وقيل مأخوذ من ناس ينوس إذا اضطرب وتحرك. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن النسائي روى عن أبي سعيد ما يدل على أنه منهم، وذلك أنه قال “سرحتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لأسأله من حاجة شديدة، فأتيته وقعدت فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه الله” الحديث. وزاد فيه: “ومن سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت: ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله” اهـ (من الأنصار) بفتح الهمزة اسم إسلامي علم بالغلبة على أولاد الأوس والخزرج سموا به لنصرتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه (سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم) حذف المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض به (فأعطاهم) أي عقب سؤالهم ولم يتوان لما جبل عليه من مكارم الأخلاق والسماحة (ثم سألوه فأعطاهم) فتكرر منهم السؤال مرتين ومنه الإعطاء عقب كل مرة (حتى نفد) بكسر الفاء وبالدال المهملة، ففي الصحاح نفد الشيء ينفد نفاداً: فني (ما عنده) أي ذهب بالإنفاق جميع ما عنده (فقال) عقب نفاده تنفيراً لهم من الاستكثار مما زاد على الحاجة من الدنيا، وتحريضاً على القناعة، وحثاً على الاستعفاف. واللام في (لهم) هي لام المبالغة (حين أنفق) هو مختص بإخراج الشيء في الخير

[ص 145]

(كل شيء) معد للإنفاق كائن (بيده: ما يكن) كذا هو بالجزم فيما وقفت عليه من نسخ مصححة من الرياض وهو كذلك في أصل مصحح عندي من صحيح مسلم فتكون ما شرطية، وفي البخاري “ما يكون” بالرفع، قال الشيخ زكريا: فما موصول متضمن معنى الشرط وجوابه على الوجهين قوله “فلن أدخره” (عندي من) بيانية (خير فلن أدخره) بتشديد الدال المهملة، وجاء إعجامها مدغماً وغير مدغم، وأصله ادتخر فقلبت التاء دالاً على اللغة الأولى وذالاً على اللغة الثانية، والمعنى: لا أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً (عنكم) أو فلا أخبؤه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفك الإدغام فالفعل مجزوم بالسكون لفظاً: أي من طلب العفة عن سؤال الناس والاستشراف إلى ما في أيديهم (يعفه الله) أي يرزقه العفة فيصير عفيفاً قنوعاً. وفي النهاية: وقيل الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء، يقال عف يعفه عفة فهو عفيف، وهو بفتح الفاء لأنها أخفت الحركات، أو بكسرها لأنها الأصل في التخلص من التقاء الساكنين (ومن يستغن) أي يظهر الغناء بالتعفف عما في أيدي الناس (يغنه الله) أي يجعله غني النفس ولا غناء إلا غناؤها (ومن يتصبر) أي يتكلف الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو لغير مولاه (يصبره الله) أي يعطه من حقائق الصبر الموصلة للرضى ما يهون عليه كل مشق(185) ومكدر؛ ولشرف مقام الصبر وعلوه، لأنه جامع لمكارم الأخلاق ومعالي الصفات فلا ينال شيئاً منها إلا من تحلى به عقبه بقوله (وما أعطي أحد عطاء) مفعول ثان لأعطى: أي ما أعطى أحد من خلق ولا مقام (خيراً) كذا هو بالنصب في النسخ. وفي البخاري: هو خير، وفي مسلم: خير، بحذف هو في رواية، وفي رواية بنصب خير (وأوسع من الصبر) قال الشيخ زكريا: خيراً هنا ليس بأفعل تفضيل بل هو كقوله تعالى – أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً- اهـ. ومعنى كونه أوسع: أن به تتسع المعارف والمشاهد والمقاصد. فإن قلت: مقام الرضى أفضل منه كما صرحوا به. قلت: هو غايته لأنه لا يعتد به إلا معه فليس أجنبياً عنه، إذ الصبر من غير رضى مقام ناقص جداً (متفق عليه) وكذا أخرجه أصحاب السنن الأربع، وزاد رزين “وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه” وهذه الزيادة أخرجها مسلم والترمذي من رواية عمرو بن العاص كذا في التيسير للديبع(186).

[ص 146]

------

(183)بضم اللام وقد تسبق بهمزة مفتوحة طعام طيب أو زبد برطب. ع.

(184)بمعنى أبصر كقوله تعالى- آنس من جانب الطور نارا-. ش.

(185)تراجع اللغة. وفي المختار: شق عليه الشيء ع.

(186)يراجع لفظ الدبيع هل هو بتقديم المثناة التحتية؟.

------