10 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: أقبل رجل) قال الشيخ زكريا: هو جاهمة بن العباس بن مرداس، أو معاوية بن جاهمة. وقال شيخه الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون جاهمة بن العباس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة: “أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت لاستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: الزمها” الحديث، ورواه البيهقي بنحوه اهـ. فاقتصر على الأول وجعله احتمالاً، وقوله (إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم) متعلق بأقبل (فقال: أبايعك على الهجرة) أي مفارقة وطني وسكنى المدينة. قال القرطبي: وهذا كان في زمن وجوب الهجرة (والجهاد) في سبيل الله (أبتغي الأجر من الله تعالى) مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب المبايعة الحامل عليها (قال: فهل من والديك) خبر مقدم (أحد حي) مبتدأ وجيء بأحد توطئة ليقوم به حي (قال: نعم بل) انتقال دل عليه جوابه بنعم من حياة أحدهما إلى الإخبار بحياتهما معاً (كليهما) كذا هو منصوب بتقدير وجدت كليهما، ويجوز كونه مرفوعاً مبتدأ محذوف الخبر: أي حيان وكتبت الألف بصورة الياء، وقد نبه المصنف في شرح مسلم على أن محل ذلك كله إذا لم يحضر الصف ويتعين للقتال (قال: (فتبتغي الأجر من
[ص 158]
الله تعالى؟) الهمزة والمعطوف عليه مقدران قبل الفاء العاطفة: أي أتفعل ذلك فتبتغي الأجر من الله تعالى (قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديماً لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه وجب عليه الفرار به وترك آبائه وأبنائه كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد. وفي الحديث تقديم البر للوالدين على الجهاد (متفق عليه. وهذا لفظ مسلم).
(وفي رواية لهما) وهي كذلك عند البخاري في الجهاد، وعند مسلم في الأدب، ورواها أبو داود والترمذي والنسائي في الجهاد، وقال الترمذي: حسن صحيح والبزار، كذا من الأطراف للمزي ملخصاً (جاء رجل) كذا في النسخة بحذف الظرف: أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ثابت في الصحيحين، والظاهر أنه اختصار من المصنف لدلالة ما قبله عليه أو في الكتاب (فاستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟) الوصف فيه مبتدأ لاعتماده على الاستفهام ووالدك فاعله سد مسد خبره (قال نعم) أي هما حيان (قال: ففيهما فجاهد) وقوله ففيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص، والفاء الأولى جزاء لشرط محذوف، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، أي إذا كان الأمر كما قلت فاخصص المجاهدة بخدمة الوالدين نحو – فإياي فاعبدون – فحذف الشرط وعوض عنه الظرف المفيد للاختصاص، قاله العاقولي وقال ابن رسلان: المراد بالجهاد فيهما جهاد النفس في وصول البر إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك، وتقدم أن الجهاد الأكبر جهاد النفس الأمارة بالسوء اهـ. قال المصنف: هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قال العلماء من أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وهذا كله حيث لم يحضر الصف ويتعين للقتال فحينئذ يجوز بغير إذن اهـ.
[ص 159]