شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الثاني › [تتمة الكتاب الأول كتاب الإخلاص] › 40 - باب بر الوالدين وصلة الأرحام

ابحث في الصفحة

15 - (وعن زينب الثقفية) بمثلثة وقاف مفتوحتين وفاء مكسورة منسوبة إلى ثقيف بوزن رغيف (امرأة) بهمزة وصل. ويقال مرأة بحذفها، ويقال مرة بنقل حركة الهمزة إلى الراء: زوجة (عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله عنه وعنها) عدل عن قوله عنهما مع أنه أخصر لما يوهمه من عوده لابن مسعود وأبيه لكونهما أقرب مذكور. وفي تقديمه عليها مع تأخر ذكره إشارة إلى شرف الذكورية ومجدها. قال المصنف في التهذيب: اختلف في اسم امرأة ابن مسعود، فقال جماعة: اسمها زينب ولعله قول الأكثرين، وهي زينب بنت عبد الله بن معاوية الثقفي، وقيل اسمها رابطة، وقيل ربطة بنت عبد الله هكذا ذكر هذه الأقوال جماعة من العلماء منهم الخطيب البغدادي في المبهمات، وجعل ابن سعد في الطبقات زينب ورايطة امرأتين لابن مسعود. قلت: وبعض أهل اللغة ينكر وجود ريطة في كلام العرب. وذكر أبو عمر الزاهد في آخر شرح الفصيح عن ابن الأعرابي قال: يقال ريطة لا غير ولم يحك عن العرب رايطة: وأفصح اللغات عائشة، وقد يقال عيشة لغة فصيحة اهـ ملخصاً. قلت: قال الحافظ في الفتح: زينب الثقفية يقال لها رايطة أيضاً. وقع ذلك في صحيح ابن حبان، ويقال هما اثنتان عند الأكثر وممن جزم به ابن سعد. قال الكلاباذي: رايطة هي المعروفة بزينب، وبه جزم الطحاوي فقال: رايطة هي زينب لا نعلم لعبد الله امرأة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرها، روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أحاديث، منها في الصحيحين حديثان، اتفقا على أحدهما وهو حديث الباب. وانفرد مسلم بحديث آخر. كذا في مختصر التلقيح (قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصدقن) أمر لجماعة النسوة كما قال (يا معشر النساء) أي جماعة النساء، ومقتضى قول المصباح المعشر والقوم والرهط والنقر لجماعة الرجال دون النساء اهـ استعمل في غير موضوعه وكأنه لأنهن لما أمرن بالتصدق. وإنما يبعث عليه الإيقان الذي هو وصف كمل الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم: “والصدقة برهان” خوطبن بذلك، ثم رأيت في التحفة للشيخ زكريا: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، وفيه رد على ثعلب حيث خصه بالرجال، إلا إن أراد بالتخصيص حالة الإطلاق لا حالة تقييده. (ولو من حليكن) قلت: يحتمل أن يكون مفرداً فيكون بفتح المهملة وبسكون اللام، وأن يكون جمعاً فيكون بضم المهملة وكسر اللام وتشديد الياء وأصله على وزن فعول كفلس

[ص 165]

وفلوس فأعلَّ كما في المصباح. وفي المشارق للقاضي عياض: “تصدقن ولو من حليكن” وهو ما تتحلى به المرأة وتتزين به، يقال بفتح الحاء وسكون اللام وبضم الحاء وكسرها وكسر اللام، وقد قرئ بهما جميعاً اهـ. واختصره صاحب المطالع ولم أقف على من ضبط الرواية فيه، وفي فتح الإله كأن وجه جعله غاية أن النساء لا يسمحن بالتفريط فيه إلا لمهم انحصر الخلاص فيه كأنه يقول: الصدقة أمر مهم جداً، فكما تسمحن بإخراج حليكن في الأمر المهم عند فقد غيره فاسمحن بإخراجه فيها إذا لم تجدن غيره (قالت: فرجعت) بتاء المتكلم، ويحتمل أن يكون بتاء التأنيث فيكون فيه التفات على طريق السكاكي (إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات) زائدة للتأكيد (اليد) أي قليل المال، ولم تقله تعييراً له ولا استخفافاً بحقه، بل توطئة لقولها (وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر) أي أمر ندب بدليل الحلي فإنه لا زكاة فيه، نعم جاء أنه كان زكوياً ثم نسخت منه، فإن كان قبله فيحتمل كونه أمر إيجاب، وعلى كل فالامتثال مطلوب ولا يشكل على الوجه الثاني صرفه لأولادها لأنه يجوز للمزكي صرف زكاته إلى أولاده الذين تلزمه نفقتهم وكذا أصوله كذلك (فأته فاسأله) هل يجزي عني التصدق عليك وعلى أولادي فأصرفها عليكم أو لا؟ وأفاد هذا قولها عاطفة بالفاء المفيدة لتفصيل المسؤول (فإن كان ذلك يجزي) أي يسقط الفرض (عني) إن قلنا إنها زكاة، أو يجزئ في الوقاية من النار لحصول الصدقة المأمور بها إن قلنا إنها تطوع، أشار إليه الحافظ في الفتح، وجواب الشرط محذوف لدلالة المقام عليه: أي دفعتها لكم (وإلا صرفتها إلى غيركم) قالت (فقال عبد الله: بل ائتيه أنت) لعل ذلك منه استحياء أو بيان أنها الأولى بالسؤال لأنه أمر يتعلق بها (فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار) قال الحافظ في الفتح: أخرج النسائي عن ابن مسعود قال: “انطلقت امرأة عبد الله: يعني ابن مسعود، وزينب امرأة أبي مسعود: يعني عقبة بن عمرو الأنصارية” قلت: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هذيلة بنت ثابت بن ثعلبة الأنصارية فلعل لها اسمين، أو وهم من سماها زينب انتقالاً من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها اهـ. وإذا للمفاجأة، والمفاجأة حضور الشيء معك

[ص 166]

في وصف من أوصافه الفعلية كخرجت فإذا الأسد بالباب، معناه حضور الأسد معك في زمان أو مكان وصفك بالخروج، وتقدير المكان أولى لأنه الذي يخصك فهو ألصق بك من الزمان، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى. قال ابن مالك: هي حرف. وقال المبرد وغيره: هي ظرف مكان. وقال الزمخشري كالزجاج ظرف زمان وناصبها فاجأه. ورد أن ناصبها الخبر المذكور أو المقدر ولم تذكر في القرآن إلا وخبر المبتدأ بعدها مذكوراً (بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي واقفة به (حاجتها حاجتي) من التعبير البليغ (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة) بفتح الميم مصدر ميمي: أي الهيبة وهي الإجلال وكان فيه للاستمرار: أي أنه مهاب(411) موقر مع ما كان عليه من عظيم حسن الخلق وبديع التواضع حتى كان أصحابه في مجلسه يعتريهم من ذلك ما يصيرون به خاضعين خافضين رأسهم كأن على رؤوسهم الطير (فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا ينافي ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن له حاجب ولا بواب، لأن بلالاً لم يكن موقفاً لذلك، وإنما صادف وقوفهما وجوده عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرجه إليهما ليسألهما عن حاجتهما (فأخبره بأن) الباء زائدة في المفعول الثاني للتأكيد (امرأتين) واقفتان (بالباب تسألانك: أتجزئ) بضم الياء والهمزة من الأجزاء بمعنى الإسقاط، وبفتح الياء وترك الهمزة آخره بمعنى يكفي (الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما) أي ولايتهما وتربيتهما (ولا تخبره) أي إذا لم يسألك عنا (من نحن) أي فإننا نستحي من ذلك (قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هما؟) قال: امرأة من الأنصار وزينب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي الزيانب

[ص 167]

قال: امرأة عبد الله) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض، وفيه حذف. ولفظ مسلم الذي ساق المصنف الحديث بلفظه: “فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هما؟ قال امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الزنايب؟ فقال: امرأة عبد الله” ولفظ البخاري: “فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: أي الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود” (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها) كذا فيما رأيت بإفراد الضمير وكأنه لتعيينها وحكم صاحب معلوم من ذكر حكمها لأن المادة واحدة، والذي في مسلم لهما بضمير التثنية. وحاصل الجواب أن ذلك يجزئ عنهما، ولهما عليه (أجران: أجر القرابة) في الأولاد: أي أجر صلة الرحم التي تكفل الله لمن وصلها بأن يصله بما لا يقدر غيره سبحانه قدره (وأجر الصدقة) فيهم وفي الزوج. وفي الحديث تغليب، فإن ابن مسعود كان زوجاً فقط، وفي الحديث: “إن أولى الناس بصرف صدقة التطوع والزكاة والنذر والكفارة والوقف والوصية وسائر وجوه الأقارب” وبه أخذ أئمتنا (متفق عليه) واللفظ المسلم أخرجاه في الزكاة وأخرجه النسائي في عشرة النساء وابن ماجه في الزكاة.

------

(411)كذا. والصواب مهيب أو مهبوب بوزن مبيع ومقول. ع.

------