5 - (وعن أبي عيسى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد (المغيرة) قال ابن السكيت وآخرون من أهل اللغة بضم الميم وكسرها والضم أشهر (ابن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن أبي معتب بالعين المهملة المفتوحة ابن مالك بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء ابن قيس بن عيلان بالمهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي (رضي الله عنه) أسلم عام الخندق، وروي له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفقا على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. روى عنه أبو أمامة الباهلي والمسور بن مخرمة وفزة المزني الصحابيون، ومن التابعين جماعات، ولاه عمر البصرة مدة ثم نقله عنها فولاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل فأقره عثمان عليها ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشام، وذهبت عينه يوم اليرموك، وشهد القادسية وفتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان وشهد الحكمين، واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين، وهو أول من وضع ديوان البصرة اهـ ملخصاً من التهذيب (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات) اقتصر عليهن مع تحريم عقوق الآباء أيضاً لأن الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن وعجزهن بخلاف الآباء ولينبه على تقديم برّهن على بر الأب في التلطف والخير ونحو ذلك، وقيل هو من تخصيص الشيء بالذكر إظهاراً لعظم توقعه، والأمهات جمع أمهة
[ص 185]
وهي لمن يعقل بخلاف الأم فإنه أعم (ومنعاً) لما يجب أداؤه من الحق (وهات) الاستكثار من حق الغير بغير حق: أي حرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، ثم منعاً بالتنوين. وفي رواية بغير التنوين وهو بسكون النون مصدر منع يمنع، وأما هات بكسر التاء أمر من الإيتاء والأصل آت بهمزة ممدودة قلبت ألفاً. قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقاً ويكون ذكر هنا مع ضده ثم أعيد مطلقاً تأكيداً للنهي عنه، ثم ما ذكر من أن منعاً مكتوب بالألف كذا في الأصل، لكن قال ابن مالك في التوضيح: إنه من المكتوب على لغة ربيعة، ومنع بحذف الألف على لغتهم لأنهم يقفون على المنوَّن المنصوب بالسكون فلا يكتبون الألف. وقيل حذفها لأن تنوين منعاً أبدل واواً وأدغم في الواو فصار اللفظ: يعني بعد قلبها واواً مشددة كاللفظ بقول وشبهه فجعلت صورة الخط مطابقة للفظه. ويمكن أن يكون الأصل ومنع حق فحذف المضاف وبقيت هيئة الإضافة اهـ (ووأد) بسكون الهمزة: أي دفن (البنات) بأن يدفنَّ أحياء، يقال وأد بنته وأداً من باب وعد: دفنها حية فهي مؤودة كذا في المصباح، وإنما خص البنات بتحريم وأدهن لأنه هو الواقع فتوجه النهي إليه أن الحكم مخصوص بالبنات بل هو حكم عام. يقال أول من وأد البنات قيس بن عاصم التميمي، كان أغار عليه بعض أعدائه فأخذ بنته فاتخذها لنفسه ثم اصطلحا فخير بنته فاختارت زوجها، فآل قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعته العرب على ذلك. وكانوا فيه فريقين منهم من يفعله خشية الإقتار، ومن يفعله خشية العار، ومن العرب من لا يفعل ذلك. وكان صعصعة بن ناجية التميمي وهو جد الفرزدق أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يراد فعل ذلك منها فيفديها منهم بمال فينفق عليها، وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام فأسلما ولهما صحبة. وكانوا في الوأد على طريقين: أحدهما أن يأمر امرأته عند الوضع أن تطلق بجانب حفيرة فإن وضعت ذكراً أبقاه وإلا ألقاها فيها. وثانيهما أن يصبر على البنت إلى أن تصير سداسية ثم يأخذها وقد زينتها أمها، فيأتي بها إلى حفرة كان حفرها قبل فيقول لها انظري قعرها، ويرميها من ورائها ويطمها بالتراب (وكره لكم قيل وقال) قال الحافظ في الفتح في رواية الشعبي: كان ينهى عن قيل وقال، كذلك كثر في جميع المواضع بغير التنوين، ووقع في رواية الكشميهني هنا قيلاً وقالاً، والأشهر الأول. وفيه تعقب على من زعم أنه جائز ولم يقع في الرواية. وقال الجوهري: قيل وقال اسمان، يقال: كثر القيل والقال كذا جزم باسميتهما واستدل له بدخول أل عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين كالقول
[ص 186]
لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة وأشار إلى ترجيح الأول. وقال المحب الطبري: فيه أوجه: أحدها أنهما مصدران، والمراد من الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ وكرر المصدر مبالغة في الزجر. وثانيها المراد حكاية أقوال الناس والبحث عنها ليخبره غيره فيقول قال فلان وقيل لفلان. فالنهي عنه إما للزجر وهو الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص، وهو ما يكرهه المحكي عنه. قلت: وعليه فهما بفتح اللام حكاية للفعل الماضي وكذا على الوجه الثالث الآتي. واقتصر على الأول منهما ابن أقبرس في شرح الشفاء فقال: يريد به المنع من التبرع بنقل الأخبار، فعاد لما فيه من هتك الستار وكشف الأسرار، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ذلك ليس من محسنات الإسلام بقوله: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” وفيه من جهة المعنى موافقة لقوله تعالى – إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا – الآية، لأن الله تعالى ستار. ويخص من هذا نقل الأخبار النافعة لا سيما إذا كانت صحيحة عن ثقة اهـ. ثالثها أن في ذلك الإكثار الزلل إذ هو مخصوص بمن ينقل لا عن تثبت ولكن تقليداً لمن سمعه ولا يحتاط اهـ. وقول المصنف معناه الخ شامل للآخرين. وفي المشكاة قوله: قيل وقيل بناهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على أنهما مصدران ولذا دخل عليهما أل فيما يعرف القيل من القال اهـ بمعناه. وفي المصباح: القيل والقال اسمان من قال يقول لا مصدران قاله ابن السكيت ويعربان بحسب العوامل، وفي الارتشاف هما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين واستعملا استعمال الأسماء وأبقي فتحهما ليدل على ما كانا عليه. قال: ويدل عليه ما في الحديث: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال” بالفتح وحكى الوجهين في التهذيب، ولا يستعمل القيل والقال إلا في الشر اهـ (وكثرة السؤال) أي سؤال المال لنفسه من غير حاجة والسؤال عن المشكلات والمعضلات من غير ضرورة وعن أخبار الناس وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله فقد يكره ذلك. فالأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعم الجميع وذلك لأنه اسم جنس محلى بأل فيعم، أما سؤال المال للغير فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفسه لحاجة فلا كراهة بشرط عدم الإلحاح وذل نفسه زيادة على ذل السؤال والمسؤول، فإن فقد شرط حرم. قال الفاكهاني: يتعجب ممن كره السؤال مطلقاً مع وجوده في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وصالحي السلف من غير نكير. قال العلقمي: لعل من كرهه أراد أنه خلاف الأولى ولا يلزم من وقوعه وتقديره تغير صفته، وينبغي حمل السؤال منهم على أنه كان عن حاجة. وفي
[ص 187]
قوله من غير نكير نظر ففي الأحاديث الكثيرة ذم السؤال وفيها كفاية في إنكار ذلك (وإضاعة المال) أي بإنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعاً سواء كانت دينية أو دنيوية، والمنع من إضاعته لأن الله تعالى جعله قياماً لمصالح العباد وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح إما في المبذر أو في حق الغير، ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقاً آخر أهم. قال التقي السبكي في الحلبيات: الضابط في إضاعة المال ألا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإذا انتفيا حرم قطعاً، وإن وجد أحدهما وجوداً له حال وكان الإنفاق لائقاً بالحال ولا معصية فيه جاز قطعاً، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت الضابط، فعلى الفقيه أن يرى فيما لا ينتشر منه رأيه. وأما ما ينتشر فقد تعرض له أحكام، فالإنفاق في المعصية كله حرام، ولا نظر لما يحصل في مطلوبه من اللذة الحسية وقضاء الشهوة النفسية. وأما إنفاقه في مباحات الملاذ فهو موضع اختلاف، وظاهر قوله – والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً – أن الزائد غير اللائق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل كثيراً في غرض يسير عده العقلاء مضيعاً بخلاف عكسه، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والاستقراض والأدب، ومسلم في الأحكام. قال الطيبي: وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو يستتبع جميع الأخلاق الجميلة (قوله منعاً) أي بالتنوين (معناه: منع ما وجب عليه) أي أداؤه (وهات) أي معناه في المشهور (طلب ما ليس له) أي أخذه، وتقدم قول آخر أنه نهي عن مطلق السؤال، ثم هو محتمل لدخوله في النهي بأن يكون خطاباً لاثنين كأن ينهى الطالب عما لا يستحقه وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب لئلا يعينه على الإثم، قاله الحافظ في الفتح، وعليه فيكون المعنى: وكره لك هات سؤالاً وإجابة للسائل بها (وقيل وقال) ظاهره أنهما في الحديث بالبناء على الفتح، ويحتمل أن يكونا مرفوعين: أي والمراد منها شيء واحد ولذا قال (معناه الحديث) اسم مصدر من التحديث (بكل ما يسمعه) من أقوال الناس (فيقول قيل كذا) مما قصد به بيان المحكي ولم يتعلق الغرض بتعيين من صدر عنه ذلك (وقال فلان كذا) مما تعلق الغرض فيه بهما معاً (مما لا يعلم صحته
[ص 188]
ولا يظنها) بيان لما يسمعه (وكفى بالمرء) الظاهر أن الباء مزيدة في المفعول للتأكيد، و(إنما) تمييز وليس مفعولاً ثانياً لأن المتعدي إليهما كفى بمعنى وفي نحو قوله تعالى – وكفى الله المؤمنين القتال – لا بمعنى حسب، بل قد يكون حينئذ لازماً نحو – كفى بالله – ومتعدياً لواحد كالحديث، وقوله (أن يحدث) فاعل كفى أي تحديثه (بكل ما سمع) من غير تثبت واحتياط وقدمت في حديث: “كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته” في باب النفقة على العيال، عن المظهري أنَّ أن يحبس مبتدأ وكفى خبره مقدماً عليه أو خبر مبتدأ محذوف وظاهر جريان ذلك هنا أيضاً (وإضاعة المال تبذيره) في المصباح: بذرت الكلام: فرقته، وبذرته بالتثقيل مبالغة وتكثير، ومنه اشتق التبذير في المال لأنه تفريق في غير القصد اهـ (وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها) من إتلاف أو في معصية، وقوله (من مقاصد الآخرة والدنيا) بيان للوجوه المأذون فيها (وترك حفظه) معطوف على تبذيره لأوليته أو على صرفه لقربه، وإنما يكون ترك الحفظ إضاعة للمال إذا كان (مع إمكان الحفظ) أما إذا عمَّ الحريق أو النهب وما تمكن من حفظه فضاع عليه بذلك فلا يدخل في الإضاعة (وكثرة السؤال: الإلحاح) فيه (إلا لحاجة إليه) من مال أو علم، وظاهره أنه لا منع من سؤال خال عن الإلحاح لما لا يحتاج إليه وقد تقدم بيان حكم ذلك. والإلحاح بالمهملتين: الإقبال على السؤال مواظباً (وفي الباب) أي تحريم العقوق والقطيعة (أحاديث سبقت في الباب) المعقود (قبله) أي قيل الباب المذكور في قوله وفي الباب (كحديث وأقطع) بصيغة المتكلم (من قطعك) أي من قوله تعالى للرحم: “وأقطع من قطعك” (وحديث: من قطعني قطعه الله).
[ص 189]