شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الأول › الكتاب الأول في الإخلاص › 3 - باب الصبر

ابحث في الصفحة

7- (وعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر) قال في فتح الباري: لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم صاحب القبر، وفي رواية مسلم ما يشعر بأنه ولدها، وصرح به في مرسل يحيى بن أبي كثير عن عبد الرزاق فقال: قد أصيبت بولدها (فقال: اتقي الله واصبري) وفي رواية أبي نعيم في المستخرج “فقال يا أمة الله اتقي الله” قال القرطبي: الظاهر أنها كان في بكائها قدر زائد من نوح وغيره، ولهذا أمرها بالتقوى، قال في فتح الباري: ويؤيده أن في مرسل يحيى بن أبي كثير المذكور “فسمع منها ما يكره، فوقف عليها” وقال الطيبي: قوله اتقي الله توطئة لقوله واصبري، كأنه قال لها: خافي غضب الله إن لم تصبري واصبري ليحصل لك الثواب (فقالت: إليك) اسم فعل بمعنى تنح وابعد (عني فإنك لم تصب) بالبناء للمجهول (بمصيبتي) وفي رواية للبخاري “فإنك خلو من مصيبتي” وهو بكسر الخاء وسكون اللام. ولمسلم “ما تبالي بمصيبتي” ولأبي يعلى من حديث أبي هريرة “أنها قالت: يا عبد الله إني الحراء الثكلى، ولو كنت مصاباً لعذرتني” (ولم) جملة حالية أي خاطبته بذلك غير عارفة أنه النبي صلى الله عليه وسلم (فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية لأبي يعلى “فمر بها رجل فقال لها: هل تعرفينه؟ قالت لا” وللطبراني في الأوسط من طريق عطية عن أنس: أن الذي سألها هو الفضل بن العباس. زاد مسلم في رواية له “فأخذها مثل الموت” أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حياء منه ومهابة (فأتت) للاعتذار (باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين) قال الطيبي: فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، استشعرت خوفاً وهيبة في نفسها وتصورت أنه مثل الملوك له حجاب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته (فقال لم أعرفك) في حديث أبي هريرة: “ولله ما عرفتك” (فقال) صلى الله عليه وسلم (إنما الصبر) أي الذي

[ص 165]

يحمد عليه صاحبه كل الحمد ما كان (عند الصدمة الأولى) أو عند مفاجأة المصيبة. بخلاف ما بعدها فإنه على عود الأيام يسلو، قاله الخطابي. وقال الطيبي: صدر الجواب منه صلى الله عليه وسلم بهذا عن قولها لم أعرفك على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار فإني لا أغضب لغير الله، وانظري إلى نفسك في تفويتك الثواب الجزيل بعدم الصبر عند مفاجأة المصيبة. وقال ابن المنير: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر معتذرة من قولها الصادر عن الحزن، بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال فهو الذي يترتب عليه الثواب: أي كماله اهـ. (متفق عليه) وكذا أخرجه الخمسة إلا النسائي، يعني الشيخين وأبا داود والترمذي فليحرر ذلك، (وفي رواية) أي أخرى (لمسلم تبكي على صبي لها) وهذه الرواية هي المشار إليها في كلام فتح الباري السابق المشعرة بأن صاحب القبر كان ابناً للباكية.