شرح رياض الصالحين، لابن علانالجزء الثاني › [تتمة الكتاب الأول كتاب الإخلاص] › 51 - باب الرجاء

ابحث في الصفحة

5 - (وعن أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما) وقوله (شك الراوي) أي هو الأعمش كما في صحيح مسلم بيان لأن أو للتردد والشك في عين الراوي منهما (ولا يضر الشك في عين الصحابي لأنهم كلهم عدول) من خالط الفتن ومن اعتزلها لأنهم فيها بين مجتهد مصيب فله أجران أو مخطئ فله أجر، وإذا كانوا كذلك فلا غرض في تعيين الراوي منهم. وقد قال علماء الأثر: إذا قال الراوي حدثني فلان أو فلان وهما ثقتان احتج به بلا خلاف، لأن المقصود الرواية عن ثقة سمي وقد حصل. وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادي في الكفاية وذكرها غيره وهي في غير الصحابي، ففي الصحابي أولى لعدالتهم أجمعين، قاله المصنف في شرح مسلم (قال: لما كان يوم) المراد به هنا الزمن: أي زمن (غزوة تبوك) تقدم

[ص 317]

ضبطه وبيان جواز صرفه وعدمه، ووجه تسميته بذلك وبيان تاريخ الغزوة في باب التوبة أول الكتاب (أصاب الناس مجاعة) قال في النهاية: مفعلة من الجوع اهـ. ومقتضى قول الصحاح وقد جاع يجوع جوعاً ومجاعة إنه مصدر ميمي والجوع ضد الشبع (فقالوا: يا رسول الله) استئناف بياني كأنه قيل ماذا قالوا حينئذ؟ فقال قالوا يا رسول الله (لو أذنت لنا) أي في نحر دوابنا المأكولة كما يدل عليه ما بعده، ولو فيه للتمني فلا جواب لها، ويحتمل كونها الشرطية والجواب محذوف: أي لو أذنت لنا في نحرها (فنحرنا نواضحنا) جمع ناضح أصله البعير الذي يستقى عليه الماء، قال في المصباح: ثم استعمل في كل بعير وإن لم ينضح عليه ومنه حديث: “أطعمه ناضحك” أي بعيرك. قلت: وما هنا محتمل لذلك (فأكلنا) لحومها (وادهنا) من شحومها. وقال صاحب التحرير: ليس المقصود منه ما هو المعروف من الإدهان، إنما معناه لو اتخذنا من شحومها لارتفقنا بذلك أو لكان خيراً أو لكان صواباً أو رأياً مبيناً أو مصلحة ظاهرة وما أشبه ذلك، وعلى كونها شرطية محذوفة الجواب جرى المصنف في شرح مسلم، ثم قال: وقولهم: “لو أذنت لنا” هذا من أحسن أدب خطاب الكبار والسؤال منهم، وهو أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر، وفيه أنه لا ينبغي للعسكر أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بدون إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة أو رأى مفسدة ظاهرة اهـ (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا) وذلك مراعاة لمصلحتهم وتقديم الأهم فالأهم وارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما (فجاء عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر) أي الدواب، سميت بذلك لكونها يركب على ظهورها أو لكونه يستظهر بها ويستعان بها على السفر، وإسناد فعلهم وهو نحرها إليه مجاز عقلي لكونه عن أمره فهو كقولهم: بنى الأمير المدينة. وفي الخبر جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه (ولكن) استدراك عن معنى الكلام السابق: أي لا تنظر لمصلحتهم بذلك لئلا يقل الظهر ولكن انظر إليها بوجه آخر. وهو قوله (ادعهم بفضل أزوادهم) متعلق ظرف أي يأتون به والجملة في محل الحال والفضل بفتح الفاء وسكون الضاد مصدر

[ص 318]

فضل يفضل كنصر لينصر وجاء كنعت ينعت وهو البقية: أي بالباقي من أزوادهم وزاد المسافر: طعامه المتخذ لسفره (ثم ادع الله لهم عليها بالبركة) أتى بثم إشارة إلى تراخي اجتماعه وانضمامه عن أمرهم لذلك الذي عندهما يكون الدعاء (لعل الله أن يجعل في ذلك) قال المصنف: كذا وقع في الأصول التي رأينا وفيه محذوف تقديره: يجعل في ذلك بركة أو خيراً، فحذف المفعول به لأنه فضله، وأصل البركة كثرة الخير وثبوته، وتبارك الله ثبت الخير عنده (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم) بفتح أوليه وهي هنا لكونها بعض الطلب للوعد فهو وعد منه صلى الله عليه وسلم بفعل ذلك لتصويبه له (فدعا بنطع) فيه أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء وبفتحها وفتح النون وكسرها مع سكون الطاء فيهما حكاه المصنف في شرح مسلم ولم يبين معناه، وكأنه لوضوحه قال في المصباح: هو المتخذ من الأديم معرف اهـ (فبسطه) أي نشره (ثم دعا بفضل) أي بقية (أزوادهم قال) أي الصحابي الراوي (فجعل الرجل يجيء بكف) أي بمثله (ذرة) بتخفيف الراء: نوع من الحبوب معروف قال (ويجيء الآخر) بفتح الخاء المعجمة: أي غير من قبله (بكف تمر) بفتح المثناة الفوقية، والإضافة فيه وفيما قبله بيانية من إضافة المميز إلى تمييزه كخاتم حديد إذ المراد بالكف هنا ملؤه كما قدرنا (ويجيء الآخر بكسرة) بكسر الكاف: القطعة المكسورة من الشيء ومنه كسرة الخبز وجمعه كسر كسدرة وسدر كذا في المصباح (حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير) حتى في غاية المقدر: أي جمعوا حتى اجتمع (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة) في الإتيان بالفاء إيماء إلى مزيد اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشأن أمته وبما ينفعهم (ثم قال: خذوا في أوعيتكم) أي واجعلوه: أي المأخوذ في أوعيتكم، فمتعلق

[ص 319]

الظرف محذوف. والأوعية بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر العين المهملة جمع وعاء، وهو ما يوعى فيه الشيء: أي يجمع (فأخذوا في أوعيتهم حتى) عاطفة على عموم الآنية (ما) ما تركوا (في العسكر) وهو الجيش. قال ابن الجواليقي: فارسي معرب كما في المصباح (وعاء إلا ملئوه وأكلوا) أي بعد ملء الأواعي (حتى شبعوا وفضل فضلة) تقدم انه يجوز فتح العين في الغابر وضمها في المضارع وكسرها في الماضي وفتحها في المضارع، وهما كما قال المصنف لغتان مشهورتان، وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمن باب التداخل (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فيه بيان كيفية إتيانه بشهادته لنفسه بالرسالة، وجاء أنه أذن فقال: “وأشهد أن محمداً رسول الله” قال: وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يجب عليه الإيمان برسالته ونبوته (لا يلقى الله بهما عبد) بعد موته (غير شاك) يجوز رفعه صفة للعبد، وهو الذي رأيته في أصل المصحح ونصبه حالاً منه لتقدم النفي عليه، والمراد به إخراج المنافقين ممن قال ذلك بلسانه غير موقن بمضمونه بجنانه (فيحجب) بالنصب: أي فيمنع (عن الجنة) بل لا بد من دخولها، إما ابتداء مع الناجين، أو بعد إخراج من النار (رواه مسلم) في كتاب الإيمان.