فتاوى ابن تيميةالجزء 1 › [--] › فصل والسعادة فى معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم فى الله وتخافه فيهم ولا تخافهم فى الله وتحسن اليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم وتكف عن ظلمهم خوفا من الله لا منهم كما جاء فى الأثر (أرج الله فى الناس ولا ترج الناس فى الله وخف الله فى الناس ولا تخف الناس فى الله (أى لا تفعل شيئا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم لا رجاء مدحهم ولا خوفا من ذمهم بل إرج الله ولا تخفهم فى الله فيما تأتى وما تذر بل إفعل ما أمرت به وإن كرهوه وفى الحديث (إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله أو تذمهم على ما لم يؤتك الله (فإن اليقين يتضمن اليقين فى القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما فى أيديهم من الدنيا فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب فى الدنيا والآخرة فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم وذلك من ضعف اليقين

ابحث في الصفحة

خلق كثير وهم لا يهنون فيكون ذكر الكثرة مناسبا لأن من قتل مع الأنبياء كثير وقتل الكثير من الجنس يقتضى الوهن فما وهنوا وإن كانوا كثيرين ولو وهنوا دل على ضعف إيمانهم ولم يقل هنا ولم ينقلبوا على أعقابهم فلو كان المراد أن نبيهم قتل لقال فإنقلبوا على أعقابهم لأنه هو الذى أنكره إذا مات النبى أو قتل فأنكر سبحانه شيئين الإرتداد إذا مات أو قتل والوهن والضعف والإستكانة لما أصابهم فى سبيل الله من إستيلاء العدو ولهذا قال (فما وهنوا لما أصابهم) الخ ولم يقل فما وهنوا لقتل النبى ولو قتل وهم أحياء لذكر ما يناسب ذلك ولم يقل (فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله) ومعلوم إنما يصيب فى سبيل الله فى عامة الغزوات لا يكون قتل نبى

وأيضا فكون النبى قاتل معه أو قتل معه ربيون كثير لا يستلزم أن يكون النبى معهم فى الغزاة بل كل من اتبع النبى وقاتل على دينه فقد قاتل معه وكذلك كل من قتل على دينه فقد قتل معه وهذا الذى فهم الصحابة فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا البلاد شاما ومصرا وعراقا ويمنا وعربا وعجما وروما ومغربا ومشرقا وحينئذ فظهر كثرة من قتل معه فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون ويكون فى هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة فإنهم كلهم يقاتلون مع النبى صلى الله عليه وسلم على دينه وإن كان قد مات والصحابة الذين يغزون فى السرايا والنبى ليس معهم كانوا معه يقاتلون وهم داخلون فى قوله {محمد رسول الله والذين معه} الآية وفى قوله} والذين آمنوا من بعد وهاجروا