ص (145) (قال) الشيخ الإمام الأجل الزاهد الأستاذ شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي كان شيخنا الإمام يقول: الاستحسان ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يبتلى فيه الخاص والعام، وقيل الأخذ بالسعة وابتغاء الدعة وقيل الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة، وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر وهو أصل في الدين قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال - صلى الله عليه وسلم - : (خير دينكم اليسر) وقال لعلي ومعاذ - رضي الله تعالى عنهما - حين وجههما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا وقربا ولا تنفرا) وقال - صلى الله عليه وسلم - : (ألا إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغّضوا عباد الله عبادة الله فإن المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)
والقياس والاستحسان في الحقيقة قياسان :
أحدهما جلي ضعيف أثره فسمي قياساً والآخر خفي قوي أثره فسمي استحساناً أي قياساً مستحسناً فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والظهور كالدنيا مع العقبى فإن الدنيا ظاهرة والعقبى باطنة وترجحت بالصفاء والخلود وقد يقوى أثر القياس في بعض الفصول فيؤخذ به وهو نظير الاستدلال مع الطرد فإنه صحيح والاستدلال بالمؤثر أقوى منه، والأصل فيه قوله تعالى: { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} والقرآن كله حسن ، ثم أمر باتباع الأحسن وبيان هذا:
أن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (المرأة عورة مستورة) ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة فكان ذلك استحساناً لكونه أرفق بالناس كما قلنا، والكرخي - رحمه الله تعالى - في كتابه ذكر مسائل هذا الكتاب وسماه كتاب الحظر والإباحة لما فيه من بيان ما يحل ويحرم من المس والنظر ولو سماه كتاب الزهد والورع كان مستقيماً لأنه بيَّن فيه غض البصر وما يحل ويحرم من المس والنظر وهذا ص (146) هو الزهد والورع، ثم بدأ الكتاب بمسائل النظر وهو ينقسم أربعة أقسام:
نظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل، والرجل إلى المرأة، أما بيان القسم الأول فإنه يجوز للرجل أن ينظر إلى الرجل إلا إلى عورته وعورته ما بين سرته حتى يجاوز ركبتيه لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته) وفي رواية: (ما دون سرته حتى يجاوز ركبته) وبهذا تبين أن السرة ليست من العورة بخلاف ما يقوله أبو عصمة سعد بن معاذ أنه أحد حدي العورة فيكون من العورة كالركبة بل هو أولى لأنه في معنى الاشتهاء فوق الركبة
(وحجتنا) في ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، وقال أبو هريرة للحسن - رضي الله عنهما - أرني الموضع الذي كان يقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك فأبدى عن سرته فقبلها أبو هريرة - رضي الله عنه - ، والتعامل الظاهر فيما بين الناس أنهم إذا اتزروا في الحمامات أبدوا عن السرة من غير نكير منكر دليل على أنه ليس بعورة، فأما ما دون السرة عورة في ظاهر الرواية للحديث الذي روينا وكان أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله تعالى - يقول إلى موضع نبات الشعر ليس من العورة أيضاً لتعامل العمال في الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار، وفي النزع عن العادة الظاهرة نوع حرج وهذا بعيد لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبر وإنما يعتبر فيما لا نص فيه فأما الفخذ عورة عندنا وأصحاب الظواهر يقولون: العورة من الرجل موضع السرة وأما الفخذ ليس بعورة لقوله تعالى: {بدت لهما سوءاتهما} والمراد منه العورة، وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حائط رجل من الأنصار وقد دلى ركبته في ركية وهو مكشوف الفخذ إذ دخل أبو بكر - رضي الله عنه - فلم يتزحزح ثم دخل عمر - رضي الله عنه - فلم يتزحزح، ثم دخل عثمان - رضي الله عنه - فتزحزح وغطى فخذه فقيل له في ذلك فقال: (ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة) فلو كان الفخذ من العورة لما كشفه بين يدي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -
(وحجتنا) في ذلك ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يقال له جرهد وهو يصلي مكشوف الفخذ فقال له - عليه الصلاة والسلام - : (وار فخذك أما علمت أن الفخذ عورة) وحديث عمرو بن شعيب - رضي الله عنه - نص فيه، فأما الحديث الذي رواه فقد ذكر في بعض الروايات أنه مكشوف الركبة، ثم تأويله أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - حين دخلا جلسا في موضع لم يقع بصرهما ص (147) على الموضع الذي كان مكشوفاً منه فلما دخل عثمان - رضي الله عنه - لم يبق إلا موضع لو جلس فيه وقع بصره على ركبته فلهذا غطاه، فأما الآية فالمراد بالسوأة العورة الغليظة وبه نقول أن العورة الغليظة هي السوأة ولكن حكم العورة ثبت فيما حول السوأتين باعتبار القرب من موضع العورة فيكون حكم العورة فيه أخف فأما الركبة فهي من العورة عندنا
وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - ليست من العورة لحديث أنس - رضي الله عنه - ما أبدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركبته بين يدي جليس قط وإنما قصد بها ذكر الشمائل فلو كانت الركبة من العورة لم يكن هذا من جملة الشمائل لأن ستر العورة فرض ولأنه حد العورة فلا يكون من العورة كالسرة وهذا لأن الحد لا يدخل في المحدود
(وحجتنا) في ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الركبة من العورة) وما ذكر في حديث عمرو بن شعيب حتى تجاوز الركبة دليل على أن الركبة من العورة، ولأن الركبة ملتقى عظم الساق والفخذ وعظم الفخذ عورة وعظم الساق ليس بعورة فقد اجتمع في الركبة المعنى الموجب لكونها عورة وكونها غير عورة فترجح الموجب لكونها عورة احتياطاً
قال - صلى الله عليه وسلم - : (ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال) فأما حديث أنس - رضي الله عنه - فالمروي: ما مد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجليه بين يدي جليس قط. وهذا من الشمائل، وإبداء الركبة على ما ذكر في بعض الروايات كناية عن هذا المعنى أيضاً، ثم حكم العورة في الركبة أخف منه في الفخذ لتعارض المعنيين فيه ولهذا قلنا: من رأى غيره مكشوف الركبة ينكر عليه برفق ولا ينازع عليه إن لج وإن رآه مكشوف الفخذ أنكر عليه بعنف ولا يضربه إن لجَّ وإن رآه مكشوف العورة أمره بسترها وأدبه على ذلك إن لجَّ.
وما يباح إليه النظر من الرجل فكذلك المسّ لأن ما ليس بعورة يجوز مسه كما يجوز النظر إليه فأما نظر المرأة إلى المرأة فهو كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجالسة ألا ترى أن المرأة تغسل المرأة بعد موتها كما يغسل الرجل الرجل وقد قال بعض الناس نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه حتى لا يباح لها النظر إلى ظهرها وبطنها لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى النساء من دخول الحمامات بمئزر وبغير مئزر وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: امنعوا النساء من دخول الحمامات إلا مريضة أو نفساء ولتدخل مستترة ولكنا نقول المراد منع النساء من الخروج وبالقرار في البيوت وبه نقول والعرف الظاهر ص (148) في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات دليل على صحة ما قلنا وحاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال لأن المقصود تحصيل الزينة والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل ويتمكن الرجل من الاغتسال في الأنهار والحياض والمرأة لا تتمكن من ذلك.
فأما نظر المرأة إلى الرجل فهو كنظر الرجل إلى الرجل لما بينا أن السرة وما فوقها وما تحت الركبة ليس بعورة من الرجل وما لا يكون عورة فالنظر إليه مباح للرجال والنساء كالثياب وغيرها، وأشار في كتاب الخنثى إلى أن نظر المرأة إلى الرجل كنظر الرجل إلى ذوات محارمه حتى لا يباح لها أن تنظر إلى ظهره وبطنه لأنه قال: الخنثى لا ينكشف بين الرجال ولا بين النساء ووجه ذلك أن حكم النظر عند اختلاف الجنس غلظ، ألا ترى أنه لا يباح للمرأة أن تغسل الرجل بعد موته، ولو كانت هي في النظر كالرجل لجاز لها أن تغسله بعد موته وإنما يباح النظر إلى هذه المواضع إذا علم أنه لا يشتهى إن نظر ولا يشك في ذلك، فأما إذا كان يعلم أنه يشتهى أو كان على ذلك أكبر رأيه فلا يحل له النظر لأن النظر عن شهوة نوع زنا قال - صلى الله عليه وسلم - : (العينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذب) والزنا حرام بجميع أنواعه وقال - صلى الله عليه وسلم - : (النظر عن شهوة سهم من سهام الشيطان)
فأما نظر الرجل إلى المرأة فهو ينقسم إلى أربعة أقسام نظره إلى زوجته ومملوكته ونظره إلى ذوات محارمه ونظره إلى إماء الغير ونظره إلى الحرة الأجنبية فأما نظره إلى زوجته ومملوكته فهو حلال من قرنها إلى لا قدمها عن شهوة أو عن غير شهوة لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: غض بصرك إلا عن زوجتك وأمتك. وقالت عائشة - رضي الله عنها - كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد وكنت أقول بقِّ لي وهو يقول بقي لي. ولو لم يكن النظر مباحا ما تجرد كل واحد منهما بين يدي صاحبه ولأن ما فوق النظر وهو المس والغشيان حلال قال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم...} الآية إلا أن مع هذا الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما رأيت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رأى مني مع طول صحبتي إياه. وقال - صلى الله عليه وسلم - : (إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع ولا يتجردان تجرد العير) ولأن النظر إلى العورة يورث النسيان، وفي شمائل الصديق ص (149) رضي الله عنه - ما نظر إلى عورته قط ولا مسها بيمينه. فإذا كان هذا في عورة نفسه فما ظنك في عورة الغير.
وكان ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - يقول: الأولى أن ينظر ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة فأما نظره إلى ذوات محارمه فنقول يباح له أن ينظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنه لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن.. } الآية ولم يرد به عين الزينة فإنها تباع في الأسواق ويراها الأجانب ولكن المراد منه موضع الزينة وهي الرأس والشعر والعنق والصدر والعضد والساعد والكف والساق والرجل والوجه فالرأس موضع التاج والإكليل والشعر موضع القصاص والعنق موضع القلادة والصدر كذلك، فالقلادة والوشاح قد ينتهي إلى الصدر والأذن موضع القرط والعضد موضع الدملوج والساعد موضع السوار والكف موضع الخاتم والخضاب والساق موضع الخلخال والقدم موضع الخضاب وجاء في الحديث أن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - دخلا على أم كلثوم وهي تمتشط فلم تستتر، ولأن المحارم يدخل بعضهم على بعض من غير استئذان ولا حشمة والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها عادة ولا تكون مستترة فلو أمرها بالتستر من ذوي محارمها أدى إلى الحرج وكما يباح النظر إلى هذه المواضع يباح المس لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل فاطمة - رضي الله عنها - ويقول أجد منها ريح الجنة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بها فعانقها وقبل أبو بكر رأس عائشة - رضي الله عنهما - وقال - صلى الله عليه وسلم - : [إن(1)] من قبل رجل أمّه فكأنما قبل عتبة الجنة. وقال محمد بن المنكدر - رحمه الله - بتُّ أغمز رجل أمي وبات أخي أبو بكر يصلي وما أحب ليلتي بليلته ولكن إنما يباح المس والنظر إذا كان يأمن الشهوة على نفسه وعليها فأما إذا كان يخاف الشهوة على نفسه أو عليها فلا يحل له ذلك لما بينا أن النظر عن شهوة والمس عن شهوة نوع زنا وحرمة الزنا بذوات المحارم أغلظ وكما لا يحل له أن يعرض نفسه للحرام لا يحل له أن يعرضها للحرام فإذا كان يخاف عليها فليجتنب ذلك ولا يحل له أن ينظر إلى ظهرها وبطنها ولا أن يمس ذلك منها،
وقال الشافعي - رحمه الله - في القديم لا بأس بذلك وجعل حالهما كحال الجنس في النظر وهذا ليس بصحيح فإن حكم الظهار ثابت بالنص وصورته أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. وهو منكر من القول لما فيه من تشبيه المحللة بالمحرمة فلو كان النظر إلى ظهر الأم حلالاً له لكان هذا تشبيه محللة بمحللة وإذا ثبت هذا في الظهر يثبت في البطن لأنه أقرب إلى المأتى وإلى أن يكون مشتهى منها والجنبان كذلك
ص (150) وذوات المحارم بالنسب كالأمهات والجدات والأخوات وبنات الأخ وبنات الأخت وكل امرأة هي محرمة عليه بالقرابة على التأبيد فهذا الحكم ثابت في حقها وكذلك المحرمة بالرضاع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ولحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله إن أفلح ابن أبي قعيس يدخل عليَّ وأنا في ثياب فضل فقال ليلج عليك أفلح فإنه عمك من الرضاعة.
وإن عبد الله بن الزبير كان يدخل على زينب بنت أم سلمة وهي تمتشط فيأخذ بقرون رأسها ويقول أقبلي عليَّ وكانت أخته من الرضاعة، ولأن الرضاع لما جعل كالنسب في حكم الحرمة فكذلك في حل المس والنظر وكذلك المحرمة بالمصاهرة لأن الله تعالى سوى بينهما بقوله: {فجعله نسباً وصهرا} إلا أن مشايخنا - رحمهم الله تعالى - يختلفون فيما إذا كان ثبوت حرمة المصاهرة بالزنا فقال بعضهم: لا يثبت به حل المس والنظر، لأن ثبوت الحرمة بطريق العقوبة على الزاني لا بطريق النعمة ولأنه قد جرب مرة فظهرت خيانته فلا يؤمن ثانية والأصه أنه لا بأس بذلك لأنها محرمة عليه على التأبيد فلا بأس بالنظر إلى محاسنها كما لو كان ثبوت حرمة المصاهرة بالنكاح ولا يجوز أن يقال ثبوت الحرمة بطريق العقوبة هناك لأنا إنما نثبت الحرمة هناك بالقياس على النكاح فإذا جعلناها بطريق العقوبة لم تكن تلك الحرمة وإثبات الحرمة ابتداء بالرأي لا يجوز ثم لا يحل له أن يخلو بهؤلاء وان يسافر بهن لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (ألا لا يخلون رجل بامرأة ليس منها بسبيل فإن ثالثهما الشيطان) معناه ليست بمحرم له فدل أنه يباح له أن يخلو بذوات محارمه ولكن بشرط أن يأمن على نفسه وعليها لما روي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه خرج من بيته مذعوراً فسئل عن ذلك فقال: خلوت بابنتي فخشيت على نفسي فخرجت. وكذلك المسافرة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها) فدلَّ أنه لا بأس بأن تسافر مع المحرم وإن احتاج إلى أن يعالجها في الإركاب والإنزال فلا بأس أن يمسها وراء ثيابها ويأخذ بظهرها وبطنها لما روي أن محمد بن أبي بكر - رضي الله عنهما - أدخل يده في هودج عائشة - رضي الله عنها ليأخذها من الهودج فوقعت يده على صدرها فقالت من الذي وضع يده على موضع لم يضعه أحد إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا أخوك.
وروي أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمي كانت سيئة الخلق فغضب وقال: أكانت سيئة الخلق حين ص (151) حملتك أكانت سيئة الخلق حين أرضعتك حولين.. الحديث إلى أن قال ارجل أرأيت لو حملتها على عاتقي وحججت بها أكنت قاضياً حقها فقال: لا ولا طلقة.
ورأى ابن عمر - رضي الله عنه - في موضع الطواف رجلاً قد حمل أمه على عاتقه يطوف بها فلما رأى ابن عمر - رضي الله عنهما - ارتجز فقال:
أنا لها بعيرها المذلل * إذا الركاب ذعرت لم أذعر
حملتها ما حملتني أكثر * فهل ترى جازيتها يا ابن عمر
فقال: لا ولا طلقة يا لكع، ولأن بسبب الستر ينعدم معنى العورة وبالمحرمية ينعدم معنى الشهوة فلا بأس بحملها ومسها في الإركاب والإنزال كما في حق الجنس، وأما النظر إلى إماء الغير والمدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن...} الآية وقد كانت الممازحة مع إماء الغير عادة في العرب فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء فدل أن الإماء لا تتخذ الجلباب وكان عمر - رضي الله عنه - إذا رأى أمة متقنعة علاها بالدرَّة وقال: ألقي عنك الخمار يا دفار. وقال عمر - رضي الله عنه - أن الأمة ألقت قرونها من وراء الجدار أي لا تتقنع قال أنس - رضي الله عنه - كن جواري عمر - رضي الله عنه - يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس مضطربات البدن ولأن الأمة تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها وإنما تخرج في ثياب مهنتها وحالها مع جميع الرجال في معنى البلوى بالنظر والمس كحال الرجل في ذوات محارمه ولا يحل له ان ينظر إلى ظهرها وبطنها كما في حق ذوات المحارم وكان محمد بن مقاتلالرازي يقول: لا ينظر إلى ما بين سرتها إلى ركبتها ولا بأس بالنظر إلى ما وراء ذلك لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث طويل قال: ومن أراد أن يشتري جارية فلينظر إليها إلا إلى موضع المئزر ولكن تأويل هذا الحديث عندنا أن المرأة قد تتزر على الصدر فهو مراد ابن عباس - رضي الله عنه - وكل ما يباح النظر إليه منها يباح مسه منها إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه مرَّ بجارية تباع فضرب في صدرها ومس ذراعها ثم قال اشتروا فإنها رخيصة، فهذا ونحوه لا بأس به لمن يريد الشراء أو لا يريد وهذا لأنه بمنزلة ذوات المحارم في حكم المس ولأنه كما يحتاج إلى النظر يحتاج إلى المس ليعرف لين بشرتها فيرغب في شرائها وتحل الخلوة والمسافرة بينهما كما في ذوات المحارم إلا أن عند بعض مشايخنا ص (152) - رحمهم الله تعالى - ليس له أن يعالجها في الإركاب والإنزال لأن معنى العورة وإن انعدم بالستر فمعنى الشهوة باق فيها فإنها ممن يحل له والأصح انه لا بأس بذلك إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها ولأن المولى قد يبعثها في حاجته من بلد إلى بلد ولا تجد محرماً ليسافر معها وهي تحتاج إلى من يركبها وينزلها فلا بأس بذلك وكذلك لا بأس بأن يخلو بها كالمحارم، ألا ترى أن جارية المرأة قد تغمز رجل زوجها وتخلو به ولا يمتنع احد من ذلك والمدبرة وأم الولد والمكاتبة في هذا كالأمة القنَّة لقيام الرق فيهن والمستسعاة في بعض القيمة، كذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لأنها بمنزلة المكاتب، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا بلغت الأمة لم ينبغ أن تعرض في إزار واحد.
قال محمد: وكذلك إذا بلغت أن تجامع وتشتهى لأن الظهر والبطن منها عورة لمعنى الاشتهاء فإذا صارت مشتهاة كانت كالبالغة لا تعرض في إزار واحد فأما النظر إلى الأجنبية فنقول: يباح النظر إلى كوضع الزينة الظاهرة منهن دون الباطنة لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} وقال علي وابن عباس - رضي الله عنهم - ما ظهر منها الكحل والخاتم وقالت عائشة - رضي الله عنها - إحدى عينيها. وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - : خفها وملاءتها، واستدل في ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (النساء حبائل الشيطان بهن يصيد الرجال) وقال - صلى الله عليه وسلم - : (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وجرى في مجلسه - صلى الله عليه وسلم - يوم ما خير ما للرجال من النساء وما خير ما للنساء من الرجال، فلما رجع علي - رضي الله عنه - إلى بيته أخبر فاطمة - رضي الله عنها - بذلك فقالت: خير ما للرجال من النساء أن لا يراهن وخير ما للنساء من الرجال أن لا يرينهن، فلما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك قال: هي بضعة مني. فدل أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة وعامة محاسنها في وجهها فخوف الفتنة في النظر إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء، وبنحو هذا تستدل عائشة - رضي الله تعالى عتها - ولكنها تقول هي لا تجد بداً من أن تمشي في الطريق فلا بد من أن تفتح عينها لتبصر الطريق فيجوز لها أن تكشف إحدى عينيها لهذه الضرورة والثابت في الضرورة لا يعدوا موضع الضرورة ولكنا نأخذ بقول علي وابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها من ذلك ما روي أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى وجهها فلم ير فيها رغبة، ولما قال عمر - رضي الله عنه - في خطبته: ألا لا تغالوا في أصدقة ص (153) النساء فقالت امرأة سفعاء الخدين أنت تقوله برأيك أم سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنا نجد في كتاب الله تعالى بخلاف ما تقول قال الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} فبقي عمر - رضي الله عنه - باهتاً وقال: كل الناس أفقه من عمر حتى النساء في البيوت، فذكر الراوي أنها كانت سفعاء الخدين وفي هذا بيان أنها كانت مسفرة عن وجهها،
ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف امرأة غير مخضوب فقال: أكف رجل هذا؟ ولما ناولت فاطمة - رضي الله عنها - أحد ولديها بلالاً أو أنساً - رضي الله عنهما - قال أنس: رأيت كفها كأنه فلقة قمر فدل أنه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكف فالوجه موضع الفتنة والكف موضع الخاتم والخضاب وهو معنى قوله تعالى: {إلا ما ظهر منها} وخوف الفتنة قد يكون بالنظر إلى ثيابها أيضاً قال القائل:
وما غرني الإخضاب بكفها * وكحل بعينيها وأثوابها الصفر
ثم لا شك أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك فكذلك إلى وجهها وكفها
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضاً وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كها في الأخذ والإعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو متنعلة وربما لا تجد الخف في كل وقت، وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضاً لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها قيل وكذلك يباح النظر إلى ثناياها أيضاً لأن ذلك يبدو منها في التحدث مع الرجال وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر إلى شيء منها لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (من نظر إلى محاسن أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة) وقال لعلي - رضي الله عنه - : (لا تتبع النظرة بعد النظرة فإن الأولى لك والأخرى عليك) يعني بالأخرى أن يقصدها عن شهوة
وجاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نظرت إلى امرأة فاشتهيتها فأتبعتها بصري فأصاب رأسي جداراً فقال - صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبد خيراً عجل عقوبته في الدنيا) وكذلك إن كان أكبر رأيه أنه إن نظر اشتهى لأن أكبر الرأي فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين وذلك فيما هو مبني على الإحتياط وكذلك لا يباح لها أن تنظر إليه إذا كانت تشتهي أو كان على ذلك أكبر رأيها لما روي ان ابن أم مكتوم استأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عائشة ص (154) وحفصة - رضي الله عنهما - فقال لهما: احتجبا فقالتا: إنه أعمى يا رسول الله، فقال: أوأعميان أنتما؟ ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفها
وإن كان يأمن الشهوة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : (من مس كف امرأة ليس منها بسبيل وضع في كفه جمرة يوم القيامة حتى يفصل بين الخلائق) ولأن حكم المس أغلظ حتى أن المس عن شهوة يثبت حرمة المصاهرة والنظر إلى غير الفرج لا يثبت، والصوم يفسد بالمس عن شهوة إذا اتصل به الإنزال ولا يفسد بالنظر فالرخصة في النظر لا يكون دليل الرخصة في المس والبلوى التي تتحقق في النظر تتحقق في المس أيضاً.
وعلى هذا نقول للمرأة الحرة أن تنظر إلى ما سوى العورة من الرجل ولا يحل لها أن تمس ذلك منه لأن حكم المس أغلظ وهذا إذا كانت شابة تشتهي فإذا كانت عجوزاً لا تشتهي فلا بأس بمصافحتها ومس يدها لمل روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصافح العجائز في البيعة ولا يصافح الشابات ولكن كان يضع يده في قصعة ماء ثم تضع المرأة يدها فيها فذلك بيعتها إلا أن عائشة - رضي الله عنها - أنكرت هذا الحديث وقالت: من زعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مس امرأة أجنبية فقد أعظم الفرية عليه،
وروي أن أبا بكر الصديق - رضي اله عنه - كان في خلافته يخرج إلى بعض القبائل التي كان مسترضعاً فيها فكان يصافح العجائز،
ولما مرض الزبير - رضي الله عنه - بمكة استأجر عجوزاً لتمرضه فكانت تغمز رجليه وتفلي رأسه ولأن الحرمة لخوف الفتنة فإذا كانت ممن لا تشتهى فخوف الفتنة معدوم وكذلك إن كان هو شيخاً يأمن على نفسه وعليها فلا بأس بأن يصافحها، وإن كان لا يأمن عليها أن تشتهي لم يحل له أن يصافحها فيعرضها للفتنة، كما لا يحل له ذلك إذا خاف على نفسه،
فأما النظر إليها عن شهوة لا يحل بحال إلا عند الضرورة وهو ما إذا دعي إلى الشهادة عليها أو كان حاكماً ينظر ليوجه الحكم عليها بإقرارها أو بشهادة الشهود على معرفتها لأنه لا يجد بداً من النظر في هذا الموضع والضرورات تبيح المحظورات، ولكن عند النظر ينبغي أن يقصد أداء الشهادة أو الحكم عليها ولا يقصد قضاء الشهوة لأنه لو قدر على التحرز فعلاً كان عليه أن يتحرز فكذلك عليه أن يتحرز بالنية إذا عجز عن التحرز فعلاً، كما لو تترس المشركون بأطفال المسلمين فعلى من يرميهم أن يقصد المشركين وإن كان يعلم أنه يصيب المسلم،
واختلفوا فيما إذا دعي إلى تحمل الشهادة وهو يعلم أنه إن نظر إليها اشتهى، فمنهم من جوز له ذلك أيضاً بشرط أن يقصد تحمل الشهادة لا قضاء الشهوة، ألا ترى أن شهود الزنا لهم أن ينظروا إلى موضع العورة على قصد ص (155) تحمل الشهادة والأصح أنه لا يحل له ذلك لأنه لا ضرورة عند التحمل فقد يوجد من يتحمل الشهادة ولا يشتهي بخلاف حالة الأداء فقد التزم هذه الأمانة بالتحمل وهو متعين لأدائها،
وكذلك إن كان أراد أن يتزوجها فلا بأس بأن ينظر إليها وإن كان يعلم أنه يشتهيها لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمغيرة بن شعبة لما أراد أن يتزوج امرأة: أبصرها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما.
وكان محمد بن أم سلمة يطالع بنية تحت أجار لها فقيل له: أتفعل ذلك وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا ألقى الله خطبة امرأة في قلب رجل أحل له النظر إليها. ولأن مقصوده إقامة السنة لا قضاء الشهوة وإنما يعتبر ما هو المقصود لا ما يكون تبعاً
وإن كان عليها ثياب فلا بأس بتأمل جسدها لأن نظره إلى ثيابها لا إلى جسدها فهو كما لو كانت في بيت فلا بأس بالنظر إلى جدرانه، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى امرأة عليها شارة حسنة فدخل بيته ثم خرج وعليه أثر الاغتسال فقال: إذا هاجت بأحدكم الشهوة فليضعها فيما أحل الله له. وهذا إذا لم تكن ثيابها بحيث تلصق في جسدها وتصفها حتى يستبين جسدها فإن كان كذلك فينبغي له أن يغض بصره عنها لما روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: لا تلبسوا نساءكم الكتان ولا القباطي فإنها تصف ولا تشف. وكذلك إن كانت ثيابها رقيقة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لعن الله الكاسيات العاريات) يعني الكاسيات الثياب الرقاق اللاتي كأنهن عاريات،
وقال - صلى اله عليه وسلم - : (صنفان من أمتي في النار رجال بأيديهم السياط كأنها أذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات متمايلات كأسنمة البخت) ولأن مثل هذا الثوب لا يسترها فهو كشبكة عليها فلا يحل له النظر إليها وهذا فيما إذا كانت في حد الشهوة فإن كانت صغيرة لا يشتهى مثلها فلا بأس بالنظر إليها ومن مسها لأنه ليس لبدنها حكم العورة ولا في النظر والمس معنى خوف الفتنة
والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل زب الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - وهما صغيران وروي أنه كان يأخذ ذلك من أحدهما فيجره والصبي يضحك ولأن العادة الظاهرة ترك التكلف لستر عورتها قبل أن تبلغ حد الشهوة، وأما النظر إلى العورة حرام لما روي عن سلمان - رضي الله عنه - قال: لأن أخر من السماء فأنقطع نصفين أحب إليَّ من أن أنظر إلى عورة احد أو ينظر أحد إلى عورتي، ولما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوعيد ص (156) في كشف العورة قيل: يا رسول الله فإذا كان أحدنا خالياً؟ فقال: إن الله أحق أن يستحى منه.
وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إبل الصدقة فرأى راعيها تجرد في الشمس فعزله وقال: لا يعمل لنا من لا حياء له. ولكن مع هذا إذا جاء العذر فلا بأس بالنظر إلى العورة لأجل الضرورة فمن ذلك أن الخاتن ينظر ذلك الموضع والخافضة كذلك تنظر لأن الختان سنة وهو من جملة الفطرة في حق الرجال لا يمكن تركه وهو مكرمة في حق النساء أيضاً، ومن ذلك عند الولادة المرأة تنظر إلى موضع الفرج وغيره من المرأة لأنه لا بد من قابلة تقبل الولد وبدونها يخاف على الولد وقد جوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة القابلة على الولادة فذاك دليل على أنه يباح لها النظر، وكذلك ينظر الرجل إلى موضع الإحتقان عند الحاجة أما عند المرض فلأن الضرورة قد تحققت والإحتقان من المداواة وقال - صلى الله عليه وسلم - : (تداووا عباد الله فإن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء إلا الهرم) وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه إذا كان به هزال فاحش وقيل له إن الحقنة تزيل ما بك من الهزال فلا بأس بأن يبدي ذلك الموضع المحتقن وهذا صحيح فإن الهزال الفاحش نوع مرض يكون آخره الدقّ والسل.
وحكي عن الشافعي - رحمه الله تعالى - قال: إذا قيل له أن الحقنة تقويك على المجامعة فلا بأس بذلك أيضاً ولكن هذا ضعيف لأن الضرورة لا تتحقق بهذا، وكشف العورة من غير ضرورة لمعنى الشهوة لا يجوز،
وإذا أصاب امرأة قرحة في موضع لا يحل للرجل أن ينظر إليه لا ينظر إليه ولكن يعلم امرأة دواءها لتداويها لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف، ألا ترى أن المرأة تغسل المرأة بعد موتها دون الرجل وكذلك في امرأة العنين ينظر إليها النساء فإن قلن هي بكر فرق القاضي بينهما وإن قلن هي ثيب فالقول قول الزوج مع يمينه والمقصود في هذا الموضع بيان إباحة النظر عند الضرورة، فأما ما وراء ذلك من الفرق بين الإخبار ببكارتها وثيابتها ليس من مسائل هذا الكتاب، وحاصله أن شهادتهن متى تأيدت بمؤيد كانت حجة، والبكارة في النساء أصل فإذا قلن أنها بكر تأيدت شهادتهن بما هو الأصل وإن قلن هي ثيب تجردت شهادتهن عن مؤيد فلا بد من أن يستحلف الزوج حتى ينضم نكوله إلى شهادتهن،
وكذلك لو اشترى جارية على أنها بكر فقبضها وقال وجدتها ثيباً فإن النساء ينظرن إليها للحاجة إلى فصل الخصومة بينهما فإن قلن هي بكر فلا يمين على البائع لأن شهادتهن قد تأيدت بأصل البكارة وبمقتضى البيع وهو اللزوم، وإن قلن هي ثيب ص (157) يستحلف البائع لتجرد شهادتهن عن مؤيد فإذا انضم نكول البائع إلى شهادتهن ردت عليه.
وإن لم يجدوا امرأة تداوي تلك القرحة ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك إذا علمت وخافوا أن تهلك أو يصيبها
بلاء أو وجع لا تحتمله فلا بأس أن يستا منها كل شيء إلا موضع تلك القرحة ثم يداويها رجل ويغض بصره ما استطاع إلا عن ذلك الموضع لأن نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ فيعتبر فيه تحقق الضرورة وذلك لخوف الهلاك عليها وعند ذلك لا يباح إلا بقدر ما ترتفع الضرورة به، وذوات المحارم وغيرهم في هذا سواء لأن النظر إلى موضع العورة لا يحل بسبب المحرمية فكان المحرم وغير المحرم فيه سواء.
(قال) والعبد فيما ينظر من سيدته كالحر الأجنبي معناه أنه لا يحل ل ه أن ينظر إلا إلى وجهها وكفيها عندنا وقال مالك نظره إليها كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} ولا يجوز أن يحمل ذلك على الإماء لأن ذلك دخل في قوله تعالى: { أو نسائهن} ولأن هذا مما لا يشكل لأن للأمة ان تنظر غلى مولاتها كما للأجنبيات فإنما يحمل البيان على موضع الإشكال،
وعن أم سلمة أنه كان لها مكاتب فلما انتهي إلى آخر النجوم قالت له أتقدر على الأداء فقال: نعم. فاحتجبت وقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا كان لأحداكن مكاتب فأدى آخر النجوم فلتحتجب منه. والمعني فيه أن بينهما سبب محرم للنكاح ابتداء وبقاء فكان بمنزلة المحرمية بينهما وإباحة النظر عند المحرمية لأجل الحاجة وهو دخول البعض على البعض من غير استئذان ولا حشمة وهذا يتحقق فيما بين العبد ومولاته،
(وحجتنا) في ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير - رضي الله عنهما - قالا: لا يغرنكم سورة النور فإنها في الإناث دون الذكور ومرادهما قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} والموضع موضع الإشكال لأن حال الأمة يقرب من حال الرجل حتى تسافر بغير محرم فكان يشكل أنه هل يباح لها الكشف بين يدي أمتها ولم يزل هذا الإشكال بقوله تعالى: {أو نسائهن} لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر دون الإماء والمعنى فيه انه ليس بينهما زوجية ولا محرمية وحل النظر إلى مواضع الزينة الباطنة ينبني على هذا السبب، وحرمة المناكحة التي بينهما بعارض على شرف الزوال فكانت في حقه بمنزلة منكوحة الغير أو معتدته ولأن وجوب الستر عليها وحرمة الخلوة بالرجل لمعنى خوف الفتنة وذلك موجود ههنا وإنما ينعدم بالمحرمية لأن الحرمة المأبدة تقلل الشهوة فأما الملك لا يقلل الشهوة بل يحملها ص (158) على رفع الحشمة ومعنى البلوى لا يتحقق لأن اتخاذ العبيد للاستخدام خارج البيت لا داخل البيت على ما قيل: من اتخذ عبداً للخدمة داخل بيته فهو كشحان. وحديث أم سلمة - رضي الله عنها - محمول على الإحتجاب لمعنى زوال الحاجة فإن قبل ذلك تحتاج إلى المعاملة معه بالأخذ والإعطاء فتبدي وجهها وكفها له وقد زال ذلك بالأداء فلتحتجب منه، ثم قال خصياً أو فحلاً هكذا نقل عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: الخصي مثل فلا يبيح ما كان محرماً قبله. ولأن الخضي في الأحكام من الشهادات والمواريث كالفحل وقطع تلك الآلة منه كقطع عضو آخر ومعنى الفتنة لا ينعدم فالخصي قد يجامع وقد قيل هو أشد الناس جماعاً فإنه لا تفتر آلته بالإنزال وكذلك المجبوب لأنه قد يستحق فينزل وإن كان مجبوباً قد جف ماؤه فقد رخص بعض مشايخنا في حقه بالاختلاط بالنساء لوقوع الأمن من الفتنة والأصح أنه لا يحل له ذلك، ومن رخص فيه تأول قوله تعالى: {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} وبين أهل التفسير كلام في معنى هذا فقيل هو المجبوب الذي جف ماؤه وقيل هو المخنث الذي لا يشتهي النساء والكلام في المخنث عندنا أنه إذا كان مخنثاً في الردية من الأفعال فهو كغيره من الرجال بل من الفساق ينحى عن النساء، وأما من كان في أعضائه لين وفي لسانه تكسر بأصل الخلقة ولا يشتهي النساء ولا يكون مخنثاً في الردي من الأفعال فقد رخص بعض مشايخنا في ترك مثله مع النساء لما روي أن مخنثاً كان يدخل بعض بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سمع منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمة فاحشة قال لعمر بن أبي سلمة: لئن فتح الله الطائف على رسوله لأدلنك على ماوية بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال - صلى الله عليه وسلم - ما كنت أعلم أنه يعرف مثل هذا أخرجوه. وقيل المراد بقوله تعالى: {أو التابعين} الأبله الذي لا يدري ما يصنع بالنساء إنما همه بطنه وفي هذا كلام عندنا فقيل: إذا كان شاباً ينحى عن النساء وإنما كان ذلك إذا كان شيخاً كبيراً قد ماتت شهوته فحينئذٍ يرخص في ذلك والأصح أن نقول: قوله تعالى: {أو التابعين} من المتشابه وقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا} محكم فنأخذ بالمحكم فنقول: كل من كان من الرجال فلا يحل لها أن تبدي موضع الزينة الباطنة بين يديه ولا يحل له أن ينظر إليها إلا أن يكون صغيراً فحينئذٍ لا بأس بذلك لقوله تعالى: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} فأما جماع الحائض في الفرج حرام بالنص يكفر مستحله ويفسق مباشره لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} وفي قوله تعالى: {ولا ص (159) تقربوهن حتى يطهرن} دليل على أن الحرمة تمتد إلى الطهر وقال - صلى الله عليه وسلم - : (من أتى امرأة في غير مأتاها أو أتاها في حالة الحيض أو أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد) ولكن لا يلزمه بالوطء سوى التوبة والاستغفار، ومن العلماء من يقول إن وطئها في أول الحيض فعليه أن يتصدق بدينار وإن وطئها في آخر الحيض فعليه ان يتصدق بنصف دينار،
وروي فيه حديثاً شاذاً ولكن الكفارة لا تثبت بمثله (وحجتنا) في ذلك ما روي أن رجلاً جاء إلى الصديق - رضي الله عنه - وقال: إني رأيت في المنام كأني أبول دماً فقال: أتصدقني؟ قال نعم. قال: إنك تأتي امرأتك في حالة الحيض. فاعترف بذلك فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : استغفر الله ولا تعد، ولم يلزمه الكفارة.
واختلفوا فيما سوى الجماع
فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - : له أن يستمتع بما فوق المئزر وليس له ما تحته. وقال محمد - رحمه الله تعالى - : يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وذكر الطحاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - وذكره الكرخي مع محمد - رحمهم الله تعالى - وجه الاستدلال بقوله تعالى: {هو أذى} ففيه بيان أن الحرمة لمعنى استعمال الأذى وذلك في محل مخصوص
وروي في الكتاب عن الصلت بن دينار عن معاوية بن قرة - رضي الله عنهم - قال: سألت عائشة - رضي الله عنها - ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قالت: يتجنب شعار الدم وله ما سوى ذلك.
وفي حديث آخر عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح يعني الجماع، والمعنى فيه أن ملك الحل باق في زمان الحيض وحرمة الفعل لمعنى استعمال الأذى فكل فعل لا يكون فيه استعمال الأذى فهو حلال مطلق كما كان قبل الحيض وقاسه بالاستمتاع فوق المئزر وحجة أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} فظاهره يقتضي تحريم الاستمتاع بكل عضو منها فما اتفق عليه الآثار صار مخصوصاً من هذا الظاهر وبقي ما سواه على الظاهر وروي أن وفداً سألوا عمر - ر ضي الله عنه - عما يحل للرجل من امرأته الحائض وعن قراءة القرآن في البيوت وعن الاغتسال من الجنابة فقال: أسحرة أنتم لقد سألتموني عما سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: للرجل من امرأته ما فوق المئزر وليس له ما تحته وقراءة القرآن نور فنور بيتك ما استطعت وذكر الاغتسال من الجنابة، وفي حديث أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كنت في فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحضت فانسللت من الفراش فقال: ما لك ص (160) أنفست؟ قلت نعم قال: اتزري وعودي إلى مضجعك ففعلت، فعانقني طول الليل. والمعنى فيه أن الاستمتاع في موضع الفرج محرم عليه وإذا قرب من ذلك الموضع فلا يأمن على نفسه ان يواقع الحرام فليتجنب من ذلك بالاكتفاء بما فوق المئزر وكان هذا نوع احتياط ذهب إليه أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - لقوله - صلى الله عليه وسلم: (ألا إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ومحمد أخذ بالقياس وقال ليس المراد بالاتزار حقيقة الاتزار بل المراد موضع الكرسف في ذلك الموضع،
وبين التابعين اختلاف في معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - ما فوق المئزر فكان إبراهيم - رحمه الله تعالى - يقول المراد به الاستمتاع بالسرة وما فوقها وكان الحسن - رحمه الله تعالى - يقول: المراد أن يتدفأ بالإزار ويقضي حاجته منها فيما دون الفرج فوق الإزار ولا ينبغي له أن يعتزل فراشها لأن ذلك تشبه باليهود وقد نهينا عن التشبه بهم،
وروي أن ابن عباس - رضي الله عنهما - فعل ذلك فبلغ ميمونة - رضي الله عنها - فأنكرت عليه وقالت: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يضاجعنا في فراش واحد في حالة الحيض وإذا أراد أن يشتري جارية فلا بأس بأن ينظر إلى شعرها وصدرها وساقها وإن اشتهى لأن المالية مطلوبة بالشراء فلا يصير مقداره معلوماً إلا بالنظر إلى هذه المواضع فللحاجة جاز النظر ولا يحل له أن يمس إن اشتهى أو كان ذلك أكبر رأيه لأنه لا حاجة به إلى المس فمقدار المالية يصير معلوما بدونه ولأن حكم المس أغلظ من النظر كما قررنا وقد بينا في كتاب الصلاة حكم غسل كل واحد من الزوجين لصاحبه بعد موته وما فيه من الاختلاف وحكم غسل أم الولد لمولاها وإذا ماتت المرأة مع الرجال ولا امرأة معهم لم يغسلوها وإن كانوا محارمها وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لابنها أو أبيها أن يغسلها بناء على مذهبه أن الظهر والبطن في حق المحرم ليس بعورة فهو بمنزلة نظر الجنس عنده وعندنا الظهر والبطن عورة في حق المحارم وبالموت تتأكد الحرمة ولا ترتفع ولأن هذه الحرمة لحق الشرع والآدمي محترم شرعاً حياً وميتاً ولهذا لا يغسلها المحرم ولا غير المحرم ولكنها تيمم بالصعيد هكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن امرأة ماتت مع الرجال ليس معهم امرأة قال: تيمم بالصعيد ولأنه تعذر غسلها لانعدام من يغسلها فصار كما لو تعذر غسلها لانعدام ما تغسل به
وإن كان من ييممها محرماً لها ييممها بغير خرقة وإن كان غير محرم لها ييممها بخرقة يلفها على كفه لأنه لم يكن له أن يمسها في حال ص (161) حياتها فكذلك بعد وفاتها بخلاف المحرم ولا بأس بأن ينظر إلى وجهها ويعرض بوجهه عن ذراعيها كما في حال الحياة كان له أن ينظر إلى وجهها دون ذراعيها وكذلك يفعل زوجها لأنه التحق بالأجنبي كما قال عمر - رضي الله عنه - في امرأة له هلكت: نحن أحق بها حين كانت حية فأما إذ ماتت فأولياؤها أحق بها.
وإن مات رجل مع نساء ليس فيهن امرأته ييممنه على ما بينا إلا أن من تيممه إذا كانت حرة تيممه بخرقة تلفها على كفها لأنه ما كان لها أن تمسه في حياته فذلك بعد موته وإن كانت مملوكة تيممه بغير خرقة لأنه كان لها أن تمسه في حياته فكذلك بعد موته فإن الأمة بمنزلة المحرم في حق الرجال وأمته وأمة غيره في هذا سواء لأن ملكه قد انتقل إلى وارثه بموته فإن كان معهن رجل كافر علمنه الغسل وكذلك إن كان مع الجال امرأة كافرة علموها الغسل لتغسلها لأن نظر الجنس إلى الجنس لا يختلف في الموافقة في الدين والمخالفة إلا أن الكافر لا يعرف سنة غسل الموتى فيعلم ذلك،
وكذلك إن كان معهن صبية صغار لم يبلغوا حد الشهوة علموهم غسل الموتى ليغسلونها وهذا عجيب فالرجال قد يعجزون عن غسل الميت فكيف يقوى عليه الصغار الذين لم يبلغوا حد الشهوة ولكن مراد محمد بيان الحكم إن تصور
فإن ارتدت امرأته عن الإسلام بعد موته ثم رجعت إلى الإسلام أو فجر بها ابنه لم يكن لها أن تغسله عندنا وقال زفر - رحمه الله - لها ذلك لأن حل المس والغسل ههنا باعتبار العدة حتى لو انقضت عدتها بوضع الحمل لم يكن لها أن تغسله وبما اعترض لم يتغير حكم العدة بخلاف ما إذا كان العارض قبل موته لأن الحل هناك باعتبار النكاح وقد ارتفع بهذا العارض
(وحجتنا) في ذلك أن ردتها وفعل ابن الزوج بها لو صادف حلاً مطلقاً كان رافعاً له فكذلك إذا صادف ما بقي من الحل بعد موته وهو حل الغسل والمس فيكون رافعاً له بطريق الأولى ولا نقول أن هذا الحل لأجل العدة فإن العدة من نكاح فاسد والوطء بالشبهة لا يفيد حل الغسل والمس وذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن المجوسي لو أسلم ومات ثم أسلمت امرأته فليس لها أن تغسله عند زفر ولها ذلك في قول أبي يوسف فزفر يعتبر وقت الموت فإذا لم يكن بينهما حل الغسل والمس عند الموت لا يثبت بعد ذلك بخلاف ما لو أسلمت قبل موته أو انقضت عدة الأخت وقاس بحكم الفرار في الميراث فإنها لو أعتقت بعد موته أو أسلمت لم ترث منه بخلاف ما لو أسلمت في حال الحياة أو أعتقت ثم طلقها ثلاثاً وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول الحل قائم بينهما بعد وطء الأخت ولكن عدتها ص (162) مانعة ولو زال هذا المانع في حال حياته ثبت حل الاستمتاع مطلقاً فكذلك إذا زال بعد موته ثبت من الحل بقدر ما يقبله المحل وهو حل الغسل والمس
وأما الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة إذا مات مع النساء فلا بأس بأن يغسلنه وكذلك الصغيرة مع الرجال لما بينا أنه ليس لعورته حكم العورة في الحياة حتى لا يجب ستره ويباح النظر إليه فكذلك بعد الموت والعتوهة كالعاقلة لأنها تشتهى.
وإذا حضر المسافر الصلاة ولم يجد ماء إلا في إناء أخبره رجل أنه قذر وهو عنده مسلم مرضي لا يتوضأ به وهذا لأن خبر الواحد حجة في أمر الدين في حق وجوب العمل به عندنا بخلاف ما يقوله بعض الناس أن ما لا يوجب علم اليقين لا يوجب العمل أيضاً فإن العمل بغير علم لا يجوز قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وحجتنا في ذلك قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس}ومن ضرورة وجوب البيان على كل واحد وجوب القبول منه وفائدة القبول منه العمل به قال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين} واسم الطائفة يتناول الواحد فصاعداً وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دحية الكلبي إلى قيصر ليدعوه إلى الإسلام وعبد الله بن أنيس إلى كسرى ومع كل واحد منهما كتاب فلو لم يكن خبر الواحد ملزماً لما اكتفى ببعث الواحد وبعث علياً ومعاذاً - رضي الله تعالى عنهما - إلى اليمن ولآثار في خبر الواحد كثيرة ذكر محمد بعد هذا بعضها وليس من شرط وجوب العمل أن يكون الخبر موجباً للعلم كما أنه ليس من شرط جواز العمل بما يخبر في المعاملات أن يكون موجباً للعلم حتى يكتفى فيها بخبر الواحد بالاتفاق والدليل عليه وجوب العمل بالقياس وغالب الرأي وإن لم يكن ذلك موجباً علم اليقين إذا عرفنا هذا فنقول هذا المخبر بنجاسة الماء إما أن يكون عدلاً مرضياً أو فاسقاً أو مستوراً فإن كان عدلاً فليس له أن يتوضأ بذلك الماء لترجيح جانب الصدق في خبره لظهور عدالته وإن كان فاسقاً فله أن يتوضأ بذلك الماء لعدم ترجيح الصدق في خبره فإن اعتبار دينه يدل على صدقه في خبره واعتبار تعاطيه الكذب وارتكابه ما يعتقد الحرمة فيه دليل على كذبه في خبره فتتحقق المعارضة بينهما ولهذا أمر الله تعالى بالتوقف في خبر الفاسق بقوله تعالى: {فتبينوا} وعند المعارضة الأصل في الماء الطهارة فيتمسك به ويتوضأ
وهذا بخلاف المعاملات فإنه يجوز الأخذ فيها بخبر الفاسق لأن الضرورة هناك تتحقق فالعدل لا يوجد في كل موضع ولا دليل هناك يعمل به سوى الخبر وهنا لا ضرورة ومعنا ص (163) دليل آخر يعمل به سوى الخبر وهو ان الأصل في الماء هو الطهارة
(فإن قيل) أليس أن خبر الفاسق لا يقبل في رواية الأخبار وليس هناك دليل سوى الخبر (قلنا) الضرورة هناك لا تتحقق لأن في العدول الذين يروون ذلك الخبر كثرة يوضح الفرق أن الخبر في المعاملات غير ملزم فيسقط فيه اعتبار شرط العدالة وفي الديانات الخبر ملزم فلا بد من اعتبار شرط العدالة فيه وكذلك إن كان مستوراً فالحق المستور في ظاهر الرواية بالفاسق
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - قال: المستور في هذا الخبر كالعدل وهو ظاهر على مذهبه فإنه يجوز القضاء بشهادة المستورين إذا لم يطعن الخصم ولكن الأصح ما ذكره لأنه لا بد من اعتبار أحد شرطي الشهادة ليكون الخبر ملزماً وقد سقط اعتبار العدد فلم يبق إلا اعتبار العدالة فإذا ثبت أن العدالة شرط قلنا ما كان شرطاً لا يكتفي بوجوده ظاهراً كمن قال لعبده إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر ثم مضى اليوم فقال العبد لم أدخل وقال المولى دخلت فالقول قول المولى لأن عدم الدخول شرط فلا يكتفى بثبوته ظاهراً لنزول العتق وكذلك إن كان المخبر عبداً لأن في أمور الدين خبر العبد كخبر الحر كما في رواية الأخبار وهذا لأنه يلزم نفسه ثم يتعدى منه إلى غيره فلا يكون هذا من باب الولاية على الغير وبالرق يخرج من ان يكون أهلاً للولاية فأما فيما هو إلزام يسوى بين العبد والحر لكونه مخاطباً وكذلك إن كان المخبر امرأة حرة أو أمة كما في رواية الأخبار وهذا لأنها تلتزم كالرجل ثم يتعدى غلى غيرها ورواية النساء من الصحابة - رضي الله عنهم - كانت مقبولة كرواية الرجال قال - صلى الله عليه وسلم - : (تأخذون شطر دينكم من عائشة) - رضي الله عنها - ثم بين في الفاسق والمستور أنه يحكم رأيه فإن كان أكبر رأيه أنه صادق تيمم ولا يتوضأ به لأن أكبر الرأي فيما بني على الاحتياط كاليقين وإن أراقه ثم تيمم كان أحوط وإن كان أكبر رأيه أنه كاذب توضأ به ولم يتيمم
(فإن قيل) كان ينبغي أن يتيمم احتياطاً لمعنى التعارض في خبر الفاسق كما قلنا في سؤر الحمار أنه يجمع بين التوضؤ وبين التيمم لتعارض الأدلة في سؤر الحمار قلنا حكم التوقف في خبر الفاسق معلوم بالنص وفي الأمر بالتيمم هنا عمل بخبره من وجه فكان بخلاف النص ولما ثبت التوقف في خبره بقي أصل الطهارة للماء فلا حاجة إلى ضم التيمم إليه واستدل بحديث عمر - رضي الله تعالى عنه - حين ورد ماء حياض مع عمرو بن العاص فقال عمرو لرجل من اهل الماء: أخبرنا عن السباع أترد ماءكم هذا؟ فقال عمر - رضي الله عنه - : لا تخبرنا عن شيء فلولا ص (164) أن خبره عد خبراً لما نهاه عن ذلك وعمرو بن العاص بالسؤال قصد الأخذ بالاحتياط وقد كره عمر - رضي الله تعالى عنه - لوجود دليل الطهارة باعتبار الأصل فعرفنا أنه ما بقي هذا الدليل فلا حاجة إلى احتياط آخر. وإن كان الذي أخبره بنجاسة الماء رجل من أهل الذمة لم يقبل قوله لا لأن الكفر ينافي معنى الصدق في خبره ولكن لأنه ظهر منهم السعي في إفساد دين الحق قال الله تعالى: {لا يألونكم خبالا} أي لا يقصرون في إفساد أمركم فكان متهماً في هذا الخبر فلا يقبل منه كما لا تقبل شهادة الولد لوالده لمعنى التهمة يقول
فإن وقع في قلبه أنه صادق فأحب إلى أن يريق الماء ثم يتيمم وإن توضأ به وصلى أجزأه وفي خبر الفاسق قال: وإذا وقع في قلبه أنه صادق تيمم ولا يتوضأ به وهذا لأن الفاسق أهل للشهادة ولهذا نفذ القضاء بشهادته فيتأيد ذلك بأكبر رأيه وليس الكافر من أهل الشهادة في حق المسلم يوضحه أن الكافر يلزم المسلم ابتداء بخبره ولا يلتزم ولا ولاية له على المسلم فأما الفاسق المسلم يلتزم وهو من أهل الولاية على المسلم
(قال) وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - من يقول: مراده بهذا العطف أن الصبي كالبالغ إذا كان مرضياً ولأنه كان في الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من سمع في صغره ولو روى كان مقبولاً منه وكما سقط اعتبار الحرية والذكورة يسقط اعتبار البلوغ كما في المعاملات والأصح ان مراده العطف على الذمي وان خبر الصبي والمعتوه في هذا كخبر الذمي لأنهما لا يلتزمان شيئاً ولكن يلزمان الغير ابتداء فإنهما غير مخاطبين فليس لهما ولاية الإلزام فكان خبرهما في معنى خبر الكافر
رجل دخل على قوم من المسلمين يأكلون طعاماً ويشربون شراباً فدعوه إليه فقال رجل مسلم ثقة قد عرفه هذا اللحم ذبيحة مجوسي وهذا الشراب قد خالطه الخمر وقال الذين دعوه إلى ذلك ليس الأمر كما قال وهو حلال فإنه ينظر إلى حالهم فإن كانوا عدولاً لا يلتفت إلى قول ذلك الواحد لأن خبر الواحد لا يعارض خبر الجماعة فإن خبر الجماعة حجة في الديانات والأحكام وخبر الواحد ليس بحجة في الأحكام ولأن الظاهر من حال المسلمين أنهم لا يأكلون ذبيحة المجوسي ولا يشربون ما خالطه الخمر فخبر الواحد في معارضة خبرهم خبر مستنكر فلا يقبل وإن كانوا متهمين أخذ بقوله ولم يسعه أن يقرب شيئاً من ذلك لأن خبره باعتبار حالهم مستقيم صالح ولا معتبر بخبرهم لفسقهم في حكم العمل به ولأن خبر العدل بالحرمة يريبه في هذا الموضع باعتبار حالهم وقال - صلى الله عليه وسلم - : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)
ص (165) ويستوي إن كان المخبر بالحرمة حراً أو مملوكاً ذكراً أو أنثى لأنه أخبر بأمر ديني فإن الحل والحرمة من باب الدين ولو كان في القوم رجلان مرضيان أخذ بقولهما لأن الاحجة في الأحكام تتم بخبر المثنى فلا يعارض خبرهما خبر الواحد وإن كان فيهم ثقة واحد عمل فيه على أكبر رأيه لاستواء الخبرين عنده وإن لم يكن له فيه رأي واستوى الحالان عنده فلا بأس بأكل ذلك وشربه وكذلك الوضوء منه في جميع ذلك،
أما المصير إلى غالب الرأي فللمعارضة بين الخبرين لأن عند المعارضة لا بد من ترجيح أحد الجانبين وغالب الرأي يصلح أن يكون دليلاً للعمل في بعض المواضع فلأن يصلح للترجيح أولى فإن لم يكن له رأي تمسك بأصل الطهارة،
(فإن قيل) لا معارضة بين الخبرين لأن أحدهما ينفي الحرمة والآخر يثبت ولا تعارض بين النفي والإثبات
(قلنا) هذا في الشهادات فأما في الأخبار المعارضة تتحقق بين النفي والإثبات لأن كل واحد منهما بانفراده مقبول (فإن قيل) لا كذلك في الشاهد إذا زكاه أحد المزكين وجرحه الآخر كان الجرح أولى لأن الجرح مثبت والآخر نافٍ (قلنا) نعم ولكن في كل موضع يكون النافي معتمد الدليل في خبره تتحقق المعارضة في ذلك بين النفي والإثبات وفي كل موضع لا يكون النافي معتمد الدليل يترجح المثبت فهنا النافي معتمد الدليل لأن طهارة الماء ونجاسته تعلم حقيقة وكذلك حل الطعام وحرمته فلهذا تحققت المعارضة والذي زكى الشاهد لا يعتمد دليلاً في خبره لأن نفي أسباب الجرح لا يعلم حقيقة فلهذا يرجح المثبت هناك على النافي فإن كان الذي أخبره بأنه حلال مملوكان ثقتان والذي زعم أنه حرام واحد حر فلا بأس بأكله لأن في الخبر الديني المملوك والحر سواء ولا تتحقق المعارضة بين الواحد والمثنى في الخبر لأنه يحصل من طمأنينة القلب بخبر الإثنين ما لا يحصل بخبر الواحد
وإن كان الذي زعم أنه حرام مملوكان ثقتان والذي زعم أنه حلال حر واحد ثقة ينبغي له أن لا يأكله لما بينا أن خبر الواحد لا يكون معارضاً لخبر الإثنين وكذلك لو أخبره بأحد الأمرين عبد ثقة وبالآخر حر ثقة يعمل بأكبر رأيه فيه لأن الحجة لا تتم من طريق الحكم بخبر حر واحد ومن حيث الدين خبر الحر والمملوك سواء فلتحقق المعارضة بين الخبرين يصير إلى الترجيح بأكبر الرأي وإن أخبره بأحد الأمرين مملوكان ثقتان وبالأمر الآخر حران ثقتان أخذ بقول الحرين لأن الحجة تتم بقول الحرين ولا تتم بقول المملوكين فعند التعارض يترجح قول الحرين لأن في قولهما زيادة إلزام فإن الإلزام بقول المملوكين ينبني على الإلزام ص (166) اعتقاداً والإلزام في قول الحرين لا ينبني على الإلزام اعتقاداً حتى كان ملزماً فيما لا يكون المرء معتقداً له فعرفنا أن في خبرهما زيادة إلزام فالترجيح بقوة السبب صحيح.
(قال) ألا ترى أن أبا بكر - رضي الله عنه - شهد عنده المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الجدة أم الأم السدس فقال: ائت معك بشاهد آخر فجاء بمحمد بن سلمة فشهد على مثل شهادته فأعطاها أبو بكر - رضي الله عنه - السدس وهذا من أمر الدين وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شهد عنده أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) فقال: ائت معك بشاهد آخر، فشهد أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - على مثل شهادته قال محمد: فهذا إنما فعلاه للاحتياط والواحد يجزي
وكان عيسى بن أبان يقول: بل إنما طلبنا شاهداً آخر على طريق الشرط لأن طمأنينة القلب تحصل بقول المثنى دون الواحد ولم يكن في ذلك الوقت ضرورة في الاكتفاء بخبر الواحد لكثرة الرواة فأما في زماننا فقد تحقق معنى الضرورة في الاكتفاء بخبر الواحد، والأصح ما أشار إليه محمد - رحمه الله تعالى - أنهما طلبا ذلك للاحتياط وكانا يقبلان ذلك وإن لم يشهد شاهد آخر، ألا ترى أن عمر - رضي الله عنه - قبل شهادة عبد الرحمن بن عوف حين شهد عنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم) ولم يطلب شاهداً آخر وأجاز قول عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في الطاعون حين أراد أن يدخل الشام وبها الطاعون فأشار عليه بعض المهاجرين بالدخول فقال له أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله؟ فقال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا وقع هذا الرجز بأرض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا منها) فأخذ عمر - رضي الله عنه - بقوله ورجع،
وذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - في مشكل الآثار هذا الحديث فقال: تأويله أنه إذا كان بحال لو دخل فابتلى وقع عنده أنه ابتلى بدخوله ولو خرج فنجا وقع عنده أنه نجا بخروجه فلا يدخل ولا يخرج صيانة لاعتقاده فأما إذا كان يعلم أن كل شيء بقدر وأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله تعالى فلا بأس بأن يدخل ويخرج، واستدل محمد - رحمه الله تعالى - أيضاً بحديث عمر - رضي الله عنه - فإنه كان لا يورث المرأة من دية زوجها جتى شهد عنده الضحاك بن سفيان الكلابي - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم فأخذ بقوله ص (167) وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دحية الكلبي إلى قيصر بكتابه يدعوه إلى الإسلام فكان حجة عليه فهذا كله دليل أن خبر الواحد في أمر الدين كان ملزماً في ذلك الوقت كما هو اليوم
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : كنت إذا لم أسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً فحدثني به غيره استحلفته على ذلك
وحدثني أبو بكر - رضي الله تعالىعنه - وصدق أبو بكر وهذا مذهب تفرد به علي - رضي الله عنه - فإنه كان يحلف الشاهد ويحلف المدعي مع البينة ويحلف الراوي ولم يتبع ذلك فكأنه كان يقول: إن خبره يصير مزكى بيمينه كالشهادات في باب اللعان من كل واحد من الزوجين حتى تصير مزكاة باليمين ومن لم يعصم عن الكذب لا يكون خبره حجة ما لم يصر مزكى بيمينه إلا أبو بكر - رضي الله عنه - فإن تسمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه الصديق كاف في جعل خبره مزكى ولسنا نأخذ بهذا القول لأن الله تعالى أمرنا باستشهاد شاهدين وبطلب العدالة في الشهود فاشتراط اليمين مع ذلك يكون زيادة على ما في الكتاب وقد وقعت الدعاوى والخصومات في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقل أنه حلف أحداً من الشهود ولا حلف المدعي مع البينة ولا يجوز أن يقال إنهم قد تركوا نقله لأن هذا لا يظن بهم خصوصاً فيما تعم البلوى فقد نقلوا كل ما دقَّ وجلَّ من أقواله وأفعاله،
(قال) وبلغنا أن نفراً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو طلحة كانوا يشربون شراباً لهم من الفضيخ فأتاهم آت فأخبرهم أن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إليها فكسرتها حتى اهراق ما فيها ولو لم يكن خبر الواحد حجة ما وسعهم ذلك لما فيه من إضاعة المال، وتأويل كسر الجرار أن الخمر كانت تشرب فيها فلا تصلح للانتفاع بها بوجه آخر وكان ذلك لإظهار الانقياد وتحقيق الانزجار عن العادة المألوفة، وعلى هذا يحمل ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكسر الدنان وشق الروايا،
وذكر حديث عكرمة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة أعرابي وحده على رؤية هلال رمضان حين قدم المدينة فأخبرهم بأنه رآه فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يصوموا بشهادته، فهذا يدل على ان شهادة الواحد فيس الدين مقبولة ولا يقبل في هلال الفطر أقل من شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين، والكلام في هذا الفصل قد بيناه في كتاب الصوم،
وذكر ابن سماعة في نوادره قال: قلت لمحمد فإذا قبلت شهادة الواحد في هلال رمضان وأمرت بالصوم ثلاثين يوماً ولم يروا ص (168) الهلال أليس أنهم يفطرون وهذا الفطر بشهادة الواحد فقال: لا أتهم المسلم بتبديل يوم مكان يوم، ويمكن ان يجاب عن هذا فيقال: الفطر غير ثابت بشهادته وإن كانت تفضى إليه شهادته، كما لو شهدت القابلة بالنسب يثبت استحقاق الميراث ولا يستحق المال بشهادة القابلة وعلى هذا قول محمد.
فأما على رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - لا يفطرون وإن صاموا ثلاثين يوماً إذا لم يروا الهلال، قال الحاكم: وهلال الأضحى كهلال الفطر، ذكره في كتاب الشهادات وفي النوادر عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الشهادة على هلال الأضحى كالشهادة على هلال رمضان لما يتعلق به من أمر ديني وهو ظهور وقت الحاج وذلك حق الله تعالى، فأما في ظاهر الرواية قال: هذا في معنى هلال الفطر لأن فيه منفعة للناس هنا من حيث التوسع بلحوم الأضاحي في اليوم العاشر كما في هلال الفطر ولا يقبل في هلال رمضان قول مسلم ولا مسلمين ممن لا تجوز شهادتهم للتهمة لما بينا أن خبر الفاسق في أمر الدين غير ملزم
وذكر الطحاوي أن شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان مقبول عدلاً كان أو غير عدل قيل المراد بقوله غير عدل: أن يكون مستوراً فيكون موافقاً لرواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - في المستور
وقيل بل مراداه الفاسق، ووجه هذه الرواية أن التهمة منتفية عن خبره هذا لأنه يلزمه من الصوم ما يلزم غيره فأما عبد مسلم ثقة أو أمة مسلمة أو امرأة مسلمة حرة فشهادتهم على ذلك جائزة لأن في الخبر الديني الذكور والإناث والأحرار والمماليك سواء، وكذلك إن شهد واحد على شهادة واحد وبهذا تبين أنه خبر لا شهادة حتى لا يشترط فيه لفظ الشهادة
وذكر أنه إذا كان محدوداً في قذف قد حسنت توبته فشهادته جائزة أيضاً، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن شهادته لا تقبل لأنه محكوم بكذبة، وإذا كانت شهادة المتهم بالكذب لا تقبل هنا فالمحكوم بالكذب أولى ووجه هذه الرواية أن خبر المحدود في أمر الدين مقبول، ألا ترى أن أبا بكرة بعد ما أقيم عليه حد القذف كانت تعتمد روايته وهذا لأن رد شهادته لحق المقذوف وهو دفع العار عنه بإهدار قوله وذلك في الأحكام التي يتعلق بها حقوق العباد وينعدم هذا المعنى في أمور الدين فكان المحدود فيه كغيره يقول: فإذا كان الذي شهد بذلك في المصر ولا علة في السماء من ذلك لا تقبل شهادته لأن الذي يقع في القلب من ذلك أنه باطل وقد بينا في كتاب الصوم أقاويل العلماء - رحمهم الله تعالى - في هذا الفصل.
وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه اعتبر فيه عدد الخمسين على قياس الأيمان في القسامة وفيما ذكر هناك إشارة إلى أنه إذا جاء ص (169) من خارج المصر فإنه تقبل شهادته فقد ذكر بعد هذا أيضاً أو جاء من مكان آخر وأخبر بذلك وهكذا ذكره الطحاوي - رحمه الله تعالى - في كتابه لأنه يتفق من الرؤية في الصحاري ما لا يتفق في الأمصار لما فيها من كثرة الغبار وكذلك إن كان في المصر على موضع مرتفع فقد يتفق له من الرؤية ما لا يتفق لمن هو دونه في الموقف.
رجل تزوج امرأة فجاء رجل مسلم ثقة أ, امرأة فأخبر أنهما ارتضعا من امرأة واحدة فأحب إلى التنزه عنها فيطلقها ويعطيها نصف الصداق إن لم يكن دخل بها، والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما في الحكم والآخر في التنزه، أما في الحكم فالحرمة لا تثبت بشهادة امرأة واحدة على الرضاع عندنا ما لم يشهد به رجلان أو رجل وامرأتان وعند الشافعي يثبت بشهادة أربع نسوة كما هو مذهبه فيما لا يطلع عليه الرجال، وزعم أن الرضاع لا يحل مطالعته للأجانب من الرجالولكن نقول الإرضاع يكون بالثدي وذلك مما يحل مطالعته لذي الرحم المحرم، ثم قد يكون بالإيجار وذلك مما يطلع عليه الأجانب ومالك كان يقول يكتفي بشهادة الواحد لإثبات الحرمة بالرضاع وذلك مروي عن عثمان - رضي الله عنه - واستدل فيه بحديث ابن أبي مليكة بن عقبة أن عقبة بن الحارث - رضي الله تعالى عنهما - تزوج بنت إهاب فجاءت امرأة سوداء فأخبرت أنها أرضعتهما جميعاً فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال له - صلى الله عليه وسلم - كيف وقد قيب هذا القدر، ذكره محمد - رحمه الله تعالى -
وأهل الحديث يروون ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما فهو حجة مالك - رحمه الله تعالى -
(وحجتنا) في ذلك حديث عكرمة بن خالد قال عمر - رضي الله عنه - : لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين ولأن هذه الشهادة تقوم لإبطال الملك ولا تتم الحجة فيه إلا بشاهدين كالعتق والطلاق فأما الحديث ففيه إشارة إلى التنزه بقوله: كيف وقد قيل. ولو ثبتت الحرمة بخبرها لما أشار إلى التنزه بهذا اللفظ والزيادة التي يرويها أهل الحديث لم تثبت عندنا والدليل على ضعفه ما روي عن عقبة بن الحارث - رحمه الله تعالى - أنه قال: تزوجت بنت أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء تستطعمنا فأبينا أن نطعمها فجاءت من الغد تشهد على الرضاع ومثل هذه الشهادة تكون عن ضغن فلا تتم الحجة بها.
فأما بيان وجه التنزه أن المخبر إذا كان ثقة فالذي يقع في قلوب السامعين أنه صادق فيه فصحبتها تريبه ومفارقتها لا تريبه ولو أمسكها ربما يطعن فيه أحد ويتهمه وقال - صلى الله عليه وسلم - : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف ص (170) التهم) وقال - صلى الله عليه وسلم - : (إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره فليس كل سامع نكراً تطيق أن توسعه عذراً ولأن يدع وطءاً حلالاً خير له من أن يقدم على وطء حرام) ولكن ينبغي له أن يطلقها لأنها نمكوحته في الحكم فإذا لم يطلقها لا تقدر على التزوج بغيره فتبقى معلقة ثم يعطيها نصف الصداق بعد الطلاق وإن لم يكن دخل بها لأنها استوجبت في الحكم ذلك عليه فلا ينبغي له أن يمنعها بنظره لنفسه، والمستحب لها أن لا تأخذ شيئاً إن كان لم يدخل بها لجواز ان يكون المخبر صادقاً والنكاح لم يكن منعقداً بينهما وإن كان دخل بها فلا بأس بأن تأخذ مقدار مهر مثلها بما استحل من فرجها وينبغي أن لا تأخذ الزيادة على ذلك إلى تمام المسمى ولكن تبريه عن ذلك لأنه حق مستحق لها في الحكم فلا يسقط إلا بإسقاطها ولا يبعد أن يندب كل واحد منهما إلى ما قلنا كما أن الله تعالى أثبت نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، ثم ندب كل واحد من الزوجين إلى العفو، وكذلك الرجل يشتري الجارية فيخبره عدل أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاع فإن تنزه عن وطئها فهو أفضل وإن لم يفعل وسعه ذلك وفرق بين هذين الفصلين وبين ما تقدم من الطعام والشراب فأثبت الحرمة هناك بخبر الواحد العدل ولم يثبت هنا بأن حل الطعام والشراب يثبت بالإذن بدون الملك حتى لو قال لغيره: كل طعامي هذا، أو توضأ بمائي هذا، أو اشربه. وسعه أن يفعل ذلك فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل به الملك وحل الوطء لا يثبت بدون الملك حتى لو قال طأ جاريتي هذه فقد أذنت لك فيه، أو قالت له ذلك حرة في نفسها لم يحل له الوطء فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل به الملك وهو خبر الواحد وتقرير هذا الفرق من وجهين:
أحدهما: أن الحل والحرمة فيما سوى البضع مقصود بنفسه لما كان يثبت بدون ملك الحل وتثبت الحرمة مع قيام الملك فكان هذا خبراً بأمر ديني وقول الواحد فيه ملزم فأما في الوطء الحل والحرمة يثبت حكماً للملك وزواله لا يثبت مقصوداً بنفسه وقول الواحد في إبطال الملك ليس بحجة فكذلك في الحل الذي ينبني عليه.
والثاني: أن في الوطء معنى الإلزام على الغير لأن المنكوحة يلزمها الانقياد الزوج في الاستفراش والمملوكة يلزمها الانقياد لمولاها وخبر الواحد لا يكون حجة في إبطال الاستحقاق الثابت لشخص على شخص فأما حل الطعام والشراب فليس فيه استحقاق حق على أحد يبطل ذلك بثبوت الحرمة وإنما ذلك أمر ديني وخبر الواحد في مثله حجة.
مسلم اشترى لحماً فلمل قبضه أخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة مجوسي لم ينبغ له أن ص (171) يأكله لأنه أخبر بحرمة العين وهو أمر ديني فتتم الحجة بخبر الواحد فيه وكما لا يأكله لا يطعمه غيره لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - في نظيره: أتطعمين ما لا تأكلين. ولا يرده على صاحبه لأن فسخ البيع معتبر بنفس البيع وكما لا تتم الحجة بخبر الواحد في البيع فكذلك فيما يفسخه ولا يستحل منع البائع ثمنه لأنه قد استوجبه بالعقد قبله وقول الواحد ليس بحجة في إسقاط حق مستحق للعباد ولأن العين قد بقي مملوكاً له متقوماً لأن نقض الملك فيه بقول الواحد لا يجوز فعليه أداء ثمنه.
(فإن قيل) الحل هنا إنما يثبت حكماً للمالك فينبغي أن لا تثبت الحرمة إلا بما يبطل به الملك كما في مسألة الوطء (قلنا) لا كذلك بل ثبوت حل التناول بالإذن لأنه الموجب للبيع إذن المشتري في التناول مسلطاً له على ذلك وهو كاف لثبوت الحل في هذا العين فما زاد عليه غير معتبر في حكم الحل وبنحوه علل في البيوع في تنفيذ تصرف المشتري بشراء فاسد فقال لأن البائع سلطه على ذلك والدليل على هذا تمام البيع بهذا اللفظ حتى لو قال كل هذا الطعام بدرهم لي عليك فأكله كان هذا بيعاً وكان قد أكله حلالاً بخلاف الوطء فإن الحرة لو قالت: طأني بكذا، لا يحل له أن يفعل ولا ينعقد النكاح بينهما لو فعله يوضحه أن المعتبر هو الجملة دون الأحوال وإذا كان حل الطعام في الجملة يثبت بغير ملك فكذلك الحرمة تثبت مع قيام الملك ولو لم يبعه هذا الرجل ولكن أذن له في التناول فأخبره مسلم ثقة أنه محرم العين لم يحل له تناوله فكذلك إذا باعه يوضحه إن قبل البيع إنما لا يحل له تناوله لأن حرمة العين تثبت في حقه بخبر الواحد والبيع ليس له تأثير في إزالة حرمة ثابتة للعين فإذا ثبت أنه لو اشتراه بعد الإذن او ملكه بسبب آخر لم يحل له تناوله فكذلك إذا اشتراه قبل الإذن فأخبره عدل بأنه محرم العين، ولو اشترى طعاماً أو جارية او ملك ذلك بهبة أو ميراث أو صدقة أو وصية فجاء مسلم ثقة فشهد أن هذا لفلان الفلاني غصبه منه البائع أو الواهب أو الميت فأحب أن يتنزه عن أكله وشربه والوضوء منه ووطء الجارية لأن خبر الواحد يمكن ريبة في قلبه والتنزه عن مواضع الريبة أولى وإن لم يتنزه كان في سعة من ذلك لأن المخبر هنا لم يخبر بحرمة العين وإنما أخبر أن من تملك من جهته لم يكن مالكاً وهو مكذب في هذا الخبر شرعاً فإن الشرع جعل صاحب اليد مالكاً باعتبار يده ولهذا لو نازعه فيه غيره كان القول قوله وعلى هذا أيضاً لو أذن له ذو اليد في تناول طعامه وشرابه فأخبره ثقة أن هذا الطعام والشراب في يده غصب من فلان وذو ص (172) اليد يكذبه وهو متهم غير ثقة فإن تنزه عن تناوله كان أولى وإن لم يتنزه كان في سعة،
وفي الماء إذا لم يجد وضوء غيره توضأ به ولم يتيمم لأن الشرع جعل القول قول ذي اليد فيما في يده وهذا بخلاف ما سبق لأن هناك المخبر إنما أخبر بملك الغير في المحل وخبره في هذا ليس بحجة وهناك أخبر بحرمة ثابتة في المحل لحق الشرع وخبر الواحد فيه حجة.
(فإن قيل) الحل والحرمة ليس بصفة للمحل حقيقة وإنما هو صفة للفعل الصادر من المخاطب وهو التناول وقد أخبره بحرمة التناول في الفصلين جميعاً (قلنا) هذا شيء توهمه بعض أصحابنا وهو غلط عظيم فإنا لو جعلنا الحرمة صفة للفعل حقيقة ثم توصف العين به مجازاً كان مشروعاً في المحل من وجه وذلك ممتنع بعد ثبوت حرمة الأمهات وحرمة الميتة بالنص ولكن نقول: الحرمة صفة العين حقيقة باعتبار أنه خرج شرعاً من أن يكون محلاً للفعل الحلال وكذلك حقيقة موجبه النفي والنسخ ثم ينتفي الفعل باعتبار انعدام المحل لأن الفعل لا يتصور إلا في المحل، كالقتل لا يتصور في الميت وكان هذا إقامة العين مقام الفعل في أن صفة الحرمة تثبت له حقيقة ويتضح ذلك بالتأمل في مورد الشرع فإن الله تعالى في مال الغير نهى عن الأكل فإنه قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.... إلى قوله لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم} فعرفنا أن المحرم هو الأكل وفي الميتة قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة} فقد جعل الحرمة صفة للعين
--------------
(1) الوارد "من قبل رجل أمه..." وفي الملف المطبوع "إن قبل رجل أمه..." ولعله خطأ
(يتبع...)