قال (وإذا أسلم الرجل إلى رجل في كر حنطة فأعطاه كراً بغير كيل فليس له أن يبيعه ولا يأكله حتى يكتاله لأن المسلم فيه مبيع وإنما اشتراه رب السلم بذكر الكر فلا يتصرف فيه حتى يكتاله، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري يعني إذا اشتراه بشرط الكيل فليس له أن يكتفي بكيل البائع ولا يتصرف فيه بعد القبض حتى يكيله، وهذا لأنه إنما يملك المعقود عليه والمعقود عليه بقدر المسمى ولا يعلم ذلك إلا بالكيل، ألا ترى أنه لو كاله فوجده أزيد يلزمه رد الزيادة وتصرفه من حيث الأكل والبيع بحكم الملك فما لم يتعين ملكه بمعرفة المقدار لم يكن له أن يتصرف فيه، وإن هلك عنده وهو مقر بأنه كر وافٍ فهو مستوفٍ لأنه قبضه على وجه التملك بعقد السلم فيصير مضموناً عليه بالقبض وقد هلك عنده فيلزمه مثله، وقد أقر أنه كان كراً فيصير مستوفياً بطريق المقاصة لأن ما في المقاصة آخر الدينين قضاء عن أولهما وآخره دين المسلم إليه فيصير رب السلم مقتضياً طعام السلم به، ولأن القبض تلاقي العين، واستيفاء الدين لا يكون إلا من العين، فإذا أقر أنه كان كراً فقد علمنا أنه بقبضه صار مستوفياً لحقه وهذا الحكم في كل مكيل وموزون، فأما في المذروعات له أن يتصرف قبل الذرع لأن الذرع ص (166) صفة حتى لو وجدوه أزيد يسلم له الزيادة ولو وجده أنقص لا يحط شيئاً من الثمن فعرفنا أن الملك بالعقد إنما يثبت له في العين وقد تم قبضه في العين، وفي العدديات المتقاربة أظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه لا يتصرف قبل العد في العدديات مقداراً كالكيل والوزن حتى لو وجده زائداً لا يسلم له الزيادة، ولو وجده أنقص يحط حصة النقصان من الثمن.
وقد روي عنه أنه جوز التصرف فيه قبل العد وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - لأن بصفة العدد لا يصير مال الربا فهو بمنزلة الذرع في المذروعات والزيادة والنقصان لا يتحققان فيه إلا بغلط في العدد بخلاف الكيل والوزن والزيادة والنقصان هناك يظهران باجتهاد من الكيال والوزان من غير أن يتيقن بالخطأ فيه، وهنا الزيادة والنقصان لا يظهران إلا بغلط في العد فكان العقد متناولاً للعين فيجوز التصرف فيه قبل العد كما في المذروعات، وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن المقصود عليه في العدديات العدد لأنه مقدار كالكيل والوزن، ألا ترى أنه لو وجده أزيد لا يسلم له الزيادة ولو وجده أنقص يحط بحصة النقصان من الثمن فصار المعقود عليه القدر والقدر لا يصير معلوماً إلا بالعد إلا أنه لا يجري فيه الربا لأنه صار عددياً باصطلاح الناس لا بجعل الشرع أمثالاً متساوية،
فإذا باع جوزة بجوزتين فقد أعرضا عن ذلك الاصطلاح، وما ثبت باصطلاح الناس يبطل باصطلاحهم أيضاً بخلاف المكيل والموزون.
قال (وإن اشترى المسلم إليه من رجل كراً ثم قال لرب السلم اقبضه قبل أن يكتاله من المشتري فليس ينبغي لرب السلم أن يقبضه حتى يكتاله المشتري) لأن في هذا القبض وكيل المسلم إليه، فكما أن المسلم إليه لو قبض بنفسه كان عليه أن يكيله فكذلك إذا قبضه وكيله كان عليه أن يكتاله للمسلم إليه بحكم الشراء، ثم يكيله ثانية للقبض بنفسه بحكم السلم وليس له أن يأخذ بكيله ذلك لأنه في ذلك نائب عن المسلم إليه، فكأن المسلم إليه فعله بنفسه ثم سلمه إليه فعليه أن يكتاله لنفسه بحكم السلم وهو المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم - : (حتى يجري فيه الصاعان) أي إذا تلقاه البائع من غيره بشرط الكيل ولقاه غيره بشرط الكيل،
واختلف مشايخنا - رحمهم الله - في فصل وهو ما إذا اشترى طعاماً مكايلة فكاله البائع بمحضر من المشتري ثم سلمه إليه فمنهم من يقول: ليس للمشتري أن يكتفي بذلك الكيل ولكنه يكيله مرة أخرى استدلالاً بهذه المسألة وكيل البائع بحضرته لا يكون أقوى من كيله بنفسه والأصح له أن يكتفي بذلك الكيل لأن استحقاق الكيل بحكم عقده ففعل ص (167) البائع بحضرته كفعله بنفسه، وفي مسألة السلم استحقاق الأول بالكيل كان بالشراء فلا ينوب ذلك عن الكيل المستحق بالسلم فلهذا يلزمه الكيل مرة أخرى، فإن دفع المسلم إليه إلى رب السلم دراهم فقال اشتري لي بها طعاماً فاقبضه لي بكيل ثم كله لنفسك بكيل مستقبل كان جائزاً لأنه وكيل المسلم إليه في الشراء له وفعل الوكيل كفعل الموكل فكأنه اشتراه بنفسه ثم أمر رب السلم بقبضه، وهي المسألة الأولى
ولو قال رب السلم للمسلم إليه كل ما لي عليك من الطعام فاعزله في بيتك أو في غرائرك ففعل ذلك لم يكن رب السلم قابضاً بمنزلة قوله: اقبضه لي بيسارك من يمينك، وهذا لأن المسلم فيه دين على المسلم إليه والمديون لا يصلح أن يكون نائباً عن صاحب الدين في قبض الدين من نفسه ولو وكل رب السلم بقبض ذلك غلام المسلم إليه أو ابنه فهو جائز لأنه يصلح نائباً عن رب السلم في قبض حقه وهو في ذلك كأجنبي آخر، والإنسان يصير قابضاً حقه بيد نائبه كما يصير قابضاً بيد نفسه.
قال (ولو دفع إليه غرائره فقال كل ما لي عليك اجعله في غرائري ففعل ذلك ورب السلم ليس بحاضر لم يكن ذلك قبضاً) وفرق بين هذا وبين ما إذا اشترى منه طعاماً بعينه على أنه كر ثم دفع إليه غرائره وأمره أن يكيله فيها ففعل فإنه يصير قابضاً، والفرق بينهما أن القبض في باب السلم موجب بملك العين وغرائره لا تصلح نائبة عنه في تملك العين، وفي باب الشراء قد ملك العين بالعقد وإنما القبض للإحراز والغرائر تصلح نائبة عنه في الإحراز.
والثاني أن أمره بالكيل في غرائره غير معتبر بنفسه في السلم لأن المسلم إليه إنما يكيل ملك نفسه وله في ملك نفسه ولاية الكيل من غير إذنه فأما في الشراء إذنه معتبر في الكيل لأنه إنما يكيل ملك المشتري وله في ملك نفسه إذن معتبر فكان كيله في غرائره ككيل المشتري بنفسه، ألا ترى أنه لو أمر المسلم إليه بأن يطحن ما عليه من طعام السلم ففعل ذلك كان الدقيق له ولا يكون لرب السلم أن يقبضه لأنه يصير به مستبدلاً، وفي الشراء لو أمره أن يطحنه ففعل جاز وكان الدقيق للمشتري، وكذلك في الشراء لو أمره أن يلقيه في البحر ففعل جاز وكان الثمن مقرراً عليه، ولو أمره بذلك في السلم لم يجز، ثم قال (في الشراء وله أن يبيعه إذا كال له البائع في غرائر المشتري بأمره قبل هذا غلط) لأن الغرائر نائبة عنه في الإحراز لا في معرفة القدر فكأنه قبضه بنفسه فلا يتصرف فيه حتى يكيله ولكن ما ذكره في الكتاب أصح لما بينا أن أمره إياه بالكيل معتبر لمصادفته ملكه فكان البائع في الكيل كالنائب عنه والغرائر في القبض ص (168) والإحراز تنوب عنه وفعل نائبه كفعله بنفسه، وفي السلم إن كان في الغرائر طعام لرب السلم فكاله فيه بأمره فقد قيل لا يصير قابضاً لما ذكرنا أن أمره غير معتبر في ملك الغير
قال - رضي الله عنه - والأصح عندي أن يصير قابضاً هنا لأنه أمره بخلط طعام السلم بطعامه على وجه لا يمكن التميز معتبر فيصير بهذا الخلط قابضاً وهو مثل ما ذكر في كتاب الصرف، لو دفع إلى صائغ نصف درهم فضة وقال زد من عندك نصف درهم وصغ لي منهما خاتماً ففعل ذلك جاز وصار بالخلط قابضاً له.
قال (وإذا أسلم الرجل في كر حنطة ثم أسلم المسلم إليه إلى رب السلم في كر حنطة وأجلهما واحد وصفتهما واحدة أو مختلفة لم يكن أحدهما قصاصاً بالآخر إذا حلَّا وإن تقاصَّا) لأن المسلم فيه مبيع فيستحق قبضه بحكم العقد ولا يجوز أن يقضي به دين آخر لأن المستحق بعقد السلم قبض بكيل بعد عقد السلم ولا يحصل ذلك بقضاء دين آخر به، فإذا تقاصَّا فلا بد من أن يكون أحدهما قابضاً المسلم فيه ويكون ديناً عليه وذلك غير جائز.
قال (فإذا كان أولهما مسلماً والآخر قضاء لا يصير أحدهما قصاصاً في الحال من قبل أن القصاص عبارة عن المساواة ولا مساواة بينهما لأن أحدهما معجل والآخر مؤجل والمعجل خير من المؤجل إلا إذا حل الأجل في السلم فحينئذٍ يكون أحدهما قصاصاً بالآخر ولا بأس بأن يكون قصاصاً إذا كان سواء تقاصا أو لم يتقاصا لوجود القبض بكيل بعد عقد السلم وهو قبض المستقرض، ألا ترى أن رب السلم لو غصب من المسلم إليه كراً بعد ما حل طعام السلم كان مستوفياً حقه بطريق المقاصة، فكذلك إذا استقرض وهذا لأن في باب المقاصة آخر الدينين قضاء من أولهما ولا يكون أول الدينين قضاء عن آخرهما لأن القضاء يتلو الوجوب ولا يسبقه ولهذا في الدين المشترك لو وجب للمدين على أحد لو وجب للمدين على أحد الشريكين دين بقدر حصة وصار قصاصاً كان للشريك الآخر أن يرجع عليه بنصفه لأنه صار مستوفياً حصته،
ولو كان دين المديون عليه سابقاً على دينهما فصار قصاصاً لم يكن لشريكه أن يرجع عليه بشيء لأنه صار بنصيبه قاضياً ديناً عليه لا مقتضياً، إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان آخر الدينين قرضاً فالمسلم إليه بما أوجب له من القرض يصير قاصضياً طعام السلم ورب السلم يكون مستوفياً،
وإذا كان القرض أولاً لم يكن قصاصاً وإن تقاصا به لأن رب السلم يصير قاضياً بطعام السلم ما عليه من القرض ودين السلم يجب قبضه ولا يجوز قضاء دين آخر به فإن كان للمسلم إليه كر حنطة ديناً على رجل أو استقرض من ص (169) رجل كراً فقال لصاحب السلم كله فاكتاله رب السلم كيلاً واحداً جاز ويصير قابضاً لأن القرض لا يشترط فيه الكيل، ألا ترى أن المقرض لو استرد ما أقرض ولم يكله كان له أن يتصرف فيه، والمستقرض لو قبض ولم يكل كان له أن يتصرف فيه ورب السلم في القبض من المقرض أو المستقرض نائب عن المسلم إليه، فلما قبضه تم فيه ملك المسلم إليه قبل أن يكيله، ثم إنما يكيله بعد ذلك لنفسه بحكم السلم فلهذا يكفيه كيل واحد، بخلاف ما سبق من الشراء فإن المسلم إليه لما اشتراه بشرط الكيل لا يتعين ملكه إلا بالكيل فكان الكيل الأول من رب السلم كتعيين ملك المسلم إليه فلا بد من أن يكيله لنفسه بعد ذلك كيلاً مستقبلاً.