قال (وكل شيء اشتراه من الثمار على رأس الشجر بصنف من غيره يداً بيد فلا بأس به، وشراء الثمار قبل أن تصير منتفعاً بها لا يجوز) لأنه إذا كان بحيث لا يصلح لتناول بني آدم أو علف الدواب فهو ليس بمال متقوم، فإن صار منتفعاً به ولكن لم يبد صلاحه بعد بأن كان لا يأمن العاهة والفساد عليه فاشتراه بشرط القطع يجوز، وإن اشتراه بشرط الترك لا يجوز، وإن اشتراه مطلقاً يجوز عندنا لأن مطلق العقد يقتضي تسليم المعقود عليه في الحال فهو وشرط القطع سواء.
وعند الشافعي لا يجوز هذا العقد لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها أو قال حتى يرها أو قال حتى تأمن العاهة وتأويله عندنا في البيع بشرط الترك بدليل قوله: أرأيت لو أذهب الله تعالى الثمر بما يستحل أحدكم مال أخيه المسلم، وإنما يتوهم هذا إذا اشترى بشرط الترك إلى أن يبدو صلاحها، أما إذا اشتراها بعد ما بدا صلاحها إلا أنها لم تدرك بعد شرط القطع ص (196) يجوز وكذلك مطلقاً، ويؤمر بأن يقطعها في الحال بمقتضى مطلق العقد، وعند الشافعي - رحمه الله - يتركها إلى وقت الإدراك لأنه هو المتعارف بين الناس، ولو اشتراها بشرط الترك فالعقد فاسد عندنا جائز عند الشافعي - رحمه الله - لأنه متعارف بين الناس، ومن الشرائط في العقود ما يجوز العرف كما إذا اشترى نعلاً وشراكين بشرط أن يحذوها البائع، ولكنا نقول إن كان بمقابلة منفعة الترك شيء من البدل فهذه إجاة مشروطة في البيع وإن لم يكن فهي إعارة مشروطة في البيع، وقد ورد الشرع بالنهي عن ذلك حيث نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة وعن بيع وشرط وعن بيع وسلف وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر،
ثم أن الثمار على رؤوس الأشجار تزداد وهذه الزيادة تحدث من ملك البائع بعد البيع فكأنه ضم المعدوم إلى الموجود واشتراهما فكان باطلاً وفصل النعل مستحسن من القياس ولا يتمكن في ذلك الشرط شراء المعدوم، فأما إذا تناهى عظم الثمار وصار بحيث لا يزداد ذلك ولكن لم ينضج، فإن اشتراه بشرط القطع أو مطلقاً يجوز وإن اشتراه بشرط الترك ففي القياس العقد فاسد وهو قول أبي حنيفة وا[ي يوسف - رحمهما الله - لما قلنا وجوز محمد العقد في هذا الفصل استحساناً لأنه شرط متعارف ومدة الترك يسيرة وقد يتحمل اليسير فيما لا يتحمل فيه الكثير مع أنه لا يؤخذ للزيادة من ملك البائه بعد هذا، ولكن الشمس تنضجه بتقدير الله ويأخذ اللون من القمر بتقدير الله والطعم من الكواكب بتقدير الله فلم يبق فيه إلا عمل القمر والشمس والكواكب فلهذا قال محمد استحسن أن أجوزه بخلاف ما قبل أن يتناهى عظمه، فإن اشتراه مطلق ثم تركه إلى وقت الإدراك فهو على قياس ما قدمنا من التفصيل في الفصل إلا في فصلين (أحدهما) أن هناك لو استأجر الأرض مدة معلومة يجوز وهنا لو استأجر الأشجار مدة معلومة لا يجوز بحال لأن استئجار الأرض بالدراهم صحيح واستئجار الأشجار لا يجوز بحال، (والثاني) أن هناك لو استأجر الأرض إلى وقت الإدراك يلزمه أجر المثل زلا يطيب له الفضل وهنا لا يلزمه شيء من الأجر ويطيب له الفضل لأن استئجار الأشجار لا يجوز له بحال فلا ينعقد العقد عليهما فاسداً أيضاً وبدون انعقاد العقد لا يجب الأجر،
وإذا صار العقد لغواً بقي مجرد الإذن والترك متى كان بإذن البائع فالفضل يطيب له ولم يذكر فصلاً آخر في الكتاب وهو ما إذا صار بعض الثمار منتفعاً به ولم يخرج البعض بعد أو لم يصر منتفعاً به ولم يخرج البعض أو لم يصر منتفعاً به ص (197) كالتين ونحوه فاشترى الكل فظاهر المذهب أن هذا العقد لا يجوز عندنا خلافاً لمالك فإنه يقول وجود صفة المالية والتقوم في شيء مما هو المقصود يجعل كوجوده في الكل للحاجة إلى ذلك كما أن في باب الإجارة يجعل وجود جزء من المنفعة كوجود الكل في حق جواز العقد، أو يجعل ما خرج أصلاً وما لم يخرج منه جعل تبعاً له في حق جواز العقد لتعامل الناس، ولكنا نقول جمع في العقد بين المعدوم والموجود، والمعدوم لا يقبل البيع وحصة الموجود من البدل غير معلوم فلا يجوز العقد وجعل المعدوم حقيقة موجوداً حكماً للضرورة وذلك فيما لا يقبل العقد بعد الوجود حقيقة، فأما الثمار تقبل العقد بعد الوجود قال - رضي الله عنه - : وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة يفتي بجواز هذا البيع في الثمار والباذنجان والبطيخ وغير ذلك،
وهكذا حكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل قال: أجعل الموجود أصلاً في العقد وما يحدث بعد ذلك تبعاً. قال استحسن فيه لتعامل الناس فإنهم تعاملوا بيع ثمار الكرم بهذه الصفة ولهم في ذلك عادة ظاهرة وفي نزع الناس عن عادتهم حرج بيِّن.
قال وقد رأيت رواية في هذا عن محمد وهو في بيع الورد على الأشجار فإن الورد مثلاً حق؟؟ ثم جوز البيع
في الكل مطلقاً بهذا الطريق.
قال الشيخ الإمام ولكن الأول عندي أصح لأن المصير إلى هذا الطريق عند تحقق الضرورة ولا ضرورة في الباذنجان فإنه يمكنه أن يبيع أصولها حتى يكون ما يحدث من ملك المشتري له وفي الثمار كذلك فإنه يمكنه أن يشتري الموجود المنتفع به بعض الثمن ثم يؤخر العقد فيما بقي إلى أن يصير منتفعاً به أو يشتري الموجود بجميع الثمن، ويحل للبائع أن ينتفع بما يحدث فيحصل مقصودهما بهذا الطريق،
(قال وإن اشترى طعام بطعام مثله فعجله له وترك الذي اشترى ولم يقبض حتى افترقا فلا بأس به عندنا) وقال الشافعي يبطل البيع والتقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام من جنسه أو من خلاف جنسه ليس بشرط عندنا، وقال الشافعي هو شرط عندي، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الأشياء الأربعة يداً بيد، والمراد به القبض، ألا ترى أن هذا اللفظ في الذهب والفضة أفاد شرط القبض ثم قال في آخر الحديث
وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يداً بيد، وهذا ينصرف إلى جميع ما سبق، ثم فهم منه في بيع الذهب والفضة شرط القبض في المجلس فكذلك في الأشياء الأربعة ولأن العقد جمع بين بدلين لو قوبل كل واحد منهما بجنسه عيناً يحرم التفاضل بينهما فيشترط القبض فيه في المجلس كبيع الذهب والفضة وهذا ص (198) لأن بالاتفاق يحرم النَّساء هنا مع اختلاف الجنس وليس ذلك للتفاوت في المالية لأن حقيقة التفاضل عند اختلاف الجنس يجوز فعرفنا أن حرمة النَّساء لوجوب القبض في المجلس ولنا في المسألة طريقان:
(أحدهما) أن القبض حكم للعقد فلا يشترط اقترانه بالعقد كالملك فإنه يجوز أن يتأخر عن حالة العقد بخيار شرط أو نحوه، وهذا لأن حكم الشيء يعقبه ولا يقترن به، وإنما يقترن بالشيء شرطه والقبض في كل بيع إنما يستحق العقد فيكون حكم العقد لا شرطه، وساعات المجلس إنما تجعل كحالة العقد فيما هو شرط العقد، فأما في الحكم مجلس العقد وما بعده سواء، وهذا بخلاف الصرف فالقبض الذي هو حكم العقد لا يشترط هناك عندنا وإنما يشترط التعيين لأن التعين شرط العقد بدليل نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكالئ بالكالئ والنقود لا تتعين في العقود فكان اشتراط القبض للتعيين وليس أحد البدلين في الصرف بأولى من الآخر بهذا
شرطنا القبض فيهما للتعيين وفي باب السلم شرطنا القبض في رأس المال للتعيين حتى لا يكون ديناً بدين ولكن ما يقابله وهو السلم فيه مؤجل فلا يشترط التعيين فيه بمقتضى العقد،
ثم قد يرد عقد الصرف والسلم على ما يتعين بالتعيين إلا أنه يشق على كل تاجر معرفة ما يتعين ومعرفة ما لا يتعين فأقام الشرع اسم الصرف والسلم مقام عدم التعيين في البدلين تيسيراً على الناس.
والطريقة (الثانية) ما علل في الكتاب فقال لأنه حاضر ليس له أجل، ومعنى هذا أن الحرمة باعتبار فضل في المالية حقيقة أو حكماً باشتراط الأجل وذلك لا يوجد هنا فالتجار لا يفصلون في المالية بين المقبوض في المجلس وبين غير المقبوض بعد أن يكون حالاً، وإذا لم يتمكن فضل خالي عن المقابلة كان العقد جائزاً كما في بيع العبيد والدواب بجنسه أو بغير جنسه، وأما الصرف والسلم فقد اختصا باسم شرعاً واختصاصهما باسم لاختصاصهما بحكم يقتضيه ذلك الإسم وهو صرف ما في يد كل واحد منهما إلى يد صاحبه بالقبض في المجلس، ولهذا شرطنا ذلك مع اختلاف الجنس،
والسلم أخذ عاجل بآجل فشرطنا التعجيل في أحد البدلين بمقتضى الإسم، وقد يؤخذ حكم العقد من اسمه كالكفالة والوكالة والنكاح، فاما هذا البيع كسائر البيوع في الإسم وكل واحد من العوضين فيه يتعين بالتعيين فيكون حكم العقد فيه استحقاق التسليم لا وجوب القبض في المجلس كما في سائر البيوع، وقد بينا في أول الكتاب أن المراد من قوله - صلى الله عليه وسلم - يداً بيد، أي عين بعين، لأن التعيين بالإشارة باليد، كما أن القبض يكون باليد فيصلح ذكر اليد كناية عنهما، ولكن لو كان مراده القبض لقال: من يد إلى ص (199) يد فلما قال يداً بيد عرفنا أنه بمنزلة قوله عين بعين،
وأما بيع العبد بالعبدين والثوب بالثوبين فجائز بدون القبض في المجلس لأنهما يفترقان عن عين بعين، وكذلك بيع العبد والثوب بالنقد لأنهما يفترقان عن عين بدين، وذلك جائز، ولو شرط فيه أجل يوم في العين كان فاسداً لأن العين لا تقبل الأجل فالمقصود بالأجل أن يحصل في المدة فيسلمه وذلك في العين لا يتحقق، ولأنه منفعة في اشتراط الأجل في العين لا يداً بيد لا يسقط فيه بالتعرف بعد أن كان مملوكاً لغيره بالعقد لأن الأجل لا يمنع الملك ولكن فيه ضرر على المشتري من حيث قصور يده عن العين إلى مضي الأجل وجواز الشرط في العقد الانتفاع به لا لضرر بغيره.
قال (وإذا اشترى طعاماً بطعام مثله واشترط أحدهما على صاحبه أن يوفيه طعامه في منزله لم يجز) لأن شرط المساواة عند اتحاد الجنس ثابت بالنص، وبهذا الشرط متمكن من أحد الجانبين فضل وهو منفعة الحمل إلى منزله ليوفيه فيه فتنعدم به المساواة، وإن كان اشتراه بغير جنسه بأن اشتراه خارجاً من المصر وشرط أن يوفيه في منزله في المصر فالعقد فاسد أيضاً لأن وجوب التسليم بالعقد في الموضع الذي فيه المعقود عليه فالمشتري يملك بنفس العقد وهو عين فإذا اشترط لنفسه منفعة الحمل على البائع فسد به العقد، كما لو شرط أن يطحنه، وإن كان اشتراه في المصر وشرط أن يحمله إلى منزله فالعقد فاسد، فإن شرط أن يوفيه في منزله ففي القياس العقد فاسد، وهو قول محمد وفي الاستحسان هو جائز وهو قول أبي حنيفة وا[ي يوسف - رحمهما الله تعالى - وجه القياس ما بينا أن بنفس العقد صار المبيع مملوكاً للمشتري في الموضع الذي فيه المعقود عليه ففي اشتراط تسليمه في مكان آخر شرطه منفعة لا يقبضه العقد، فإن كان بمقابلتها شيء من البدب فهي إجارة مشروطة في البيع وإلا فهي إعارة مشروطة في البيع وذلك مفسد للبيع، كما لو اشتراها خارج المصر أو كان الشرط بلفظ الحمل، وإنما استحسن أبو حنيفة وأبو يوسف للعرف فإن الإنسان يشتري الحطب في المصر ولا يكتري دابة أخرى لتحمله إلى منزله ولكن البائع هو الذي يتكلف لذلك، وما كان متعارفاً وليس في عينه نص يبطله فالقول بجوازه واجب لما في النزع عن العادة من حرج بيِّن،
ومثل هذه العادة لا توجد خارج المصر بل إذا اشترى الحنطة أو الحطب خارج المصر فالمشتري هو الذي يتكلف الحمل ذلك يوضحه أن نواحي المصر كناحية واحدة حتى أن قيمة ما له حمل ومؤنة لا يختلف في نواحي المصر بخلاف المصر مع القرية فقيمتها في المصر أكثر من قيمتها خارج المصر وما كان ذلك إلا لأن ص (200) المشتري هو الذي يتكلف النقل، ثم هذا الاستحسان عند بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى - في لفظ الحمل والإيفاء سواء، وقالوا لا فرق خصوصاً في لسان الفارسية بين أن يقول: يسارنجاته من أو بيادنخانه من أو يردادبخانه من والأصح هو الفرق من قبل أن الإيفاء من مقضيات العقد فالعقد يوجب إيفاء المعقود عليه لا محالة فكان شرط الإيفاء ملائماً لمقتضى العقد فأما الحمل ليس من مقتضات العقد، ألا ترى أن العقد قد يخلو عنه بأن يسلمه إلى المشتري في ذلك المكان وشرط الحمل لا يلائم مقتضى العقد فلهذا أخذنا فيه بالقياس.
قال (وإن اشترى شعيراً بصوف متفاضلاً فلا بأس به) لأنهما جنسان لاختلاف الإسم والهيئة والمقصود وأصلهما وإن كان نوعاً واحداً ولكن باختلاف هذه المعاني يختلف الجنس مع اتحاد الأصل كالثياب المتخذة من القطن وكذلك القطن بالكتان والمشاقة بالكتان لا بأس به متفاضلاً لأنهما حنسلن مختلفان إلا في رواية عن أبي يوسف قال: المشاقة والكتان جنس واحد فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا وزناً بوزن، بمنزلة أنواع التمر والحديد والنحاس كذلك جنسان لا بأس ببيع أحدهما بالآخر متفاضلاً ولا خير في أن يسلم هذا في شيء من الموزونات لأن الكل موزون بثمن، وكذلك الأواني المتخذة من الصفر والنحاس إذا كان يباع وزناً لا يجوز إسلامهما في الموزونات أما أواني الذهب والفضة فيجوز إسلامها في الموزونات من الزعفران والسكر وغيرهما كما يجوز إسلام الدراهم في هذه الأشياء لأن صفة الثمينة لها ثلبتة بأصل الخلقة فلا تتغير بالصفة وعند زفر لا يجوز لأنه موزون مثمن حتى يتعين بالعقد في التعيين فهذا كالمتخذ من الصفر والحديد،
وإذا كان شرط السلم طعاماً وسطاً فأعطاه أجود أو أردأ فرضي به جاز لأنه إن أعطاه أجود فقد أحسن في قضاء الدين وإن أعطاه أردأ فقد أحسن الآخر إلى أسيره حين رضي منه به وأبرأه من صفة الجودة حين تجوز بدون حقه فجاز ذلك.
وذكر الطحاوي أنه لو أسلم إليه دراهم في حنطة فقبضها رب السلم فوجد بها عيباً وقد تعيب عنده فإن رضي المسلم إليه أن يقبلها مع العيب الحادث رد المقبوض وطالبه رب السلم بحقه، وإن أبى أن يرضى لم يرجع رب السلم عليه بشيء في قول أبي حنيفة لأن الفائت وصف ولا قيمة للصفة في الأموال الربوية منفردة عن الأصل،
وعند محمد رجع بحصة نقصان العيب من رأس المال لأن بقدر ما يرجع يخرج من أن يكون رأس المال بمنزلة ما لو حط بعضه فلا يؤدي إلى الربا إذا رجع بحصة العيب بهذا الطريق،
وقال أبو يوسف إن أبى المسلم إليه أن يقبل المعيب غرم ص (201) رب السلم طعاماً قبل المقبوض ورجع بحقه وهو مستقيم على أصله في رد المثل عند تعذر رد العين لصاحب الدين إذا وجد المقبوض زيوفاً وقد هلك في يده، وفي اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله -.
قال (لو قال لآخر اشتريت منك كر حنطة وسط إلى أجل كذا بهذه العشرة دراهم على أن تؤديها إليَّ في مكان كذا فهو سلم جائز عندنا) وقال زفر لا يجوز لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وهو منهي عنه شرعاً وإنما اللرخصة في السلم خاصة فإذا ذكر لفظ السلم جاز بطريق الرخصة وإلا فهو فاسد، ولكنا نقول: قد أتينا بمعنى السلم وذكر شرائطه والعبرة للمعنى دون الألفاظ ألا ترى أنه قال ملكتك هذه العين بعشرة دراهم وقبل الآخر كان بيعاً وإن لم يذكرا لفظ البيع وهذا على أصل زفر أظهر فإنه يجعل الهبة بشرط العوض بيعاً ابتداءاً، ثم ختم الباب بفصل من فصول التحالف وهو ما إذا اشترى عبدين وقبضهما وهلك أحدهما عنده ثم اختلفا في الثمن فعلى قول أبي حنيفة القول قول المشتري ولا يتحالفان لا في القائم ولا في الهالك إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الميت شيئاً، وعند أبي يوسف القول قول المشتري في حصة الهالك يتحالفان ويترادان في الحي، وعند محمد يتحالفان ويترادان القائم وقيمة الهالك، وهذا بناء على ما إذا اختلفا في الثمن بعد هلاك السلعة، فإن عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - هلاك السلعة يمنع جريان التحالف بينهما وعند محمد لا يمنع وبيان هذا الفصل يأتي في بابه إن شاء الله، فلما كان من أصل محمد أن هلاك جميع السلعة لا يمنع جريان التحالف فكذلك هلاك البعض، ثم بعد التحالف فسخ العقد في القائم منهما على العين ممكن رد العين وفي الهالك رد العين متعذر فيقوم رد القيمة مقام رد العين كما لو كان الكل هالكاً عنده والقول في قيمة الهالك قول المشتري مع يمينه لإنكاره الزيادة بمنزلة الغاصب مع المغصوب منه إذا اختلفا في قيمة المغصوب، وعند أبي يوسف لو كانا قائمين فسخ العقد فيما بينهما بالتحالف ولو كانا هالكين لم يجز التحالف بينهما فإذا مات أحدهما يعتبر كل واحد منهما في نفسه كما في الفسخ بسبب الرد بالعيب،
ثم تفسير قوله أن المشتري يحلف بالله ما اشتراهما بألفين ثم يحلف البائع بالله ما باعهما بألف كما يدعيه المشتري ولا يفضل أحدهما عن الآخر في اليمين لأنه إذا فضل أحدهما على الآخر في التحالف يفوت مقصود اليمين فكل واحد منهما يكون باراً في يمينه، وإن كان الحال كما يدعيه خصمه فلهذا يجمع بينهما في التحالف، فإذا تحالفا ترد العين منهما ثم يحلف المشتري في حصة الهالك بالله ما عليه من ثمنه إلا خمسمائة إذا كانت قيمتهما سواء وإن ص (202) اختلفا في قيمة الهالك فينبغي أن يكون القول في قيمته قول البائع مع يمينه، وإن اختلفا في قيمة الحي لتوزيع الثمن عليهما تحكم قيمته في الحال فإن كانت مثل ما يقوله البائع أو أقل فالقول قول البائع مع يمينه، وإن كانت مثل ما يقوله المشتري أو أكثر منه فالقول قول المشتري مع يمينه، وإن كانت فيما بين ذلك يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه فإذا حلفا اعتبرت قيمته في الحال لتوزيع الثمن عليهما، وأما بيان قول أبي حنيفة فإنه يقول الصفقة صفقة واحدة والمقصود بالتحالف هو الفسخ، فإذا تعذر ذلك بهلاك بعض المعقود عليه يجعل بمنزلة ما لو تعذر بهلاك الكل، ألا ترى أنهما لو كانا قائمين لم يستقم ثبوت حكم التحالف والفسخ في أحدهما دون الآخر فكذلك بعد هلاك أحدهما، بخلاف الرد بالعيب لأن العيب مما لا يمنع تمام الصفقة، فإذا هلك أحدهما في يده ووجد بالآخر عيباً فرده يكون هذا تفريقاً للصفقة قبل التمام وذلك لم يجز بخلاف ما نحن فيه فإن جهالة الثمن تمنع تمام الصفقة، فلو قلنا فإنه يجوز رده يكون القول في الثمن قول المشتري إلا إن شاء البائع أن يأخذ الحي ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئاً فحينئذٍ يصير الهالك كأن لم يتناوله العقد وكأنه ما اشترى إلا القائم، ثم عند ذلك يحلف المشتري بالله ما اشتراهما بألفين ثم يحلف البائع بالله ما باعهما بألف لأن من اشترى شيئين بألفين ثم حلف ما اشترى أحدهما بألف كان صادقاً وكذلك من باع شيئين بألف ثم حلف ما باع أحدهما بخمسمائة كان صادقاً فلهذا يجمع بينهما في التحالف، فإذا تحالفا رد العين ولا شيء للبائع على المشتري في الهالك من ثمن ولا قيمة لأنه قد أبرأه من ذلك حين رضي بأن يأخذ الحي فقط والله أعلم.