الملل والنحل للشهرستانيالجزء الأول › الباب الثالث: من له شبهة كتاب › الفصل الأول المجوس › الزردشتية › مقالة زردشت في المبادئ

ابحث في الصفحة

وقد أورد الجيهاني إحدى مقالات زردشت في المبادئ، وهي:

إن دين زردشت هو الدعوة إلى دين مارسيان، وإن معبوده أورمزد.

والملائكة المتوسطون في رسالاته إليه: بهمن، وأرديبهشت، وشهريور، وأسفندارمز، وخرداد، ومرداد.

وقد رآهم زردشت، واستفاد منهم العلوم.

وجرت مساءلات بينه وبين أورمزد من غير توسط:

أولها: قال زردشت: ما الشيء الذي كان ويكون، وهو الآن موجود؟

قال أورمزد: أنا والدين والكلام.

أما الدين: فعمل أورمزد، وكلامه، وإيمانه.

وأما الكلام: فكلامه.

والدين أفضل من الكلام ؛إذ العمل أفضل من القول.

وأول من أبدع من الملائكة بهمن، وعلمه الدين، وخصه بموضع النور مكانا، وأقنعه بذاته ذاتا ؛فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة.

(1/ 239)

السؤال الثاني: قال: لِمَ لَمْ تخلق الأشياء كلها في زمان غير متناه ؛إذ قد جعلت الزمان نصفين، نصفه متناه، ونصفه غير متناه، فلو خلقتها في زمان غير متناه كان لا يستحيل شيء منها؟

قال أورمزد: فإن كان لا يمكن أن تفنى ثَمَّ آفات الأثيم إبليس.

السؤال الثالث: قال مماذا خلقت هذا العالم؟

قال أورمزد: خلقت جميع هذا العالم من نفسي:

أما أنفس الأبرار: فمن شعر رأسي.

وأما السماء: فمن أم رأسي.

والظفر والمعاضد: فمن جبهتي.

والشمس: فمن عيني.

والقمر: فمن أنفي.

والكواكب: فمن لساني.

وسروس وسائر الملائكة: فمن أذني.

والأرض: فمن عصب رجلي.

وأريت هذا الدين أولا كيومرث، فشعر به وحفظه من غير تعلم ولا مدارسة.

قال زردشت: فلماذا أريت هذا الدين كيومرث بالوهم، وألقيته إلي بالقول؟

قال أورمزد: لأنك تحتاج أن تتعلم هذا الدين وتعلمه غيرك، وكيومرث لم يجد من يقبله، فأمسك عن التكلم، وهذا خير لك ؛لأني أقول وأنت تسمع، وأنت تقول والناس يسمعون ويقبلون.

فقال زردشت لأورمزد: هل أريت هذا الدين أحدا قبلي غير كيومرث؟

قال: بلى أريت هذا الدين جم خمسين نجما مخمسا من أجل إنكاره الضحاك.

قال: إذا كنت عالما أنه لا يقبله ؛ فلماذا أريته؟

قال: لو لم أره لما صار إليك، وقد أريته أيضا أفريدون، وكيكاوس، وكيقباد، وكشتاسب.

قال زردشت: خلقك العالم، وترويجك الدين، لأي شيء؟

قال: لأن فناء العفريت الأثيم لا يمكن إلا بخلق العالم، وترويج الدين ولو لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم.

فلما أخذ زردشت الدين من أورمزد الوهاب، واستحكمه، وعمل به، وزمزم في بيت أبيه (1/ 240) عليه.

غاظ ذلك كون الأثيم وأقلقه ؛إذ كان شريرا ممتلئا موتا، وظلمة، وبلاء، ومحنة ؛فدعا بشياطينه، وأسماؤهم:

بري ديوانياخ، ودويهمان زوش، ونومربفنارديو، وأمرهم جميعا بالمسير إلى زردشت وقتله.

فعلم زردشت بذلك ؛فقرأ، وزمزم، وأراق الماء على يدي مارسيان ؛ فانهزموا عنه مقهورين.

وجرت محاربات أخرى فهزمهم زردشت بإحدى وعشرين آية من كتابه أوستا، وتوارت الشياطين عن الناس.

ولما بلغ زردشت مبلغ الكمال بأربعين سنة، وتمت له المخاطبات في سبع عودات إلى أورمزد، وأكمل فيها معرفة شرائع دين الله وفرائضه وسننه ؛ أمره الله بالمسير إلى كشتاسب الملك، وإظهار ذكر الله واسمه.

فنفذ لأمر الله، ودعا ملكين كانا بذلك الصقع، يقال لهما: فوربماراي، وبيويدست، فدعاهما إلى دين الله، والكفر بالشيطان، وفعل الخير، واجتناب الشر، فلم يقبلا قوله، وأخذتهما العزة بالإثم، فجاءتهما ريح فحملتهما من الأرض، ووقفت بهما في الهواء، واجتمع الناس ينظرون إليهما، فغشيهما الطير من كل ناحية، وأتوا على لحومهما، وسقطت عظامهما على الأرض.

ولما بلغ كشتاسب لقي منه كل ما أنبأه به أورمزد من الحبس والبلاء، حتى حدث أمر الفرس الذي دخلت قوائمه في باطن بدنه، حتى لم ير أثرها في جسده واستبْهم حاله على الناس، وتحيروا، وأخرجه كشتاسب من الحبس، وسأله الحال.

فقال: تلك آية من آيات صدقي الذي أخبرني به إلهي وخالقي، وشارطهم على الإيمان به إن هو دعا وأخرج قوائم الفرس وشرطوا، ودعا باسم الله فخرجت قوائم الفرس كما كانت.

فآمن به كشتاسب، وأمر بجمع علماء أهل زمانه من بابل وإيران شهر، وأمرهم بمحاورة زردشت، فناظروه فاعترفوا له بالفضيلة.

قال: ومما جاء به زردشت المصطفى من دين مارسيان: أن إلهه أورمزد لم يزل، ولم يزل معه شيء، سماه أسنى أسنه، وهو شيء مضيء حوله، وهو فوق، وأن إبليس لم يزل معه شيء سماه: أستاه أستاه، وهو مظلم حوله وهو أسفل. (1/242)

وأول ما خلق الله من الملائكة بهمن، ثم أرديبهشت، ثم شهريور، ثم أسفندارمز، ثم خرداد، ثم مرداد.

وخلق بعضهم من بعض، كما يؤخذ السراج من السراج، من غير أن ينقص من الأول شيء.

وقال لهم: من ربكم وخالقكم؟

فقالوا: أنت ربنا وخالقنا.

وعلم أورمزد أن إبليس سيتحرك من ظلمته، فأعلم بذلك الملائكة، وبدأ بإعداد ما يورطه ويدفع شره وأذاه عن عالمه، ويبطل إرادته، فخلق السماء في خمسة وأربعين يوما، وسمى كاهينازي شورم، ومعناه ظهور ضمائر أهل الدنيا إلى سائر الكاهينازات المذكورات عندهم، وخلق الأرض في خمسة وأربعين يوما.

وأول من ابتعثه أورمزد إلى الأرض كيومرث، وقد كان يستنشق النسيم ثلاثة آلاف سنة، ثم أخرجه في قامة ثلاثة رجال.

ولما أن جاء وقت تحريك إبليس في ظلمته ارتفع ورأى النور، وطمع في الاستيلاء على أسنى أورمزد، وتصييره مظلما، ودخل السماء يكيد ثم لكيومرث ثلاثين سنة، وصارت نطفته ثلاثة أقسام:

قسم أمر الله الأرض أن تحفظه.

وقسم أمر سروس الملك أن يحفظه.

وثلث اختطفته الشياطين.

وأمر أورمزد بسد الثقوب التي صعد منها إبليس، فبقي داخل السماء منقطعا عن أصله وقوته، فانتصب لمنابذة أورمزد، ورام الصعود إلى الجنان، فدفعه عن ذلك قدر ثلاثة آلاف سنة، ثم أعلمه أنه يسعى في الباطل والخسار، ويروم ما لا يقدر عليه.

واتفق الأمر بينهما على أن يبقى إبليس وجنوده في قرار الضوء تسعة آلاف سنة، ويروى سبعة آلاف سنة، ثم يبطل، ويحتمل خلقه الأذى في هذه السنين، ويصبرون عليه، وعلى ما ينالهم من الفقر، والبلاء، والموت، وسائر الآفات، ليعوضهم منها الحياة الدائمة في الجنان.

واشترط إبليس لنفسه وشياطينه ثمانية عشر شرطا:

الأول منها: أن تصير معيشة خلقه من خلق الله.

والثاني: أن يكون ممن خلقه على خلق الله.

والثالث: أن يسلط خلقه على خلق الله.

والرابع: أن يخلط جوهر خلقه بجوهر خلق الله.

والخامس: أن يصير له السبيل إلى أن يأخذ الطين الذي في خلق الله.

(1/ 242)

والسادس: أن يصير له من النور الذي في خلق الله ما يريد.

والسابع: أن يصير له من الرياح التي في خلق الله حاجته.

والثامن: أن يصير له من الرطوبة التي في خلق الله.

والتاسع: أن يصير له من النار التي في خلق الله.

والعاشر: أن يصير له من المودة والمصاهرة التي في خلق الله ليخلط الأشرار بالأخيار.

والحادي عشر: أن يصير له من العقل والبصر الذي في خلق الله ليعرف خلقه مسالك المنافع والمضار.

والثاني عشر: أن يصير له من العدل الذي في خلق الله ليجعل للأشرار فيه نصيبا.

والثالث عشر: أن تخفى على الناس معرفة عمل الصالحين والأشرار إلى يوم القيامة والحساب.

والرابع عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يبلغ بأهل بيت الشرارة والخبث غاية الغنى والدرجات، ويصيرهم عند الناس صالحين.

والخامس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يجعل كذب الأشرار مقبولا على الأخيار.

والسادس عشر: أن يصير له السبيل إلى أن يعمر من أهل الدنيا من أراد من خلقه ألف سنة، أو ثلاثة آلاف سنة، ويصيرهم أغنياء أقوياء قادرين على ما يريدون، وأن يلهم الناس حتى يكونوا بإعطاء الأشرار أسخى منهم بإعطاء الأخيار وأطيب نفسا.

والسابع عشر: أن يصير له السبيل إلى إفناء أهل بيت الصالحين، حتى لا يعرف منهم أحد بعد ثلاثمائة وخمسين سنة.

والثامن عشر: أن يملك أمر من يحيي الأموات، ويبقي الأخيار، وينفي الأشرار إلى يوم القيامة.

فتمت البيعة، أقاما عليها، ودفعا سيفيهما إلى عدلين، على أن يقتلا من رجع عن شرطه.

وأمر الله تعالى الشمس والقمر والكواكب أن تجري لمعرفة الأيام والشهور والأعوام التي جعلها عدة الإنظار والإمهال.

ومما نص عليه زردشت أن للعالم قوة إلهية هي المدبرة لجميع ما في العالم، المنتهية مبادئها إلى كمالاتها.

وهذه القوة تسمى مشاسبند، وهي:

على لسان الصابئة: المدبر الأقرب.

وعلى لسان الفلاسفة: العقل الفعالي، ومنه الفيض الإلهي، والعناية الربانية.

وعلى لسان المانوية: الأرواح الطيبة.

وعلى لسان العرب: الملائكة.

وعلى لسان الشرع والكتاب الإلهي: الروح: (تَنَزَّل الملائكة والروح فيها).

(1/ 243)

وأثبت غيره منشاه ومنشايه، ويعني بهما آدم وحواء في العالم الجسماني، والعقل والنفس في العالم الروحاني.