نيل الأوطارالجزء الخامس. › كتاب البيوع. › أبواب الربا. › باب ما جاء في الشبهات.

ابحث في الصفحة

قوله: (الحلال بين) الخ فيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم صحيح لأن الشيء إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله أو لا ينص على واحد منهما. فالأول الحلال البين. والثاني الحرام البين. والثالث المشتبه لخفائه فلا يدرى أحلال هو أم حرام وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حراماً فقد برئ من التبعة وإن كان حلالاً فقد استحق الأجر على الترك لهذا القصد لأن الأصل مختلف فيه حظراً وإباحة. وهذا التقسيم قد وافق قول من قال ممن سيأتي إن المباح والمكروه من المشبهات ولكنه يشكل عليه المندوب فإنه لا يدخل في قسم الحلال البين على ما زعمه صاحب هذا التقسيم والمراد بكون كل واحد من القسمين الأولين بيناً أنه مما لا يحتاج إلى بيان أو مما يشترك في معرفته كل أحد وقد يردان جميعاً أي ما يدل على الحل والحرمة فإن علم المتأخر منهما فذاك وإلا كان ما ورد فيه القسم الثالث.

قوله: (أمور مشتبهة) أي شبهت بغيرها مما لم يتبين فحكمه على التعيين زاد في رواية للبخاري: (لا يعلمها كثير من الناس) أي لا يعلم حكمها وجاء واضحاً في رواية للترمذي ولفظه: (لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام) ومفهوم قوله كثير أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون فالشبهات على هذا في حق غيرهم وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين.

قوله: (والمعاصي حمى اللّه) في رواية للبخاري وغيره: (ألا إن حمى اللّه تعالى في أرضه محارمه) والمراد بالمحارم والمعاصي فعل المنهي المحرم أو ترك المأمور الواجب والحمى المحمي أطلق المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل بالحمى نكتة وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مخصبة يتوعدون من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة فمثل لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بما هو مشهور عندهم فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه فبعده أسلم له وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه فلا يأمن أن يقع فيه بعض مواشيه بغير اختياره وربما أجدب المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه فاللّه سبحانه هو الملك حقاً وحماه محارمه.

(وقد اختلف) في حكم الشبهات فقيل: التحريم وهو مردود [ص 322] وقيل: الكراهة وقيل: الوقف وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.

واختلف العلماء أيضاً في تفسير الشبهات فمنهم من قال: إنها ما تعارضت فيه الأدلة ومنهم من قال: إنها ما اختلف فيه العلماء وهو منتزع من التفسير الأول ومنهم من قال: إن المراد بها قسم المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك ومنهم من قال: هي المباح. ونقل ابن المنير عن بعض مشايخه أنه كان يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام والمباح عقبة بينه وبين المكروه فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه. ويؤيد هذا ما وقع في رواية لابن حبان من الزيادة بلفظ: (اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه) قال في الفتح بعد أن ذكر التفاسير للمشتبهات التي قدمناها ما لفظه: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول قال: ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مراداً ويختلف ذلك باختلاف الناس فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جراءة على ارتكاب المنهي في الجملة أو يحمله اعتياده لارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم أو يكون ذلك لسر فيه وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه ولهذا قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم) الخ.

(واعلم أن العلماء) قد عظموا أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام كما نقل عن أبي داود وغيره وقد جمعها من قال:

عمدة الدين عندنا كلمات * مسندات من قول خير البرية

اترك الشبهات وازهد ودع ما * ليس يعنيك واعملن بنية

والإشارة بقوله ازهد إلى حديث: (ازهد فيما في أيدي الناس) أخرجه ابن ماجه وحسن إسناده الحافظ وصححه الحاكم عن سهل بن سعد مرفوعاً بلفظ: (ازهد في الدنيا يحبك اللّه وازهد فيما عند الناس يحبك الناس) وله شاهد عند أبي نعيم من حديث أنس ورجاله ثقات. والمشهور عن أبي داود عد حديث: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) مكان حديث: (ازهد) المذكور. وعد حديث الباب بعضهم ثالث ثلاثة وحذف الثاني وأشار ابن العربي أنه يمكن أن ينزع منه وحده جميع الأحكام [ص 323] قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب فمن هناك يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه. وقد ادعى أبو عمر الداني أن هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم غير النعمان بن بشير فإن أراد من وجهه صحيح فمسلم وإن أراد على الإطلاق فمردود فإنه في الأوسط للطبراني من حديث ابن عمر وعمار وفي الكبير له من حديث ابن عباس وفي الترغيب للأصبهاني من حديث واثلة وفي أسانيدها مقال كما قال الحافظ.

2 - وعن عطية السعدي: (أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس).

رواه الترمذي.

3 - وعن أنس قال: (إن كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ليصيب التمرة فيقول: لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها).

متفق عليه.

4 - وعن أبي هريرة قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاماً فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه وإن سقاه شراباً من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه).

رواه أحمد.

5 - وعن أنس بن مالك قال: (إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه).

ذكره البخاري في صحيحه.