الهدايةالجزء 3 › كتاب الشهادات › باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل

ابحث في الصفحة

قال ولا تقبل شهادة الأعمى وقال زفر رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تقبل فيما يجري فيه التسامع لأن الحاجة فيه إلى السماع ولا خلل فيه وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله يجوز إذا كان بصيرا وقت التحمل لحصول العلم بالمعاينة والأداء يختص بالقول ولسانه غير موف والتعريق يحصل بالنسبة كما في الشهادة على (ص 122) الميت ولنا أن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر فصار كالحدود والقصاص ولو عمى بعد الأداء يمتنع القضاء عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن قيام الأهلية للشهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده ولذا بطلت وصار كما إذا خرس أو جن أو فسق بخلاف ما إذا ماتوا أو غابوا لأن الأهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت

قال ولا المملوك لأن الشهادة من باب الولاية وهو لا يلي نفسه فأولى أن لا تثبت له الولاية على غيره ولا المحدود في القذل وإن تاب لقوله تعالى {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} ولأنه من تمام الحد لكونه مانعا فيبقى بعد التوبة كأصله بخلاف المحدود في غير القذف لأن الرد للفسق وقد ارتفع بالتوبة وقال الشافعي رحمه الله تقبل إذا تاب لقوله تعالى {إلا الذين تابوا} استثنى التائب

قلنا الاستثناء ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى {وأولئك هم الفاسقون} أو هو استثناء منقطع بمعنى لكن ولو حد الكافر في قذف ثم أسلم تقبل شهادته لأن للكافر شهادة فكان ردها من تمام الحد وبالإسلام حدثت له شهادة أخرى بخلاف العبد إذا حد ثم أعتق لأنه لا شهادة للعبد أصلا فتمام حده يرد شهادته بعد العتق

قال ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده ولا شهادة الولد لأبوية وأجداده والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده ولا المولى لعبده ولا الأجير لمن استأجره ولأن المنافع بين الأولاد والآباء متصلة ولهذا لا يجوز أداء الزكاء إليهم فتكون شهادة لنفسه من وجه أو تتمكن فيه التهمة

قال والمراد بالإجير على ما قالوا التلميذ الخاص الذي يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا شهادة للقانع بأهل البيت وقيل المراد به الأجير مسانهة أو مشاهرة أو مياومة فيستوجب الأجر بمنافعه عند أداء الشهادة فيصير كالمستأجر عليها

قال ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر وقال الشافعي رحمه الله تقبل لأن الأملاك بينهما متميزة والأيدي متحيزة ولهذا يجري القصاص والحبس بالذين بينهما (ص 123) ولا معتبر بما فيه من النفع لثبوته ضمنا كما في الغريم إذا شهد لمديونه المفلس ولنا ما رويناه ولأن الانتفاع متصل عادة وهو المقصود فيصير شاهدا لنفسه من وجه أو يصير متهما بخلاف شهادة الغريم لأنه لا ولاية له على المشهود به ولا شهادة المولى لعبده لأنه شهادة لنفسه من كل وجه إذا لم يكن على العبد دين أو من وجه إن كان عليه دين لأن الحال موقوف مراعى ولا لمكاتبه لما قلنا ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما لأنه شهادة لنفسه من وجه لاشتراكهما ولو شهد بما ليس من شركتهما تقبل لانتفاء التهمة وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه لانعدام التهمة لأن الأملاك ومنافعها متباينة ولا بسوطة لبعضهم في مال البعض

قال ولا تقبل شهادة مخنث ومراده المخنث في الرديء من الأفعال لأنه فاسق فأما الذي في كلامه لين وفي أعضائه تكسر فهو مقبول الشهادة ولا نائحة ولا مغنية لأنهما يرتكبان محرما فإنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوتين الأحمقين النائحة والمغنية

قال ولا مدمن الشرب على اللهو لأنه ارتكب محرم دينه ولا من يلعت بالطيور لأنه يورث غفلة ولأنه قد يقف على عورات النساء بصعوده على سطحه ليطير طيره وفي بعض النسخ ولا من يلعب بالطنبور وهو المغني

قال ولا من يغني للناس لأنه يجمع الناس على ارتكاب كبيرة

قال ولا من يأتي بابا من الكبائر التي يتعلق بها الحد للفسق

قال ولا من يدخل الحمام من غير إزار لأن كشف العورة حرام أو يأكل الربا أو يقامر بالنرد والشطرنج لأن كل ذلك من الكبائر وكذلك من تفوته الصلاة للاشتغال بهما فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق مانع من الشهادة لأن للاجتهاج فيه مساغا وشرط في الأصل أن يكون آكل الربا مشهورا به لأن الإنسان قلما ينجو عن مباشرة العقود الفاسدة وكل ذلك ربا

قال ولا من يفعل الأفعال المستحقرة كالبول على الطريق والأكل على الطريق لأنه تارك للمروءة وإذا كان لا يستحي عن مثل ذلك لا يمتنع عن الكذب فيتهم ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف لظهور فسقه بخلاف من يكتمه وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية وقال الشافعي رحمه الله لا تقبل أو لأنه أغلظ وجوه الفسق ولنا أنه (ص 124) فسق من حيث الاعتقاد وما أوقعه فيه إلا تدينه به وصار كمن يشرب المثلث أو يأكل متروك التسمية عامدا مستبيحا لذلك بخلاف الفسق من حيث التعاطي

أما الخطابية فهم قوم من غلاة الروافض يعتقدون الشهادة لكل من حلف عندهم وقيل يرون الشهادة لشيعتهم واجبة فتمكنت التهمة في شهادتهم لظهور فسقهم د

قال وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم وقال مالك والشافعي رحمهما الله لا تقبل لأنه فاسق قال الله تعالى {والكافرون هم الظالمون} فيجب التوقف في خبره ولهذا لا تقبل شهادته على المسلم فصار كالمرتد ولنا ما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض ولأنه من أهل الولاية على نفسه وأولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه والفسق من حيث الاعتقاد غير مانع لأنه يجتنب ما يعتقده محرم دينه والكذب محظور الأديان كلها بخلاف المرتد لأنه لا ولاية له وبخلاف شهادة الذمي على المسلم لأنه لا ولاية له بالإضافة إليه ولأنه يتقول عليه لأنه يغيظه قهره إياه وملل الكفر وإن اختلفت فلا قهر فلا يحملهم الغيظ على التقول

قال ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي أراد به والله أعلم المستأمن لأنه لا ولاية له عليه لأن الذمي من أهل دارنا وهو اعلى حالا منه وتقبل شهادة الذمي عليه كشهادة المسلم عليه وعلى الذمي وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض إذا كانوا من أهل دار واحدة فإن كانوا من دارين كالروم والترك لا تقبل لأن اختلاف الدارين يقطع الولاية ولهذا يمنع التوارث بخلاف الذمي لأنه من أهل دارنا ولا كذلك المستأمن وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألم بمعصية هذا هو الصحيح في حد العدالة المعتبرة إذ لا بد من توقي الكبائر كلها وبعد ذلك يعتبر الغالب كما ذكرنا فأما الإلمام بمعصية لا تنقدح به العدالة المشروطة فلا ترد به للشهادة المشروعة لأن في اعتبار اجتنابه الكل سد بابه وهو مفتوح إحياء للحقوق

قال وتقبل شهادة الأقلف لأنه لا يخل بالعدالة إلا إذا تركه استخفافا بالدين لأنه لم يبق بهذا الصنيع عدلا والخصي لأن عمر رضي الله عنه قبل شهادة علقمة الخصي ولأنه قطع عضو منه ظلما فصار كما إذا قطعت يده وولد الزنا لأن فسق الأبوين لا يوجب فسق الولد ككفرهما وهو مسلم (ص 125) وقال مالك رحمه الله لا تقبل في الزنا لأنه يجب أن يكون غيره كمثله فيتهم قلنا العدل لا يختار ذلك ولا يستحبه والكلام في العدل

قال وشهادة الخنثى جائزة لأنه رجل أو امرأة وشهادة الجنسين مقبولة بالنص وشهادة العمال جائزة والمراد عمال السلطان عند عامة المشايخ لأن نفس العمل ليس بفسق إلا إذا كانوا أعوانا على الظلم وقيل العامل إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة لا يجازف في كلامه تقبل شهادته كما مر عن أبي يوسف رحمه الله في الفاسق لأنه لوجاهته لا يقدم على الكذب حفظا للمروءة ولمهابته لا يستأجر على الشهادة الكاذبة

قال وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك فهو جائز استحسانا وإن أنكر الوصي لم يجز وفي القياس لا يجوز وإن ادعى وعلى هذا إذا شهد الموصى لهما بذلك أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو شهد الوصيان أنه أوصى إلى هذا الرجل معهما وجه القياس أنه شهادة للشاهد لود المنفعة إليه وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا ولاموت معروف فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أن يثبت بها شيء فصار كالقرعة والوصيان إذأ أقرا أن معهما ثالثا يملك القاضي نصب ثالث معهما لعجزهما عن التصرف باعترافهما بخلاف ما إذا أنكرا ولم يعرف الموت لأنه ليس له ولاية نصب الوصي فتكون الشهادة هي الموجبة وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة وإن لم يكن الموت معروفا لأنهما يقران على أنفسهما فيثبت الموت باعترافهما في حقهما وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله يقبض ديونه بالكوفة فادعى الوكيل أو أنكره لا تقبل شهادتهما لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب فلو ثبت إنما يثبت بشهادتهما وهي غير موجبة لمكان التهمة

قال ولا يسمع القاضي الشهادة على جرح مجرد ولا يحكم بذلك لأن الفسق مما لا يدخل تحت الحكم لأن له الدفع بالتوبة فلا يتحقق الإلزام ولأنه هتك السر والستر واجب والإشاعة حرام وإنما يرخص ضرورة إحياء الحقوق وذلك فيما يدخل تحت الحكم إلا إذا شهدوا على إقرار المدعى بذلك تقبل لأن الإقرار مما يدخل تحت الحكم

قال ولو أقام المدعى عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود لم تقبل لأنه شهادة على جرح مجرد والاستئجار وإن كان أمرا زائدا عليه فلا خصم في إثباته لأن المدعى عليه في ذلك أجنبي عنه حتى لو أقام المدعي عليه البينة أن المدعي استأجر الشهود بعشرة (ص 126) دراهم ليؤدوا الشهادة وأعطاهم العشرة من مالي الذي كان في يده تقبل لأنه خصم في ذلك ثم يثبت الجرح بناء عليه وكذا إذا أقامها على أني صالحت هؤلاء الشهود على كذا من المال ودفعته إليهم على أن لا يشهدوا علي بهذا الباطل وقد شهدوا وطالبهم برد ذلك المال ولهذا قلنا إنه لو أقام البينة أن الشاهد عبد أو محدود في قذف أو شارب خمر أو قاذف أو شريك المدعي تقبل

قال ومن شهد ولم يبرح حتى قال أوهمت بعض شهادتي فإن كان عدلا جازت شهادته ومعنى قوله أوهمت أي اخطأت بنسيان ما كان يحق علي ذكره أو بزيادة كانت باطلة ووجهه أن الشاهد قد يبتلى بمثله لمهابة مجلس القضاء فكان العذر واضحا فتقبل إذا تداركه في أوانه وهو عدل بخلاف ما إذا قام عن المجلس ثم عاد وقال أوهمت لأنه يوهم الزيادة من المدعى بتلبيس وخيانة فوجب الاحتياط ولأن المجلس إذا اتحد لحق الملحق بأصل الشهادة فصار ككلام واحد ولا كذلك إذا اختلف وعلى هذا إذا وقع الغلط في بعض الحدود أو في بعض النسب وهذا إذا كان موضع شبهة فأما إذا لم يكن فلا بأس إعادة الكلام أصلا مثل أن يدع لفظة الشهادة وما يجري مجرى ذلك وإن قام عن المجلس بعد أن يكون عدلا وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه يقبل قوله في غير المجلس إذا كان عدلا والظاهر ما ذكرناه والله أعلم