قال الإجارة تفسدها الشروط كما تفسد البيع لأنه بمنزلته ألا ترى أنه عقد يقال ويفسخ والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل لا يجاوز به المسمى وقال زفر والشافعي رحمهما الله يجب بالغا ما بلغ اعتبارا ببيع الأعيان ولنا أن المنافع لا تتقوم بنفسها بل بالعقد لحاجة الناس فيكتفى بالضرورة في الصحيح منها إلا أن الفاسد تبع له فيعتبر (ص 239) ما يجعل بدلا في الصحيح عادة لكنهما إذا اتفقا على مقدار في الفاسد فقد أسقطا الزيادة وإذا نقص أجر المثل لم يجب زيادة المسمى لفساد التسمية بخلاف البيع لأن العين متقومة في نفسها وهي الموجب الأصلي فإن صحت التسمية انتقل عنه وإلا فلا
قال ومن استأجر دارا كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد فاسد في بقية الشهور إلا أن يسمى جملة شهور معلومة لأن الأصل أن كلمة كل إذا دخلت فيما لا نهاية له تنصرف إلى الواحد لتعذر العمل بالعموم فكان الشهر الواحد معلوما فصح العقد فيه وإذا تم كان لكل واحد منهما أن ينقض الإجارة لانتهاء العقد الصحيح ولو سمى جملة شهور معلومة جاز لأن المدة صارت معلومة
قال وإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه وليس للمؤاجر أن يخرجه إلى أن ينقضي وكذلك كل شهر سكن في أوله ساعة لأنه تم العقد بتراضيهما بالسكنى في الشهر الثاني إلا أن الذي ذكره في الكتاب هو القياس وقد مال إليه بعض المشايخ وظاهر الرواية أن يبقى الخيار لكل واحد منهما في الليلة الأولى من الشهر الثاني ويومها لأن في اعتبار الأول بعض الحرج
قال وإن استأجر دارا سنة بعشرة دراهم وإن لم يبين قسط كل شهر من الأجرة لأن المدة معلومة بدون التقسيم فصار كإجارة شهر واحد فإنه جائز وإن لم يبين قسط كل يوم ثم يعتبر ابتداء المدة مما سمي وإن لم يسم شيئا فهو من الوقت الذي استأجره لأن الأوقات كلها في حق الإجارة على السواء فأشبه اليمين بخلاف الصوم لأن الليالي ليست بمحل له ثم إن كان العقد حين يهل الهلال فشهور السنة كلها بالأهلة لأنها هي الأصل وإن كان في أثناء الشهر فالكل بالأيام عند أبي حنيفة رحمه الله وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله وعند محمد وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله الأول بالأيام والباقي بالأهلة لأن الأيام يصار إليها ضرورة والضرورة في الأول منها وله أنه متى تم الأول بالأيام ابتدأ الثاني بالأيام ضرورة وهكذا إلى آخر السنة ونظيره العدة وقد مر في الطلاق
قال ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام أما الحمام فلتعارف الناس ولم تعتبر الجهالة جماع المسلمين قال عليه الصلاة والسلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وأما الحجام فلما روى أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام الأجرة ولأنه استئجار على عمل معلوم بأجر معلوم فيقع جائزا (ص 240) قال ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس وهو أن يؤاجر فحلا لينزو على الإناث لقوله عليه الصلاة والسلام إن من السحت عسب التيس والمراد أخذ الأجرة عليه
قال ولا الاستئجار على الأذان والحج وكذا الإمامة وتعليم القرآن والفقه والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يصح في كل ما لا يتعين على الأجير لأنه استئجار على عمل معلوم غير متعين عليه فيجوز ولنا قوله عليه الصلاة والسلام اقرأوا القرآن ولا تأكلوا به وفي آخر ما عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى عثمان بن أبي العاص وإن اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الأذان أجرا ولأن القربة متى حصلت وقعت عن العامل ولهذا تعتبر أهليته فلا يجوز له أخذ الأجر من غيره كما في الصوم والصلاة ولأن التعليم مما لا يقدر المعلم عليه إلا بمعنى من قبل المتعلم فيكون ملتزما مالا يقدر على تسليمه فلا يصح وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن اليوم لأنه ظهر التواني في الأمور الدينية ففي الامتناع تضييع حفظ القرآن وعليه الفتوى
قال ولا يجوز الاستئجار على الغناء والنوح وكذا سائر الملاهي لأنه استئجار على المعصية والمعصية لا تستحق بالعقد
قال ولا يجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة رحمه الله إلا من الشريك وقالا إجارة المشاع جائزة وصورته أن يؤجر نصيبا من داره أو نصيبه من دار مشتركة من غير الشريك لهما أن للمشاع منفعة ولهذا يجب أجر المثل والتسليم ممكن بالتخلية أو بالتهايؤ فدمار كما إذا آجر من شريكه أو من رجلين وصار كالبيع ولأبي حنيفة رحمه الله أنه آجر ما لا يقدر على تسليمه فلا يجوز وهذا لأن تسليم المشاع وحده لا يتصور والتخلية اعتبرت تسليما لوقوعه تمكينا وهو الفعل الذي يحصل به التمكن ولا تمكن في المشاع بخلاف البيع لحصول التمكن فيه وأما التهايؤ فإنما يستحق حكما للعقد بواسطة الملك وحكم العقد يعقبه والقدرة على التسليم شرط العقد وشرط الشيء يسبقه ولا يعتبر المتراخي سابقا وبخلاف ما إذا آجر من شريكه فالكل يحدث على ملكه فلا شيوع والاختلاف في النسبة لا يضر على أنه لا يصح في رواية الحسن عنه وبخلاف الشيوع الطارى ء لأن القدرة على التسليم ليست بشرط للبقاء وبخلاف ما إذا آجر من رجلين لأن التسليم يقع جملة ثم الشيوع بتفرق الملك فيما بينهما طارى ء (ص 241) قال ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة لقوله تعالى {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ولأن التعامل به كان جاريا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله وأقرهم عليه ثم قيل إن العقد يقع على المنافع وهي خدمتها للصبي والقيام به واللبن يستحق على طريق التبع بمنزلة الصبغ في الثوب وقيل إن العقد يقع على اللبن والخدمة تابعة ولهذا لو أرضعته بلبن شاة لا تستحق الأجر والأول أقرب إلى الفقة لأن عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودا كما إذا استأجر بقرة ليشرب لبنها وسنبين العذر عن الأرضاع بلبن الشاة إن شاء الله تعالى وإذا ثبت ما ذكرنا يصح إذا كانت الأجرة معلومة اعتبارا بالاستئجار على الخدمة
قال ويجوز بطعامها وكسوتها استحسانا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يجوز لأن الأجرة مجهولة فصار كما إذا استأجرها للخبز والطبخ وله أن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لأن في العادة التوسعة على الأظآر شفقة على الأولاد فصار كبيع قفيز من صبرة بخلاف الخبز والطبخ لأن الجهالة فيه تفضي إلى المنازعة وفي الجامع الصغير فإن سمى الطعام دراهم ووصف جنس الكسوة وأجلها وذرعها فهو جائز يعني بالإجماع ومعنى تسمية الطعام دراهم أن يجعل الأجرة دراهم ثم يدفع الطعام مكانها وهذا لا جهالة فيه ولو سمى الطعام وبين قدره جاز أيضا لما قلنا ولا يشترط تأجيله لأن أوصافها أثمان ويشترط بيان مكان الإيفاء عند أبي حنيفة خلافا لهما وقد ذكرناه في البيوع وفي الكسوة يشترط بيان الأجل أيضا مع بيان القدر والجنس لأنه إنما يصير دينا في الذمة إذا صار مبيعا وإنما يصير مبيعا عند الأجل كما في السلم
قال وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها لأن الوطء حق الزوج فلا يتمكن من إبطال حقه ألا ترى أن له أن يفسخ الإجارة إذا لم يعلم به صيانة لحقه إلا أن المستأجر يمنعه من غشيانها في منزله لأن المنزل حقه فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها لأن لبن الحامل يفسد الصبي فلهذا كان لهم الفسخ إذا مرضت أيضا وعليها أن تصلخ طعام الصبي لأن العمل عليها والحاصل أنه يعتبر فيما لانص عليه العرف في مثل هذا الباب فما جرى به العرف من غسل ثياب الصبي وإصلاح الطعام وغير ذلك فهو على الظئر أما الطعام فعلى والد الولد وما ذكر محمد رحمه الله أن الدهن والريحان على الظئر فذلك من عادة أهل الكوفة وإن أرضعته في المدة بلبن شاة فلا أجر (ص 242) لها لأنها لم تأت بعمل مستحق عليها وهو الإرضاع فإن هذا إيجار وليس بإرضاع وإنما لم يجب الأجر لهذا المعنى أنه اختلف العمل
قال ومن دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف فله أجر مثله وكذا إذا استأجر حمارا يحمل عليه طعاما بقفيز منه فالإجارة فاسدة لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحان وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه وهو أن يستأجر ثورا ليطحن له حنطة بقفيز من دقيقه وهذا أصل كبير يعرف به فساد كثير من الإجارات لا سيما في ديارنا والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر وهو بعض المنسوج أو المحمول إذ حصوله بفعل الأجير فلا يعد هو قادرا بقدرة غيره وهذا بخلاف ما إذا استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر حيث لا يجب له الآجر لأن المستأجر ملك الأجير في الحال بالتعجيل فصار مشتركا بينهما ومن استأجر رجلا لحمل طعام مشترك بينهما لا يجب الأجر لأنه ما من جزء يحمله إلا وهو عامل لنفسه فيه فلا يتحقق تسليم المعقود عليه قال ولا يجاوز بالأجر قفيزا لأنه لما فسدت الإجارة فالواجب الأقل مما سمى ومن أجر المثل لأنه رضي بحط الزيادة وهذا بخلاف ما إذا اشتركا في الاحتطاب حيث يجب الأجر بالغا ما بلغ عند محمد لأن المسمى هناك غير معلوم فلم يصح الحط
قال ومن استأجر رجلا ليخبز له هذه العشرة المخاتيم من الدقيق اليوم بدرهم فهو فاسد وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في الإجارات هو جائز لأنه يجعل المعقود عليه عملا ويجعل ذكر الوقت للاستعجال تصحيحا للعقد فترتفع الجهالة وله أن المعقود عليه مجهول لأن ذكر الوقت يوجب كون المنفعة معقودا عليها وذكر العمل يوجب كونه معقودا عليه ولا ترجيح ونفع المستأجر في الثاني ونفع الأجير في الأول فيفضي إلى المنازعة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يصح الإجارة إذا قال في اليوم وقد سمى عملا لأنه للظرف فكان المعقود عليه العمل بخلاف قوله اليوم وقد مر مثله في الطلاق
قال ومن استأجر أرضا على أن يكربها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها فهو جائز لأن الزراعة مستحقة بالعقد ولا تتأتى الزراعة إلا بالسقي والكراب فكان كل واحد منهما مستحقا كل شروط هذه صفته يكون من مقتضيات العقد فذكره لا يوجب الفساد فإن (ص 243) شرط أن يثنيها أو يكرى أنهارها أو يسرقنها فهو فاسد لأنه يبقى أثره بعد انقضاء المدة وأنه ليس من مقتضيات العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين وما هذا حاله يوجب الفساد لأن مؤاجر الأرض يصير مستأجرا منافع الأجير على وجه يبقى بعد المدة فيصير صفقتان في صفقة وهو منهى عنه ثم قيل المراد بالتثنية أن يردها مكروبة ولا شبهة في فساده وقيل أن يكربها مرتين وهذا في موضع تخرج الأرض الربع بالكراب مرة والمدة سنة واحدة وإن كانت ثلاث سنين لا تبقى منفعته وليس المراد بكري الأنهار الجداول بل المراد منها الأنهار العظام هو الصحيح لأنه تبقى منفعته في العام القابل
قال وإن استأجرها ليزرعها بزراعة أرض أخرى فلا خير فيه وقال الشافعي رحمه الله هو جائز وعلى هذا إجارة السكنى بالسكنى واللبس باللبس والركوب بالركوب له أن المنافع بمنزلة الأعيان حتى جازت الإجارة بأجرة دين ولا يصير دينا بدين ولنا أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا فصار كبيع القوهي بالقوهي نسيئة وإلى هذا أشار محمد رحمه الله ولأن الإجارة جوزت بخلاف القياس للحاجة ولا حاجة عند اتحاد الجنس بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة
قال وإذا كان الطعام بين رجلين فاستأجر أحدهما صاحبه أو حمار صاحبه على أن يحمل نصيبه فحمل الطعام كله فلا أجر له وقال الشافعي رحمه الله له المسمى لأن المنفعة عين عنده وبيع العين شائعا جائز فاصر كما إذا استأجر دارا مشتركة بينه وبين غيره ليضع فيها الطعام أو عبدا مشتركا ليخيط له الثياب ولنا أنه استأجره لعمل لا وجود له لأن الحمل فعل حسي ولا يتصور في الشائع بخلاف البيع لأنه تصرف حكمي وإذا لم يتصور تسليم المعقود عليه لا يجب الأجر ولأن ما من جزء يحمله إلا وهو شريك فيه فيكون عاملا لنفسه فلا يتحقق التسليم بخلاف الدار المشتركة لأن المعقود عليه هنالك والمنافع ويتحقق تسليمها بدون وضع الطعام وبخلاف العبد لأن المعقود عليه إنما هو ملك نصيب صاحبه وأنه أمر حكمي يمكن إيقاعه في الشائع
ومن استأجر أرضا ولم يذكر أنه يزرعها أو أي شيء يزرعها فالإجارة فاسدة لأن الأرض تستأجر للزراعة ولغيرها وكذا ما يزرع فيها مختلف فمنه ما يضر بالأرض مالا يضر بها غيره فلم يكن المعقود عليه معلوما
قال فإن زرعها ومضى الأجل فله المسمى وهذا استحسان وفي القياس لا يجوز له (ص 244) وهو قول زفر رحمه الله لأنه وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا وجه الاستحسان أن الجهالة ارتفعت قبل تمام العقد فينقلب جائزا كما إذا ارتفعت في حالة العقد وصار كما إذا أسقط الأجل المجهول قبل مضيه والخيار الزائد في المدة
قال ومن استأجر حمارا إلى بغداد بدرهم ولم يسم ما يحمل عليه فحمل ما يحمل الناس فنفق في نصف الطريق فلا ضمان عليه لأن الغين المستأجرة أمانة في يد المستأجر وإن كانت الإجارة فاسدة
قال فإن بلغ بغداد فله الأجر المسمى استحسانا على ما ذكرنا في المسألة الأولى
قال وإن اختصما قبل أن يحمل عليه وفي المسألة الأولى قبل أن يزرع نقضت الإجارة دفعا للفساد إذ الفساد قائم بعد