قال القاضي أبو بكر (رضي الله عنه): يكفيك من شر سماعه، فكيف التمليل به. خمسمائة عام عداً إلى يوم مقالي هذا - لا ننقص منها يوماً ولا نزيد يوماً - وهو مهلّ شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وماذا يرجى بعد التمام إلا النقص؟. [ص 185]
ما رضيت النصارى واليهود في أصحاب موسى وعيسى ما رضيت الروافض في أصحاب محمد صلى الله حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقي منهم؟ وقد قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} [سورة النور: 55]، وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم ولا خليفة فيهم ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون، إلا في ظلم وتعدّ وغصب وهرج وتشتيت وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت الأمة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما نص على أحد يكون من بعده. وقد قال العباس لعلي فيما روى عنه عبد الله ابنه - قال عبد الله [ص 186] ابن عباس: خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أصبح بحمد الله بارئاً. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا. وإني لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن يكون هذا الأمر بعده، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو بكر (رضي الله عنه): رأيُ العباس عندي أصحُّ، [ص 187] وأقرب إلى الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدَّعي الإشارة باستخلاف عليّ، فكيف أن يُدَّعى فيه نص؟!
فأما أبو بكر، فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه. قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال: تجدين أبا بكر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وقد وقع بينه [أي بين عمر] وبين أبي بكر كلام. فتمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل أنتم تاركو لي صاحبي (مرتين). إني بُعثت إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ. ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذاً في الإسلام خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ولكن أخي، وصاحبي".
وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً. لا يبقينَّ في المسجد خوخة إلا [ص 188] خوخة أبي بكر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنوعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذَنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غرباً، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعَطَن".
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فرجف بهم: فقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال [ص 189] يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في مرضه: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
وقال ابن عباس: إن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أرى الليلة في المنام ظُلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل. وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض فأراك أخذت به فعلوت، [ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به]، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل له فعلاً (وذكر الحديث). ثم عبرها أبو بكر فقال: وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، فأخذته فيعليك الله. ثم يأخذ به رجل آخر بعدك فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به ثم يوصل فيعلو به". [ص 190]
وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا"؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء، فوزنتَ أنت وأبو بكر فرجحتَ. ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر. ووُزن عمر وعثمان فرجح عمر. ثم رُفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال في السبب إلى الحق لمن وفقه الله. ولو لم يكن معكم - أيها السنية - إلا قوله تعالى: {تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] فجعلها في نصيف وجعل أبا بكر في نصيف آخر وقام معه جميع الصحابة.
وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفى منها حال الخلفاء في خلالهم وولايتهم وتربيتهم خصوصاً وعموماً. وقد قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} [سورة النور: 55]. وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم فبمن [ص 191] يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا، ومن بعدهم مختلف فيه، وأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم. فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين، وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومَن بعدهم تبع لهم من الأئمة الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله. فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره مقصور على الدنيا وأحكامها.
وأما حفاظ الدين فهم الأئمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف:
الصنف الأول - حفظوا أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش.
الصنف الثاني - علماء الأصول: ذبوا عن دين الله أهلَ العناد وأصحابَ البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون عنه في مآزق الضلال.
الصنف الثالث - قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون المعاملات، وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الخراج والديات، وبينوا معاني الإيمان والنذور، وفصلوا الأحكام في الدعاوى. فهم - في الدين - بمنزلة الوكلاء المتصرفين في الأموال.
الصنف الرابع - تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق. وهم - في الآخرة - كخواصّ الملك في الدنيا.
وقد أوضحنا في كتاب (سراج المريدين) في القسم الرابع من علوم القرآن أيَّ المنازل أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم. [ص 192]
قال القاضي أبو بكر (رضي الله عنه): وهذه كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات. ومجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان من العقلاء.
ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر أو على عليّ، لم يكن بدّ من احتجاج عليّ به، أو يحتج له به غيره من المهاجرين والأنصار. فأما حديث غدير خم فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينة كما استخلف موسى هارون في حياته - عند سفره للمناجاة - على بني إسرائيل. وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود على أن موسى مات بعد هارون، فأين الخلافة؟
وأما قوله "اللهم وال من والاه" فكلام صحيح، ودعوة مجابة. وما يعلم أحد عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته. والزيادة في الحد نقصان من المحدود. ولو تعدى عليها أبو بكر ما كان المتعدّي وحده، بل جميع الصحابة - كما قلنا - لأنهم ساعدوه على الباطل.
ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مدارياً لهم، ومعنياً بهم على نفاق وتقية. وأين أنت من قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع قول عائشة رضي الله عنها: مروا عمر فليصلِّ بالناس: "إنكنَّ لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" [ص 193] وما قدمنا من تلك الأحاديث.
لقد اقتحموا عظيماً، ولقد افتروا كبيراً. وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأبي بكر، إذ قال: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن لم أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف" فما ردَّ هذه الكلمات أحد. وقال: "أجعلها شورى في النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض". وقد رضى الله عن أكثر منهم، ولكنهم كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة.
وأما قولهم تحيل ابن عوف حتى ردَّها لعثمان، فلئن كانت حيلة ولم يكن سواها فلأنَّ الحول ليس إليه. وإذا كان عمل العباد حيلة أو كان القضاء بالحول فالحول والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه لا يليها إلا [ص 194] واحد، فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر - بعد أن أخرج نفسه - على أن يجتهد للمسلمين في الأسدّ والأشدّ، فكان كما فعل، وولاها من استحقها، ولم يكن غيره أولى منه بها، حسبما بينا في "مراتب الخلافة" من (أنوار الفجر) وفي غيره من [كتب] الحديث.
وقُتل عثمان، فلم يبق على الأرض أحق بها من عليّ، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها. وبين الله على يديه من الأحكام والعلوم ما شاء الله أن يبين. وقد قال عمر "لولا عليّ لهلك عمر". وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة - من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادرتهم، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم، وندائه: لا نبدأ بالحرب، ولا يتبع مولّ، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولا نغنم لهم مالاً - وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى ما عرفنا قتال أهل البغي.
وأما خروج طلحة والزبير فقد تقدم بيانه.
وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار. وقد بينا أحوال أهل الذنوب التي ليس منها سبّ في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب. [ص 195]
فإن قيل: فقد قال العباس في عليّ ما رواه الأئمة ان العباس وعلياً اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الظالم الكاذب الآثم الجائر. فقال الرهط لعمر: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: أنشدكم الله الذي بأذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة" يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على العباس وعليّ فقال: أنشدكما الله، هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، فعمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي، فقال أبو بكر: أنا وليُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبضها سنتين في إمارته فعمل فيها بما عمل رسول الله [ص 196] صلى الله عليه وسلم. وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب غادر خائن، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق... وذكر الحديث.
قلنا: أما قول العباس لعلي فقول الأب للابن، وذلك على الرأس محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول. وأما قول عمر انهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام، رأى فيها هذا رأياً ورأى فيها أولئك رأياً، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلى ذلك. ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يُسلم لحكم القاضي في المختلف فيه. وأما المحكوم عليه فرأى أنه قد وهم، ولكن سكت وسلم.
فإن قيل: إنما يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر - إذ كان الحكم باجتهاد، وأما [بعد أن] أدّى هذا الحكم إلى منع فاطمة والعباس الميراث بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا نورَّث، ما تركنا صدقة" وعلمه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه العشرة وشهدوا به، فبطل ما قلتموه.
قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في أول الحال - والأمر لم يظهر بعد - فرأيا أن خبر الواحد في معارضة القرآن والأصول والحكم المشهور في الزمن لا يعمل به حتى يتقرر الأمر، فلما تقرر سلما وانقادا، بدليل ما قدمنا [ص 197] من الحديث الصحيح إلى آخره، فلينظر فيه. وهذا أيضاً ليس بنص في المسألة، لأن قوله "لا نورث، ما تركنا صدقة" يحتمل أن يكون: لا يصح ميراثنا، ولا أنا أهل له، لأنه ليس لي ملك، ولا تلبست بشيء من الدنيا ينتقل إلى غيري عني. ويحتمل "لا نورث" حكم، وقوله "ما تركنا صدقة" حكم آخر معين أخبر به أنه قد أنفذ الصدقة فيما كان بيده من سهمه المتصير إليه بتسويغ الله له، وكان من ذلك مخصوصاً بما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب" وكان له سهمه مع المسلمين فيما غنموا بما أخذوه عنوة. ويحتمل أن يكون "صدقة" منصوباً على أن يكون حالا من المتروك. إلى هذا أشار أصحاب أبي حنيفة، وهو ضعيف وقد بيناه في موضعه. بيدَ أنه يأتيك في هذا أن المسألة مجرى الخلاف، ومحل الاجتهاد، وأنها ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم فتحتمل التصويب والتخطئة من المجتهدين. والله أعلم.